fbpx

الحل السوري بملامح ألمانية

ع ع ع

إبراهيم العلوش

بعيدًا عن التنظير، قدّم الباحثان جمال قارصلي وطلال الجاسم كتابهما “سوريا بين الحرب ومخاض السلام” على شكل مشروع لخطة عملية تتناول البدء بإجراءات الحل اعتبارًا من لحظة التوافق السوري على وقف الحرب، من أجل بناء وطن سوري جديد لا يقصي أحدًا، ولا يقدم أحدًا على الآخرين، ويستلهم المشروع معظم تفاصيله من مقدمة الدستور الألماني “كرامة الإنسان مصونة ولا تُمس”.

الباحث جمال قارصلي هو نائب ألماني سابق من أصل سوري، وطلال الجاسم هو باحث اقتصادي وموظف سابق في دوائر سورية وخليجية متعددة، والاثنان مقيمان في ألمانيا، وعملا على المشروع بشكل شخصي، ولم يأخذا أي منحة او دعم مادي من أي جهة خارجية ولا داخلية كما يذكران في الكتاب، وهما يدعوان إلى الحرية، ويتبرآن من جرائم النظام وأجهزته القمعية.

تنطلق خطة الكتاب من الدعوة إلى مؤتمر سوري وطني جامع تشارك فيه كل المكونات السورية، والفعاليات الفكرية والسياسية السورية، انطلاقًا من أن السوريين يجب أن يحاولوا إيجاد طريقة لإيقاف هذه الحرب، وعدم الاكتفاء بتكرار مقولات المظلومية والبحث عن الشفقة، أو استمرار توجيه التهم إلى الآخرين والعالم الخارجي بإهمالهم والتآمر عليهم، ويجب أن نعي أننا كسوريين صرنا عبئًا على العالم باستمرار هذه الحروب التي لن تنتهي لوحدها، ولن يكون من مصلحة الآخرين وقفها حتى لو تدمرت بقية البلاد، ولن يكتفي تجار الحروب بما دمّروه وهجّروه، وإنما هم على استعداد لتحويل سوريا برمتها إلى صحراء قاحلة، وما حرائق الغابات الساحلية المتعمّدة من صلنفة إلى مصياف إلا استمرار لمكاسب ميليشيات الحرب والقادة العسكريين الذين لا يهمهم الوطن السوري بقدر ما تهمهم مصالحهم المغطاة بتحزباتهم الطائفية والفئوية التي يجندون بها الآخرين ويرسلونهم إلى الموت.

من أهم ملامح الحل السوري الذي يقترحه الباحثان، سحب الصلاحيات الكثيرة من رئيس الدولة التي حولته إلى طاغية، ومنع الجيش من ممارسة السياسة، وإلحاق المرجعية بالشعب وبالمواطنين كأفراد بعيدًا عن القوميات والطوائف، واعتبار الناخب الفرد أساس الحل الانتقالي من أجل تجنب المصير اللبناني والعراقي والبوسني، وذلك مثل الدستور الألماني الذي يمكّن المحافظات (أو الولايات) من حكم نفسها في الأمور التي تهمها، ويُلزم السلطات المركزية بأخذ رأي المحافظة وموافقتها على القوانين التي تتعلق بحياة أفرادها. كما يجب، حسب رأي الباحثين، زيادة عدد المحافظات ومراعاة التكوينات الخاصة لكل منطقة جغرافية، وإحداث المناطق التي تحكمها البلديات المستقلة، ولعل تجربة وادي النصارى في محافظة حمص تجربة رائدة، فكانت المدارس فيها ولا تزال تعطل هناك يوم الأحد، لأن معظم السكان هم من المواطنين المسيحيين.

ويؤكد مشروع الباحثين على إعادة تأهيل القوى الأمنية وتبعيتها للمحافظات، وليس لإدارات متجبّرة ومركزية، كما كانت الحال عليه ولا تزال مع فروع الأمن العسكري، والجوي، وأمن الدولة، والأمن السياسي، التي لم يستطع أي محافظ أو وزير التدخل في شؤونها.

وفي المجال القضائي، يؤكدان على استقلال القضاء ومنع أي جهة تنفيذية من مساءلة القضاة او التلاعب برواتبهم او وضعهم العام، وتوكل الخطة مهمة البت بأضرار الحرب وتعويض الناس إلى القضاء المستقل والنزيه.

وفي المجال السياسي، تؤكد الخطة على أهمية لجان المصالحة والمساءلة الشعبية والقانونية، وعلى بناء قوانين للأحزاب وللانتخابات وللإعلام وتنظيمها وفق هيئات مستقلة، تتوافق مع القوانين الدولية وتؤمّن حيز الحرية والنزاهة، وأن تكون هذه الهيئات مستقلة ومحميّة من التلاعب بها.

وتحاول الخطة وضع أسس لتمثيل الشباب والمرأة والمكونات المختلفة، وحماية السكان المحليين إلى درجة السماح بالتعليم وفق اللغات الموجودة في هذا الحيز الجغرافي أو ذاك، بالإضافة إلى اللغة الرسمية، وعلى كل محافظة ان ترفع العلم السوري بالإضافة إلى السماح لها برفع علم خاص بها كما هو متداول في الأقاليم الألمانية والفرنسية.

وتتضمن الخطة مقترحات لجمع السلاح بشكل تدريجي، وتؤكد على التفاعل مع قوى الأمر الواقع وإقناعها بتقاسم السلطات مع المجالس المحلية المنتخبة والتحول التدريجي إلى العمل السياسي والسلمي.

ثمة تفاصيل كثيرة في الدراسة تستحق الاطلاع عليها، ويجب على المهتمين الاطلاع على الكتاب، وهو مكتوب بثلاث لغات هي العربية والإنجليزية والألمانية، لكن القسم التفصيلي مكتوب باللغة العربية ولم تتم كتابة ملخصات باللغة الكردية أو الآشورية أو الأرمنية مثلًا.

وغابت عن الكتاب المشاركة الجماهيرية، ربما بسبب المزاج الذي لا يزال متوترًا بين الأطراف المتحاربة، فقد كان من المتوقع أن يضم الكتاب مئة اسم على الأقل من الفعاليات الفكرية والشعبية والدينية والسياسية.

وتقسيم المحافظات من جديد يحتاج إلى آراء الخبراء وسكانها الأصليين، وكذلك إلى آراء سكانها الجدد من النازحين، وهذه ليست دعوة للاستيطان في الأماكن التي خضعت للتهجير الجماعي بشكل ظالم كمنطقة عفرين والقصير وكفريا والفوعة وبلدات متعددة من ريف دمشق وغيرها.

الكتاب فيه كثير من الجرأة ومن المبادرات العملية التي يفتقدها بعض السوريين، حيث ظل التنظير هو المرض الشائع في الأوساط السورية زمنًا طويلًا، فالجمعية الاقتصادية السورية، مثلًا، ظلت سنين طويلة تخوض سجالات تنظيرية حول أسبقية الاقتصاد الاشتراكي على الاقتصاد الرأسمالي، بينما آل مخلوف يرتعون في جنبات الاقتصاد ويعيدون تفصيله على مقاسهم. وظلت كلية العلوم السياسية سنين طويلة لا تدرّس إلا رؤية “البعث” السياسية وتنظيراته الخيالية، وكانت مجرد معهد في تل منين بريف دمشق يتبع للقيادة القطرية، في حين تقوم أجهزة المخابرات بتفصيل المبادرات السياسية والطائفية على مقاس أفق قادتها الضيّق.

يحتاج الكتاب إلى كثير من الإضافات والمناقشات من أهل الاختصاص في كل مجال، ولكنه حجر يُرمى في بحيرة الركود والتشكي والانفصال عن الواقع الذي يعاني منه السوريون اليوم، بسبب ثقل المأساة وقسوتها، والكتاب يقول بجرأة إن أحدًا لن يوقف الحرب ما لم يتعاون السوريون بكل فئاتهم بإطفاء نيرانها، وما لم يفكروا بوطن جديد توضع فيه المظلوميات منذ عام 1959 حتى اليوم على الطاولة، كما يقول الكاتبان، من أجل كتابة دستور جديد هدفه العيش بسلام وبرفاهية ضمن دولة عادلة تنشد الخير للجميع.

كتاب “سوريا بين الحرب ومخاض السلام” للباحثين جمال قارصلي وطلال الجاسم، يحمل قارئه على التدرب من أجل رؤية الضوء في آخر نفق الحرب الظالمة، ويجعل مخيماتنا بيوتًا مؤقتة بانتظار السلام الذي يصنعه السوريون بأيديهم.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة