fbpx

هل يخلّف “كوفيد- 19” إصابات عصبية

صورة تعبيرية

ع ع ع

د. كريم مأمون

من المعروف أن فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19) يستهدف الرئتين والجهاز التنفسي بالدرجة الأولى، لكنه قد يصيب أجهزة الجسم الأخرى، كالجهاز الهضمي والكلوي والقلب والأوعية الدموية، ومؤخرًا أُضيف إليها الجهاز العصبي، إذ أشارت دراسات إحصائية إلى أن الأعراض العصبية تظهر في حوالي ثلث مصابي “كوفيد- 19″، ويمكن تقسيم الإصابة العصبية في سياق “كوفيد- 19” إلى فئتين:

الإصابات العصبية الناتجة عن فيروس “كورونا المستجد” ذاته.

المضاعفات العصبية للإصابة بمرض “كوفيد- 19”.

كيف يسبب “كورونا” إصابة الجهاز العصبي؟

قدمت بعض الدراسات أدلة واضحة على أن فيروس “كورونا المستجد” يغزو خلايا الدماغ لدى بعض الأشخاص لصنع نسخ من نفسه، فخلايا الدماغ البشري من الخلايا التي تحتوي قشرتها الخارجية على بروتين “ACE2″، وهو البروتين الذي يستخدمه الفيروس للدخول وإصابة الخلايا في الرئتين وجميع أنحاء الجسم، كما أن الفيروس يمتص كل الأوكسجين القريب، ما يؤدي إلى تجويع الخلايا المجاورة حتى تلفها وموتها، ويبدو أن هذا الفيروس يقلل بسرعة من عدد نقاط الاشتباك العصبي التي تربط بين الخلايا العصبية، ولا يعرف حتى الآن ما إذا كان ذلك قابلًا للعكس أم لا.

ومن غير الواضح كيف يصل الفيروس إلى خلايا الدماغ، ولكن رجحت بعض الدراسات انتقاله إلى  الدماغ عن طريق الخلايا العصبية المسؤولة عن حاسة الشم، وأشارت دراسات أخرى إلى أنه قد يصل إلى الدماغ عبر دخوله من خلال العينين أو حتى عبر مجرى الدم، وقد يكون وصول الفيروس إلى الدماغ وحدوث الإصابة الدماغية مرتبطًا بالحمل الفيروسي العالي، أو لأسباب أخرى غير معروفة بعد.

وقد لا تنجم الأذيات العصبية كلها عن غزو الفيروس لخلايا الدماغ، إنما قد تكون أيضًا نتيجة الالتهاب المنتشر في جميع أنحاء الجسم، الذي يؤدي إلى زيادة قابلية الخثار في الدم، ما يؤدي إلى انسداد الأوعية الدموية في الدماغ وحدوث أذيات عصبية، كما قد يؤدي الالتهاب المنتشر في الجسم بالحالات الشديدة جدًا من “كوفيد- 19” إلى ما يسمى بمتلازمة عاصفة السيتوكين (Cytokine storm syndrome)، وهي عبارة عن اضطراب في ضبط إنتاج السيتوكينات الالتهابية ينتج عنه قصور أعضاء متعدد وربما يصل إلى الموت.

كذلك فإن نقص أوكسجين الدم الذي يحدث في سياق “كوفيد- 19” قد يؤدي إلى نقص وصول الأوكسجين إلى الدماغ وحدوث بعض الأعراض العصبية.

كيف تتظاهر الإصابات العصبية في سياق “كوفيد- 19″؟

تقسم التظاهرات العصبية إلى أعراض الجهازين المركزي والمحيطي.

أعراض الجهاز العصبي المركزي:

الدوخة: توجد في حوالي 17% من الحالات، وتتراوح من شعور متقطع بدوخة بسيطة إلى حالات شديدة مفاجئة.

الصداع: 6 إلى 13% من مرضى “كوفيد- 19″ يعانون من صداع مترافق غالبًا مع حمى، وتجب دراسته في حال لم يكن كذلك أو في حال ترافق مع أعراض أخرى كالإقياء أو تبدل الوعي.

تغيرات ذهنية واضطراب في الذاكرة والإدراك: سجلت في حوالي 31% من المصابين بـ”كوفيد- 19”.

هياج واضطرابات نفسية: تحدث في 40- 60% من الحالات.

تبدل الوعي: تم تسجيل تبدل الوعي لدى 7.5% من مرضى الاستشفاء، وقد يكون ناتجًا عن عدة أسباب منها التهاب الدماغ الفيروسي، السكتة الدماغية واعتلال الدماغ السمي الإنتاني.

نوبات اختلاجية: توجد عدة أسباب محتملة لحدوث النوبات الاختلاجية لدى مرضى “كوفيد- 19″، منها الغزو الفيروسي للجملة العصبية المركزية، والأذية الدماغية الناجمة عن نقص الأكسجة الشديد، والاعتلال الدماغي الإنتاني السمي.

الرنح: تم تسجيله في حالات قليلة.

التهاب الدماغ: تظاهر غير نموذجي للمرض ويحدث في حالات نادرة، ولحسن الحظ فإنه غالبًا ما يكون محددًا لذاته، أي يشفى تلقائيًا مع الشفاء من الفيروس.

أعراض الجهاز العصبي المحيطي:

اعتلال العضلات: ضعف وألم واضطراب حس في العضلات الهيكلية مترافق غالبًا مع الإصابة الكبدية والكلوية، يبدأ من اليدين والقدمين ثم ينتشر إلى الجزء العلوي من الجسم نتيجة تأذي الأعصاب المحيطية.

نقص حس الشم: قد ينتج عن إصابة البصلة الشميّة التي تعد جزءًا من الجهاز العصبي المركزي، وبالتالي من الممكن أن يُتبع إلى المجموعة الأولى من الأعراض، وذكرت دراسات أن المستقبلات الخاصة بالفيروس غير موجودة على العصبونات الشمية في الجهاز الشمي بالأنف، وإنما موجودة في الخلايا الداعمة لهذه العصبونات، هذه الخلايا الداعمة هي التي تصاب بفيروس “كورونا المستجد” وبالتالي تتأثر حاسة الشم.

نقص حس الذوق: يتوافق نقص حسي الذوق والشم بشدة مع الإصابة بفيروس “كورونا المستجد”.

ما المضاعفات العصبية المحتملة للإصابة بالفيروس؟

مع تزايد حالات الشفاء من المرض أصبح من الواضح قدرة فيروس “كورونا المستجد” على ترك مضاعفات تطال مختلف مستويات الجهاز العصبي، منها:

السكتة الدماغية: تحدث غالبًا لدى المرضى الذين لديهم عوامل خطورة وعائية عالية، وتحدث معظم حالات السكتة الدماغية نتيجة حادث وعائي صمي خثري، بسبب زيادة قابلية الدم للخثار وتشكيل صمات، بينما تعد السكتة النزفية وخثار الجيوب الوريدية الدماغية أسبابًا نادرة.

اعتلال الدماغ النزفي النخري الحاد: يؤدي إلى تبدل الحالة العقلية، ويحدث نتيجة عاصفة السيتوكين وليس بسبب الفيروس نفسه.

اعتلال عصبي مزيل للنخاعين وأعراض مشابهة للتصلب اللويحي المتعدد.

متلازمة “غيلان باريه”: وهي اعتلال عصبي يحدث نتيجة اضطراب المناعة الذاتية بعد الإنتانات الشديدة التنفسية أو الهضمية، ويبدأ بشكل خلل في حس الأصابع وضعف عضلي في القدمين ثم يزداد بشكل صاعد وقد يصل إلى الطرفين العلويين والعضلات التنفسية.

التهاب النخاع الحاد.

اكتئاب وأعراض اضطراب ما بعد الصدمة.

كيف يتم تشخيص وعلاج الأذيات العصبية؟

قد يتم التشخيص عن طريق الفحص السريري والأعراض، وقد يطلب اختصاصي الأمراض العصبية إجراء تصوير طبقي محوري للدماغ (Ct-scan)  أو رنين مغناطيسي (MRI) لنفي السكتات الدماغية أو التهاب الدماغ، وتتم معالجة كل حالة على حدة بحسب ما يقرره الطبيب المعالج.

معظم الاضطرابات العصبية تتراجع بعد الشفاء من المرض، ولكن بعضها قد يترك آثارًا تستمر لسنوات، وينصح بمتابعة مرضى “كوفيد- 19” بعد شفائهم من المرض لرصد أي حالات اكتئاب حاد، وتوفير العلاج اللازم لهم، مثل الأدوية المضادة للاكتئاب، لمنع حدوث آثار طويلة الأجل.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة