ع ع ع

لؤي الرحيباني | صالح ملص | حباء شحادة | ديانا رحيمة

أيقظ الإعلان عن تطوير لقاحات فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19)، نهاية عام 2020، الأمل بنهاية مصدر الخوف والقلق اللذين قلبا موازين الشعوب والدول كافة، لكن في سوريا لم يكن “الارتياح” شعور السكان بالضرورة.

مرت نحو تسعة أشهر على تسجيل أولى حالات الإصابة بالفيروس في مناطق النظام السوري، وبعدها سُجلت الإصابات في الشمال الشرقي بمناطق سيطرة “الإدارة الذاتية”، ثم في الشمال الغربي الذي تتقاسم السيطرة عليه كل من حكومة “الإنقاذ” و”الحكومة المؤقتة”، لكن وسائل الوقاية والعلاج من الفيروس “المميت” لم تبلغ النسب الكبرى من السكان بعد.

ما بين تحديات لوجستية واقتصادية وسياسية وعسكرية، يعيش السوريون واقعًا طبيًا “صعبًا” لا يبشر بتعامل سلس مع لقاح احتارت كبرى الدول في خطة الحصول عليه وتوزيعه.

تناقش عنب بلدي في هذا الملف، من خلال لقاءات مع أطباء ومسؤولين ومحللين واستطلاع آراء مدنيين، جهوزية سوريا لاستقبال لقاحات “كورونا”، على ضوء تعامل “الحكومات والإدارة” مع الفيروس، وما خلفته أعوام الحرب من تدهور صحي واقتصادي.

وصول اللقاح المرتقب إلى سوريا.. على محك التحديات اللوجستية

على اختلاف  مناطق السيطرة في الخريطة السورية، تعد التحديات اللوجستية العقبة الكبرى من بين بقية التحديات، إذ إن تحديد سوريا من بين الدول الـ92 التي ستتلقى اللقاح بمعونة اقتصادية من التحالف العالمي “كوفاكس”، لم يترك وصوله رهنًا لاجتهاد وحرص السلطات الحاكمة.

وفي افتتاح نائب الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة الطارئة، مارك لوكوك، تقريره المقدم إلى مجلس الأمن، في 16 من كانون الأول 2020، وصف المسؤول الأممي القدرة على تحديد أعداد المصابين بفيروس “كورونا” في سوريا بـ”المستحيل”، بسبب محدودية القدرة على إجراء الفحوص لكشفه في جميع أنحائها.

رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون يقف لالتقاط صورة فوتوغرافية مع عبوة اللقاح المرشح لـ AstraZeneca / جامعة أكسفورد – 30 تشرين الثاني 2020 (رويترز)

وعقب إعلان وزارة الصحة في حكومة النظام السوري عن اقتراب وصول اللقاح ضد فيروس “كورونا”، بدأت التساؤلات حول مدى جهوزية سوريا لوجستيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، لتلقي اللقاح وتخزينه وتوزيعه والتطعيم به.

وفي 22 من كانون الأول 2020، أعلن مدير منظمة الإسعاف والطوارئ بوزارة الصحة في حكومة النظام السوري، توفيق حسابا، أن حكومته ستتلقى لقاحًا ضد فيروس “كورونا”، متوقعًا أن يصل اللقاح في الربع الأول من عام 2021.

ونقل موقع “هاشتاغ سوريا” المحلي حينها عن حسابا قوله، ”حتى الآن لم تُعرف نوعية اللقاح الذي سيتم تزويدنا به، وهذا الأمر يعود إلى أن منظمة الصحة هي من ستعتمد اللقاح الذي سيتم تزويد الدول به”، لافتًا إلى أن اللقاح مأجور، وأن الحكومة ستطعّم السوريين به “مجانًا”.

وأشار حسابا إلى أن “الصحة العالمية” وعدت بتوفير اللقاح في الربع الأول من العام الحالي، “لكنها لم تؤكد هذا بشكل قاطع حتى اللحظة”، لافتًا إلى أنه لا يزال سعر اللقاح الذي ستختاره المنظمة وتزود حكومة النظام به غير معروف.

ما هي “كوفاكس”؟

سيتم منح سوريا اللقاح عبر منصة “كوفاكس” التي أوجدتها “الصحة العالمية”، لضمان وصول اللقاحات المعتمدة إلى الدول الأقل نموًا في العالم بشكل عادل.

تجمع المنصة دولًا مانحة تقدم التمويل لتطوير واختبار اللقاحات وتوزيعها بعد اعتمادها للدول التي لا تستطيع تحمل تكلفة شرائها لمواطنيها.

ووضعت منظمة الصحة العالمية سوريا بين قائمة الدول الـ92، من فئة البلدان المنخفضة الدخل، التي ستدعمها لتلقي اللقاح ما إن يتم اعتماده.

توقع طبيب مختص بالأنف والأذن والحنجرة في مدينة حمص، طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، أن المشكلة الكبرى التي قد تواجه اللقاح تكمن في آلية حفظه، من حيث تأمين التيار الكهربائي، “فاللقاحات بحاجة إلى تأمين ظروف تخزين قياسية بحسب كل نوع، وإلا فقدت فعاليتها”، كما قال لعنب بلدي.

وأشار الطبيب إلى أن التيار الكهربائي لا يتوفر أكثر من أربع ساعات في اليوم بأفضل الأحوال، وهو ما سيقود إلى ضرورة تأمين مولدات ضخمة مع برادات، وبالتالي تأمين مادة المازوت (الشحيحة) لتلك المولدات.

منظمة الصحة العالمية، بحسب أحدث تقاريرها المشتركة مع مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية الصادر في 23 من كانون الأول 2020، تضع ضمن أولوياتها العمل مع وزارة الصحة على استراتيجية توزيع اللقاح.

وذكر التقرير أن العمل على إيصال اللقاح يبدأ من تقييم المتطلبات والثغرات الصحية واللوجستية، بما فيها التخزين والقدرة على الحفظ، وكان ذلك أول ما لوحظ مع نقص المنشآت المتاحة للحفظ بالدرجة المطلوبة التي تبلغ -25 درجة مئوية.

شمال شرقي سوريا.. تحديات “مبهمة”

في مناطق الشمال الشرقي الخاضعة لسيطرة “الإدارة الذاتية”، والتي قيّدها إغلاق معبر “اليعربية” مع العراق، بداية عام 2020، باستقبال المساعدات عن طريق مناطق النظام السوري، تجري المفاوضات لإدخال اللقاح.

وقال رئيس “هيئة الصحة” التابعة لـ”الإدارة”، الدكتور جوان مصطفى، في 28 من كانون الأول 2020، “تجري هيئة الصحة مفاوضات ونقاشات مع منظمة الصحة العالمية حول إمكانية إرسال لقاح فيروس (كورونا) إلى مناطق شمالي وشرقي سوريا”، بحسب ما نشرته “الإدارة الذاتية” عبر صفحتها الرسمية في “فيس بوك“.

وأشار طبيب مختص بالرئة والأمراض الصدرية في مدينة الرقة، طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، في حديث لعنب بلدي، إلى أن توزيع اللقاح في شمالي وشرقي سوريا هو أمر ما زال “مبهمًا”.

أغلبية اللقاحات السابقة، مثل لقاح شلل الأطفال والأمراض الأخرى، كانت تأتي إلى شمالي وشرقي سوريا عن طريق منظمات إغاثية مرتبطة ببرامج “الصحة العالمية” وحكومة النظام، لأن الأخيرة ما زالت “تحتفظ بمكانتها الاعتبارية في المؤسسات الدولية ومنها منظمة الصحة”، وفق تعبيره.

ويرى طبيب الرئة والأمراض الصدرية أن مناطق شمالي وشرقي سوريا لم تأخذ نصيبها الكافي من المساعدات الطبية التي يقع على عاتق المجتمع الدولي تقديمها، بحسب قوله.

وفي التقييم الخاص بشمال شرقي سوريا، لتشرين الثاني من عام 2020، تشير مبادرة “REACH” إلى أن نقص الأدوية والكوادر وسيارات الإسعاف سبب محدودية حصول السكان على الخدمات الطبية في المنطقة، وحسبما أظهرت البيانات في التقرير، فإن هناك “انفصالًا” ما بين الحاجات المعلَنة ونوع المساعدة المقدمة، التي لم تكن ذات صلة بما يحتاج إليه السكان.

مسنين مصابون بـ فيروس كورونا- 18 تشرين الأول 2020 (عنب بلدي / يوسف غريبي)

الشمال الغربي وتحدي الاعتراف

أما في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، شمال غربي سوريا، والخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة المسلحة، فإن الوضع الصحي فيها قائم تحت إشراف عدة مديريات صحة، منها ما هو مستقل، مثل مديرية صحة إدلب، ومنها ما يتبع لوزارة الصحة في “الحكومة السورية المؤقتة”، ووزارة الصحة التابعة لحكومة “الإنقاذ”، إلا أن القاسم المشترك بينها جميعًا أنها إدارات صحية محلية نتيجة الأمر الواقع هناك، غير معترف بها دوليًا من الناحية السياسية أو القانونية لتكون لها أولوية تأمين اللقاح ضد “كورونا” في مناطقها.

وقال المسؤول عن برنامج اللقاحات في محافظة إدلب، الدكتور رفعت فرحات، في حديث إلى عنب بلدي، “إلى الآن لم يقرر اعتماد لقاح خاص بفيروس (كورونا) في شمالي سوريا، وباعتبار وجود أنواع متعددة من لقاحات (كورونا) في العالم، وكل منها له طريقة تعامل خاصة من حيث طريقة الحفظ والنقل، لا نستطيع الجزم بطبيعة التحديات”.

وليس هناك اتفاق أو مباحثات مع أي منظمة أو جهة لتأمين لقاحات ضد الفيروس حتى الآن، و”لكن بشكل عام نحن لدينا سلاسل التبريد المناسبة لحفظ ونقل جميع اللقاحات الروتينية، وغالبًا لقاح (كورونا) إذا تم اعتماد دخوله سيكون متل بقية اللقاحات الروتينية”، وفق ما قاله فرحات.

بموازاة ذلك، أعلن رئيس ”الائتلاف السوري المعارض”، نصر الحريري، في 24 من كانون الأول 2020، أن “الائتلاف” يسعى إلى توفير لقاحات لفيروس “كورونا”، معتبرًا أن “مخاطر جائحة (كورونا) في سوريا المحررة عالية، في ظل النقص الحاد في الكوادر، كما أن النظام وداعميه دمروا المرافق الصحية في المنطقة”.

ولا مؤشرات حاليًا من قبل مديرية “صحة حلب الحرة” عن الجهة التي قد تمنح اللقاح ضد “كورونا” في مدن ريف حلب الشمالي، بحسب ما قاله مدير المديرية، الدكتور رضوان كردي، لعنب بلدي.

لا يتواصل الشمال الغربي مع حكومة النظام السوري حول “كورونا”، حسبما قال الطبيب محمد سالم، في مكتب “التنسيق والدعم” بإدلب، مضيفًا أن التحالف الدولي للقاح والتحصين (GAVI) سيزوّد مناطق سوريا كاملة بلقاح كافٍ ليغطي 20% من تعداد السكان، ليعود فيرفعها بعد فترة من الزمن إلى نسبة 50%،  وفق شرائح معيّنة من حيث الخطورة.

وبحسب سالم، سوف تتولى منظمة “يونيسف” وقسم التعليمات التقنية من منظمة الصحة العالمية، عملية توزيعه لثلاثة أقسام، موزعة على منطقة شمال شرقي سوريا وقسم لشمال غربها والقسم الثالث للمناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري.

ووفقًا لتقييم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية الصادر في 21 من كانون الأول 2020، تستمر حالات الإصابة بالفيروس بالارتفاع في شمال غربي سوريا، ومع زيادة مختبرات الفحص ومراكز العزل والمستشفيات والمراكز التي تعالج الفيروس، يعمل قطاع اللوجستيات على تحديد سلسلة التوريد عند إيصال لقاح “كورونا” ليعالج مسألة النقل والتخزين.

التحديات السياسية والاقتصادية.. قمع وعجز وفساد

نحو عشرة أعوام مرت على انطلاق المطالب السلمية بالإصلاحات في سوريا، التي انقلبت إلى حرب خلّفت دمارًا في البنى التحتية وتدهورًا في القطاعات الخدمية والاقتصادية لم تسلم منه أي منطقة فيها، فرض مصاعب متعددة لإيصال المساعدات الإنسانية وتقديم الإغاثة للسكان.

وهو ما أوضحه تقرير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية لمجلس الأمن، في 16 من كانون الأول 2020، إذ قال إن مصاعب إيصال المساعدات الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة مستمرة في الغوطة الشرقية وريف دمشق الغربي، إذ تحتاج تلك المنظمات الدولية إلى الحصول على موافقات إدارية وأمنية من النظام، معدل الموافقة عليها هو 53% فقط.

وفي جنوبي سوريا استمر انعدام الأمن والقيود الإدارية بمنع إيصال المساعدات، رغم خضوع المنطقة لسيطرة النظام منذ تموز عام 2018، وفي مخيم “الركبان” تحديدًا، كانت آخر شحنة للمساعدات في أيلول من عام 2019.

ومع وصول الأمم المتحدة في الشمال الشرقي إلى معظم أنحاء محافظة الحسكة وبعض أجزاء الرقة، لا تصل إلى مناطق أخرى مثل منبج وعين العرب انطلاقًا من دمشق، لعدم وجود اتفاق بين الأطراف التي تسيطر على هذه المناطق ولانعدام الأمن.

أثر الحكومة السورية لم يقف عند دمار المستشفيات والطرق ومخاطر القصف والقتال، بل إنه عاق، في بداية تشرين الأول 2020، توزيع المساعدات الغذائية على 220 ألف شخص في المناطق غير الخاضعة لسيطرة النظام في الرقة، ولم يُستأنف حتى 2 من كانون الأول 2020.

كما عطلت خروقات “وقف إطلاق النار” في الشمال الغربي، على طول خطوط الفصل جنوب محافظة إدلب وغرب محافظة حلب، وصول المساعدات الإنسانية مؤقتًا بسبب “انعدام الأمن”.

الأمم المتحدة وسعت الطرق المؤدية إلى المعبر الحدودي الوحيد الذي يسمح بإدخال المساعدات الإنسانية عبر الحدود من خلال قرار مجلس الأمن “2533” لعام 2020، وهو معبر “باب الهوى” مع تركيا، واستمرت أشغال الطرق التي تربط المعبر بشمال حلب قبل أن يجعل الطقس الشتوي القيام بمثل هذه الأعمال “أمرًا مستحيلًا”.

هل يُساء استخدام اللقاح من قبل السلطات الحاكمة؟

مدير قسم الأمراض السارية في وزارة صحة النظام، الدكتور عاطف الطويل، كشف عن وجود مفاوضات منذ عدة أشهر مع منظمة الصحة العالمية لتأمين اللقاح ضد “كورونا”.

وقال الطويل حينها، إن التأخر في وصول اللقاح إلى سوريا “سيكون لمصلحة المواطن”، حيث يزيد الإنتاج وينخفض سعر اللقاح، ويصل إلى عدد أكبر من الدول، مضيفًا أن “الأمر تجاري بحت”، بحسب تعبيره.

وأوضح في حديث نقلته إذاعة “شام إف إم” الموالية حينها، أنّ اللقاح سيوزع “مجانًا” على العاملين في وزارة الصحة، ثم سيوزع على مرضى الحالات المزمنة، كمرضى القلب والسكري والكلى والسرطان.

ورغم دعم منصة “كوفاكس” لسوريا، فإن إيصال اللقاحات إلى الفئات الأكثر ضعفًا في سوريا خلال النصف الأول من عام 2021 يحتاج إلى استثمار وتمويل إضافي.

لكن الإجراءات و”مصلحة المواطن”، التي توالت تصريحات مسؤولي النظام السوري بالإشارة إليها، لم تُترجم خلال مواجهة الفيروس، ولم تُطبق بصورة فعلية على الأرض، بحجة التدهور الصحي والخدمي والدمار الذي خلّفه “الإرهاب”.

كما أظهرت تقارير سابقة أعدتها عنب بلدي فشل الحكومة بفرض الإجراءات الوقائية المعلنة في حمص ودرعا وحلب والسويداء، حيث شعر السكان أن محاولة محاربة الفيروس ووقف انتشاره هي مسؤوليتهم الخاصة، لكنهم واجهوا الدعاوى القضائية والاعتقال لقاء ذلك.

يرى الباحث الاقتصادي في مركز “جسور للدراسات” خالد تركاوي، في حديث إلى عنب بلدي، أن المشكلة الاقتصادية ليست بحجم المشكلة اللوجستية، مستبعدًا فكرة أن تستغل السلطات المختلفة في سوريا اللقاح اقتصاديًا، مستدركًا أنه يمكن استغلال اللقاحات لمكاسب غير مشروعة، “ولكن على الأقل ليس في الفترة الأولى من وصول اللقاح”.

وضرب تركاوي مثالًا، “إذا تسلم النظام وجبات قليلة من اللقاح في المرحلة الأولى من الصين وروسيا، فسيطبل أمام الإعلام بأنه وزعها بالمجان، ومن الممكن في المراحل المتقدمة أن يبيعها”.

السمسرة تلهب أسعار اللقاح

رجح الباحث الاقتصادي خالد تركاوي أن يتأخر النظام في تسلّم اللقاح إلى ما بعد حزيران 2021، وردّ ذلك إلى توقعاته بأن السلطات الحاكمة في سوريا ستحصل على اللقاح عن طريق التبرعات وليس من الشراء، “كذلك حصول النظام على اللقاح الروسي والصيني ليس قريبًا بسبب كثرة الطلب عليهما”.

وأضاف الباحث أن سبب اعتماد سوريا التبرع للحصول على اللقاحات، يعود إلى آلية تداول اللقاح عالميًا، إذ إن عملية بيعه وشرائه تديرها عمليات سمسرة ضخمة من أجل حجز اللقاح، بحسب الباحث الاقتصادي.

وفي مثال على ذلك، إذا كنت تريد أن تشتري مليون جرعة من لقاح “فايزر” وسعر الجرعة 25 دولارًا، فإنك لن تشتري كامل الوجبة بـ250 مليون دولار، إذ إن السمسرة سترفع السعر أكثر من ذلك بكثير، وهو ما تعجز سوريا عن تحقيقه.

وكان المدير الإقليمي لمكتب “الجمعية الطبية الأمريكية السورية” (سامز) في تركيا، الطبيب مازن كوارة، أوضح لعنب بلدي أن الحديث عن ترتيب سوريا في نيل اللقاح سابق لأوانه، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن ترتيبها سيكون متأخرًا.

واعتبر كوارة أن التنافسية بين الدول العظمى والثرية في الحصول على اللقاح، وبالمقابل فقر الدول النامية واعتمادها على الإعانات، هي من أهم الأسباب التي قد تقف أمام الوصول السريع للقاح إلى سوريا.

وأوضح المدير الإقليمي أن أهم المعوقات أمام توزيع اللقاح في سوريا هو التمويل لشرائه، لافتًا إلى أن تأخر اللقاح سيكون سلبيًا، في دولة تفتقر للطبابة تزامنًا مع انتشار المرض.

لقاحات “كوفيد- 19”.. أنواعها ومدى فعاليتها

عادة ما تستغرق عملية الموافقة على اللقاحات بين عدة شهور وعدة سنوات، ولكن نظرًا إلى وجود حاجة ملحة إلى لقاحات “كوفيد- 19″، فقد صدرت تراخيص استخدامها بشكل طارئ استنادًا إلى كمية بيانات أقل من المعتاد.

لقاح “فايزر/ بيونتيك” (Pfizer/Biontech)

لقاح أمريكي- ألماني، يعطى على جرعتين بفاصل 21 يوميًا، وتصل نسبة فعاليته إلى 95٪ بعد سبعة أيام من الجرعة الثانية، يخزن بدرجة حرارة -70 درجة مئوية لعدة أسابيع، بينما يحتفظ بفعاليته لمدة تصل حتى خمسة أيام بدرجة حرارة الثلاجة العادية (+2 إلى +8 درجة مئوية).

لقاح “موديرنا” (Moderna)

لقاح أمريكي، ويعطى بجرعتين تفصل بينهما 28 يومًا، وقد أظهرت البيانات أن اللقاح فعال بمعدل 94.1٪، ويخزن بدرجة حرارة -20 درجة مئوية لمدة تصل حتى ستة أشهر، بينما يبقى مستقرًا لمدة 30 يومًا بدرجة حرارة الثلاجة العادية.

لقاح “سبوتنيك” (Sputnik V)

لقاح روسي، سُمي نسبة إلى اسم أول قمر صناعي سوفييتي “سبوتنيك”، ويرمز حرف “V” في اسم اللقاح إلى الانتصار على فيروس “كورونا المستجد”.

يعطى بجرعتين، وقد ثبتت فعاليته في 91.4% من الحالات، وتصل فعاليته ضد الحالات الصعبة والوخيمة للعدوى بالفيروس إلى 100%، ويمكن تخزين اللقاح على شكله مجففًا بالتبريد (الجاف) عند درجات حرارة الثلاجة العادية.

لقاح “سينوفارم” (Sinopharm)

لقاح صيني، يجب أخذ جرعتين على مدار 28 يومًا، وذكرت الشركة المصنعة أن الجرعة الأولى توفر حماية بنسبة 97% فقط، لذا فإن التطعيم بجرعتين يرفع نسبة الحماية إلى 100%، ولكن أظهرت التجارب السريرية أنه يملك فعالية بنسبة 86%.

ويحتاج لقاح “سينوفارم” إلى التخزين في درجات حرارة الثلاجة العادية، وهذه هي ميزة اللقاحات التقليدية، ما يجعل عملية النقل والتوزيع أسهل بكثير من اللقاحات الأمريكية.

لقاح جامعة “أكسفورد/ أسترازينيكا”

لقاح بريطاني، يعطى هذا اللقاح على جرعتين، وكانت نسبة الحماية 62% عندما أعطي المتطوعون جرعتين عاليتين، لكن هذه النسبة ارتفعت إلى 90% عندما أعطي الأشخاص جرعة منخفضة تلتها جرعة عالية، ومن غير الواضح أسباب وجود هذا الفرق في النسبة.

يخزن لقاح جامعة “أكسفورد” بدرجة حرارة الثلاجة العادية، لذلك فهو أسهل للتخزين وفي إيصاله إلى كل ركن في العالم من اللقاحات الأمريكية.

لقاح “فايزر” ضد فيروس “كورونا”- 21 من كانون الأول 2020 (أورو نيوز)

اللقاح الروسي.. أمل النظام ومصدر خوف مواطنيه

رغم غياب المعلومات الرسمية عن اتفاقات بين وزارة الصحة التابعة لحكومة النظام السوري والشركات العاملة على إنتاج لقاح خاص بفيروس “كورونا”، صدرت تصريحات إعلامية عن النظام أشارت إلى مساعيه للحصول على اللقاح الذي أنتجته حليفته روسيا.

وقال رئيس النظام السوري، بشار الأسد، إن سوريا ستستورد اللقاح الروسي المضاد لفيروس “كورونا” بمجرد توفره في الأسواق العالمية، ضمن لقاء مع وكالة “سبوتنيك” الروسية، نشرت مقتطفات منه في 7 من تشرين الأول 2020.

وربط الأسد وصول اللقاح بمناقشة الأمر مع السلطات الروسية بمجرد توفره عالميًا، واصفًا الأمر بـ”المهم”، مشيرًا إلى أن الكمية المطلوبة تتعلق بالكم المتاح، وهذا أمر ستناقشه السلطات الصحية السورية.

لكن وزير الخارجية، فيصل المقداد، طلب رسميًا خلال لقاء مع المدير الإقليمي لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تيد شيبان، توفير لقاح فيروس “كورونا” في سوريا، وفق ما نشرته صحيفة “الوطن” المحلية.

توقع الطبيب المختص بالأنف والحنجرة، الذي تحدثت إليه عنب بلدي في حمص، ألا يثق السوريون باللقاح الروسي، لكن إن وصل اللقاح عن طريق “الصحة العالمية” فستكون الثقة أكبر.

وبرأي الطبيب، فإن المخاوف من اللقاح وضرره ليست موضوعية، لأن “الشرف المهني” للأطباء في اللجنة المختصة باختيار اللقاح وتوزيعه بوزارة الصحة يمنعهم من التلاعب بأرواح الناس، “واللقاح بالنهاية يصل إلى كل بيت وإلى أقاربهم وذويهم، فلا يمكن لطبيب تمرير لقاح ضار”، لكنه توقع أن يتأخر المسؤولون بأخذ اللقاح إن لم يكن من شركات عالمية “أوروبية أو أمريكية”.

بالنسبة إلى محمد، الشاب المقيم في ريف حمص وطلب عدم الكشف عن اسمه الكامل لمخاوف أمنية، فإن أخذ اللقاح الروسي قد يجعله في مرتبة “فأر تجارب”، مشيرًا إلى أن روسيا استخدمت سوريا “ساحة لتجارب الأسلحة وميدان تدريب للطيارين”، لكنه لم يستبعد ضرورة الحصول على اللقاح في حال أثبت فعاليته لحماية عائلته.

ما مر على سوريا من نزوح وأوضاع أمنية خطيرة كان بمثابة “ألف كورونا” حسب وصف خالد (37 عامًا)، المقيم في ريف دمشق الجنوبي والذي تعرض للاعتقال والفصل من وظيفته لمشاركته بمظاهرات عام 2011، “لذلك لن أتلقى أي لقاح ضد كورونا”، كما قال لعنب بلدي.

مرضى يوجه لهم تعليمات للوقاية من فيروس كورونا ضمن المشفى وفرزهم حسب الحالة المرضية في القسم المستحدث بمشفى كفرتخاريم للوقاية من كورونا - 27 آذار 2020 (عنب بلدي)

مرضى يوجه لهم تعليمات للوقاية من فيروس “كورونا” ضمن المشفى، في القسم المستحدث بمشفى كفرتخاريم – 27 آذار 2020 (عنب بلدي)

نظرية “المؤامرة” حاضرة في الشمال

في الشمال الشرقي، لا ثقة باللقاح أيضًا، حسبما قال محمد البدران (35 عامًا) لعنب بلدي، مشيرًا إلى أن الإجراءات التي اتخذتها “الإدارة الذاتية” لإيقاف الفيروس لم تكن مجدية مع نقص الالتزام من السكان، “أنا شخصيًا لن آخذ اللقاح، وحتى أفراد عائلتي، لا أستطيع الوثوق به لأن فيروس (كورونا) بالمجمل ما زال كثيرون يرونه كذبة، وأن الحالات التي ظهرت ربما التهابات رئة وربما إنفلونزا حادة نوعًا ما”.

وفي ظل عدم وجود معلومات ودراسات كافية عن لقاح “كورونا” في معظم دول العالم، وحدوث بعض الشائعات التي تناهض اللقاح، أو “نظريات المؤامرة”، بحسب تعبير المسؤول عن برنامج اللقاحات في محافظة إدلب، الدكتور رفعت فرحات، بما يخص المرض وانتشاره بين السكان، “فبالتأكيد هناك تخوف وعدم تقبل لأي لقاح عند جزء من السكان”.

الإعلامي المقيم في إدلب فاتح رسلان (25 عامًا)، قال لعنب بلدي، إن انتشار “كورونا” في المنطقة كان أقل من المتوقع، ورغم خوفه الأولى من الإصابة بالفيروس، فإنه لن يقبل بأخذ اللقاح، “لا أدري إن كانت (كورونا) كلها لعبة”، وأضاف أن كبار السن هم من يجب أن يحصلوا عليه قبل غيرهم.

استطلاع رأي: اللقاح يثير مخاوف الأغلبية

بحسب استطلاع أجرته عنب بلدي عبر موقعها الإلكتروني، شارك فيه 191 شخصًا، قال أغلبية المصوتين، إنهم يملكون مخاوف من تلقي لقاح بشأن محاربة فيروس “كورونا”، واعتبر 72% منهم أن اللقاح مصدر خوف لهم على الرغم من زيادة انتشار الفيروس، في حين رأى 28% منهم أن اللقاح لن يكون مقلقًا في حال وُزع في سوريا.Top of Form


أسهم مراسلا عنب بلدي، عروة المنذر في حمص، وحسام العمر في الرقة، في إعداد هذه المادة.

مقالات متعلقة