fbpx

 لماذا يتنكّر الأسد للروس الذين قاتلوا معه ومنعوا سقوطه

ع ع ع

أسامة آغي

حديث بشار الأسد لوكالة “روسيا سيغودينا” يحتمل أكثر من معنى حيال القضايا التي سُئل عنها، فهو ومنذ البداية خالف الموقف الروسي، الذي أعلنه سيرجي لافروف، بما يخصّ الوضع العام القتالي في سوريا، حيث أعلن لافروف أن الحرب في سوريا انتهت، وأن العمل ينصبّ على مفاوضات اللجنة الدستورية.

وفي قراءة لحديثه، يبدو الأسد ناكرًا لجميل حليفه الروسي، الذي استخدم سياسة الأرض المحروقة ضد الفصائل العسكرية للثورة السورية، فلولا هذا الإفراط باستخدام الوحشية الحربية، ما كانت الأمور لتقف عند هذا الحد، الذي جعل الأسد يتباهى بتحقيق انتصارات لم يحققها، كما يعرف ذلك كل مراقبي هذه الحرب.

إن إصرار بشار الأسد على القول “إن الحرب ضد الإرهاب لم تنتهِ بعد، وإن القضاء على الإرهابيين يشكّل أولوية”، يعني افتراقه عن الموقف الروسي المعلن بنهاية هذه الحرب، واقترابه من الموقف الإيراني، ويعني أيضًا أن الحرب واستمرارها يغذيان نظامه بأسباب البقاء، في ظل وضع اقتصادي واجتماعي كارثي.

الأسد لا يجرؤ على القبول بوقف رسمي لإطلاق النار في البلاد، رغم أنه بقدراته الذاتية لا يستطيع بالمطلق حماية المناطق الواقعة تحت سيطرته العسكرية، فهو لو ذهب إلى القبول بوقف إطلاق نار حقيقي، فهذا يعني اضطراره للذهاب إلى المفاوضات تحت الرعاية الأممية، التي يدرك أنها لن تنتهي لمصلحة بقاء نظامه الاستبدادي.

والأسد يدرك أيضًا أن الروس عند مربع من مربعات تدخلهم العسكري في سوريا، ستتمايز مصالحهم وتقاطعاتها الدولية عن مصالحه، ولهذا، وكي يهرب من الإجابة عن سؤال وجّهه إليه الصحفي الروسي حول دور موسكو بمنع سقوطه، نجد الأسد يختفي خلف عبارات إنشائية من قبيل: “أعتقد أن البطولة قد أصبحت فعلًا جماعيًا وليست عملًا فرديًا”.

الأسد لا يريد القول إن من منع سقوطه المحتّم هم الروس، فهذا يعني اضطراره إلى القبول بما يمليه الروس عليه، وما سيمليه الروس قد لا يتوافق مع مصلحته الضيقة، التي دمّر فيها جزءًا كبيرًا من البلاد، مقابل عدم تقديمه تنازلات لمصلحة حرية البلاد وتطورها.

الأسد لجأ إلى ممارسة الديماغوجيا التي يبرع فيها، فبرأيه، أن هناك نقاط تحول مرّ بها الصراع بينه وبين فصائل الثورة السورية، لكنه لا يعترف بالحقيقة المرّة التي واجهت نظامه، وهددته بالسقوط، هذه الحقيقة توضحها المساحة التي كان يشغلها النظام حتى لحظة التدخل الروسي في الربع الأخير من عام 2015، إذ بلغت بحدود 30% من إجمالي مساحة البلاد آنذاك.

إن دعوة الأسد للأمريكيين والأتراك بضرورة الخروج من البلاد، تختفي خلفها نفس الحالة التي يعيشها نظام الأسد، فهو حين يقول “إذا لم يغادر الأمريكيون والأتراك، فإن الأمر الطبيعي الذي ينبغي أن يحدث هو المقاومة الشعبية”، فهو يريد أن يستمر زمن الصراع كي يستمر في الحكم.

لم يتطرق الأسد إلى أن التدخل الروسي لمصلحته ألحق ضررًا بالغًا بسوريا وشعبها ومواردها، وهو لا يجرؤ على القول للروس اخرجوا من البلاد، ولهذا فهو يهرب من واقع الحال الذي يحاصره إلى مطالبة الأمريكيين وغيرهم بالخروج من البلاد.

لم يفكّر الأسد ونظامه، ولو لمرة واحدة، بأن الصراع في سوريا، قبل التدخل الأجنبي كله، هو صراع سياسي واقتصادي واجتماعي، يعصف بالبلاد نتيجة سياسة نظامه القهرية الاستبدادية الفاسدة، فلماذا لم يجنح هذا النظام إلى تقديم تنازلات قليلة تمسّ حياة السوريين ومصالحهم، بدلًا من شن الحرب عليهم؟

الجواب بسيط وواضح، ويدركه السوريون، فهذا النظام تمّ تصميمه كبنية على قاعدة عميقة للاستبداد، هذه البنية، هي ذاتها التي أدرك الروس طبيعتها، بعد تدخلهم لمصلحة النظام ضد الشعب السوري، فهي بنية مغلقة على ذاتها، تنفصل عن الواقع عبر استخدام قوة العزل الداخلي، وعبر إحداث الرعب، وتحويله إلى قيمة حياتية مستدامة.

لهذا فإن حديث الأسد لوكالة “روسيا سيغودينا” لم يكن حديثًا يمكن التعويل عليه، بل هو حديث يؤشر على تفارق غير معلن بين توجهات نظام الأسد وحماته الروس.

إن محاولة تصوير الصراع بين الشعب السوري ونظام الأسد على أنه صراع بين فئة سياسية سورية، ليست ذات قاعدة شعبية في البلاد (الإخوان المسلمون)، وبين النظام، هو محاولة فاشلة تفضحها مجريات الأحداث التي عصفت ولا تزال بسوريا، فالصراع هو صراع ثورة شعبية مع نظام مستبد قهري، ولم يكن صراعًا دينيًا أو طائفيًا أو إثنيًا.

تصوير الصراع على أنه محاربة إرهاب وتدخل خارجي، هو هروب إلى الأمام، ورفض لحقيقة الصراع الذي سببه الاستبداد السياسي وفساد نظام الحكم.

ولكن، لماذا يتهرب الأسد من قول الحقيقة، بأن الروس هم من أبقوا نظامه حيًّا إلى هذه اللحظة؟ وماذا سيفعل الأسد لمحاولة استجرار الروس إلى مربع مصالحه المحضة، متجاهلًا مسؤولية الروس دوليًا.

الروس، الذين اخترعوا مساري “أستانة” و”سوتشي”، ظنوا للحظة أنهم قادرون على استبدال مسارهم الخاص بمسار “جنيف” الدولي، لكنهم (أي الروس) اكتشفوا استحالة تنفيذ ذلك وفقًا للمصالح الدولية المتقاطعة في مربع الصراع السوري.

الأسد لا يريد أن يقبل الروس بالتعاطي مع مضمون القرار الدولي 2254، ولهذا يصرّ على إفشال جلسات تفاوض اللجنة الدستورية، لقناعته بأن نجاحها يفتح باب رحيله عن الحكم، سيما وأنه مكتنز بجرائم حرب وانتهاكات فظيعة لحقوق الانسان.

الأسد الذي يريد استمالة الروس إلى مربع مصالحه، يلعب في الخفاء مع المتدخل الإيراني ضد المتدخل الروسي، وهو يحاول جرهما إلى صراع مصالح ونفوذ، ليبقي بيضة القبان في المعادلة.

الأسد يعي أن شروط التوافق الدولي في سوريا بين الروس والأمريكيين لم تنضج بعد، فحدود التناقضات والصراع بينهما ليست مرهونة بالمربع السوري فحسب، بل تمتد إلى مربعات صراعات أخرى، لم يجرِ حلها بعد، كالصراع حول القرم والطاقة وغيرهما.

لهذا يمكن القول إن هامش مناورة الأسد في رفض الاعتراف بالدور الروسي، أو الإذعان لمتطلباته الدولية، مرهون باقتراب أو تباعد التوافق بين الروس والغرب، وتحديدًا مع الولايات المتحدة وحلفها الأوروبي.

فهل يضيّق الروس من هوّة التباعد مع الغرب للوصول إلى مربع التوافق، ما يؤشر عندئذ إلى احتمال العدّ على الأصابع لما يتبقى من أيام حياة نظام الأسد في سوريا؟ تراكم الأزمات، وتعقيدات وضع النظام، هي ما يسرّع الوصول إلى مربع التوافق المنتظر.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة