fbpx

حياة لم تكتمل.. حالات انتحار في الشمال السوري

الانتحار (تعبيرية)

ع ع ع

عنب بلدي – حباء شحادة

أنهت ميساء عملها في المدرسة الواقعة في أطمة بريف إدلب الشمالي، وانطلقت في مسيرها الطويل إلى البيت كالمعتاد، لكنها في عصر ذلك اليوم، في 2 من أيلول الحالي، حملت إلى بيت أهلها ما لم تعتد على شرائه، وفكرة إنهاء حياتها تأسر تفكيرها.

ثلاث “حبات غاز” (سم يستخدم للفئران) تناولتها ميساء لتنتحر، منهية سنوات عمرها الـ33، بعد معاناتها لسنوات من العنف المنزلي الذي أفضى إلى إبعاد أبنائها الثلاثة عنها من قبل زوجها.

صدمت خطوة ميساء أهلها وصديقاتها ومعارفها، وهي “التقية المؤمنة” كما يصفونها، رغم علمهم بما تعاني وهي تحمل آثار آلامها الجسدية والنفسية جلية على مرأى الجميع.

حالات العنف المنزلي متكررة في أنحاء العالم، مع معاناة واحدة من كل ثلاث نساء من العنف مرة واحدة على الأقل في حياتهن من قبل عشير حميم، وفق بيانات منظمة الصحة العالمية.

لكن المنطقة تحمل ما يزيد من العنف، من ضغوط اقتصادية وفقر قيّد معظم سكانها، ومخاوف أمنية لحرب تكاد تكمل عامها العاشر، مع نزوح متكرر مر به مئات الآلاف وحُرموا إثره الاستقرار والأمان.

نبأ انتحار ميساء لم يكن الأول في شمال غربي سوريا، ولا الأخير، مع انتشار الأنباء عن نجاح محاولة وفشل أخرى في المنطقة التي احتشد فيها أكثر من أربعة ملايين شخص من جميع أنحاء سوريا.

تزايد في الحالات لا تقابله زيادة بالدعم النفسي

ارتفعت حالات الانتحار في شمال غربي سوريا منذ بداية العام الحالي، بنسبة 38% ما بين الربع الأول والثاني من العام، وفق إحصائيات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) الصادر في 21 من آب الماضي.

وفي حين تنفذ 20 منظمة صحية، عبر 157 مركزًا صحيًا، برامج الدعم النفسي الاجتماعي، بكادر يضم 163 طبيبًا مدربًا، بينهم أربعة أطباء نفسيين، و49 قابلة للتعامل مع اكتئاب ما بعد الولادة، و446 عاملًا مدربًا، و13 اختصاصيًا نفسيًا، إلا أن قلة الدعم تعوق وصوله إلى المحتاجين، خاصة في ظل جائحة فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19).

ميساء درباس كانت تعلم بوجود مراكز الدعم النفسي، وكانت تحوّل الأطفال المحتاجين إليها في المدرسة التي عملت فيها بقسم إدارة الحالة، إلا أن ضغوطها الاجتماعية منعتها من طلب المساعدة التي احتاجت إليها، حسبما قالت إحدى صديقاتها المقربات لعنب بلدي، التي طلبت عدم ذكر اسمها لحساسية الموضوع.

مشاريع دعم للمعنفات تتوفر ضمن برامج الدعم النفسي في المراكز الصحية بأطمة بهدف حماية النساء من الانتحار، حسبما قالت مديرة مشروع الصحة النفسية في منظمة “UOSSM”، عبيدة رضوان، لعنب بلدي.

ويضم مشروع الصحة النفسية تسعة مراكز في محافظة إدلب، ومن المفترض أن يزيد عددها لتصبح 17 مركزًا في المستقبل، حسبما أضافت رضوان، إلا أن المنطقة “بحاجة كبيرة لسد ثغرة الدعم النفسي”، حسب تعبيرها.

تتجاوز أسباب الانتحار في المنطقة الأسباب المعروفة عالميًا، من الضيق المادي وزيادة متطلبات المعيشة والعنف الموجه ضد المرأة، حسب تقييم رضوان، إلى قلة المساعدات المقدمة إلى المخيمات خاصة وفرص العمل المتوفرة للرجال.

وأشارت مديرة مشروع الصحة النفسية إلى أن لفيروس “كورونا” أثرًا في إبعاد المرضى عن تلقي العلاج في المراكز الصحية، مع خوفهم من “كلام الناس” في حال سعوا للحصول على الدعم النفسي.

كيف يكون الدعم النفسي لمن يحاول الانتحار؟

جميع محاولات الانتحار تؤخذ على محمل الجد، حسبما قال الطبيب النفسي العامل في إدلب محمد ساطو، لعنب بلدي.

الانتحار تعريفًا هو قتل النفس عمدًا، وهو ما لا يقوم به الإنسان بلا سبب ولا دافع، تجب معرفته ومحاولة تغيير نظرة الشخص إليه لتنقلب من سلبية إلى إيجابية، كما قال ساطو.

ومن أسباب الانتحار المعاناة من مرض جسدي مزمن أو اكتئاب حاد، أو التعرض لصدمة وخسارة مفاجئة، مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والصعوبات الحياتية، أو معاناة الإدمان على المخدرات.

يمر علاج من يحاول الانتحار بالمراقبة الحثيثة للمريض، مع تنبيه عائلته إلى عدم مفارقته وإبعاد الأدوات الحادة عن متناوله، مع تجنب القسوة عليه وتأنيبه على محاولته، وحثه على متابعة العلاج النفسي.

ومن الوسائل المتبعة، حسبما قال الطبيب النفسي، حشد الدعم الأسري والعائلي والمجتمعي، من الأقارب والأصدقاء والمعارف والشخصيات الاعتبارية في المنطقة من رجال الدين والاختصاصيين.

يقدم أغلبية من يحاولون الانتحار على استخدام وسائل الشنق أو الطلق الناري أو تناول السم أو حبوب الدواء بكميات كبيرة، وأشار ساطو إلى أن أكثر محاولات الانتحار تقوم بها النساء، بينما نسب الموت الأكيدة ترتفع لدى الرجال لاستخدامهم وسائل انتحار أكثر خطورة.

ويلعب الوازع الديني والإيمان “دورًا كبيرًا” بامتناع الناس عن إنهاء حياتهم رغم الضغوط، وفق تقدير ساطو، مضيفًا أنه في حال كانت محاولة الانتحار أو التفكير الانتحاري ينبع من اضطراب نفسي كاكتئاب وإدمان واضطرابات ذهانية فلا بد من مراجعة المستشفيات المختصة بالأمراض العقلية والنفسية للاستشفاء.

لا تملك المنطقة مستشفيات مختصة بعلاج الأمراض العقلية سوى مستشفى يقع في مدينة اعزاز بريف حلب الشمالي، وفي حين لا تلوح في الأفق بوادر لانتهاء الأزمات الاقتصادية والأمنية في المنطقة قريبًا، فإن الأزمات النفسية مستمرة أيضًا، بانتظار دعم ومساعدة واهتمام يتراجع مقابل احتياجات الملجأ والغذاء والدواء.



English version of the article

مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة