ع ع ع

عنب بلدي – زينب مصري

“خناصر حديقة، وزهرة واحدة لا تصنع ربيعًا”، بهذا التعبير وصف مروان حسين حال بلدة خناصر جنوبي مدينة حلب بعد رحيل سكانها الشركس، بسبب النزوح جراء المعارك التي شهدتها البلدة.

جاور مروان حسين، وهو رئيس مجلس بلدة خناصر في المهجر، الشركس قبل نزوحهم من البلدة والقرى التابعة لها إلى أقاربهم في قرى وبلدات عين النسر شمال شرق مدينة حمص، شاهدًا على “التعايش والاحترام المتبادل وحسن الجوار”.

وتُعد خناصر واحدة من القرى التي سكنها الشركس وعملوا على بنائها بمساعدة سكانها، إذ تعلّم أبناء القرية من الشركس، بحسب مروان، بناء القبب الطينية التي تميز البلدة، والتي صارت اليوم معلمًا دالًا عليهم، بالإضافة إلى قرى أخرى بنوها بأيديهم في هضبة الجولان السوري المحتل ومدن دمشق وحلب وحمص واللاذقية.

قرية خناصر ذات الأغلبية الشركسية (المتحف الفوتوغرافي السوري)

أكثرية في الجنوب

تُقسم الأماكن التي استقر فيها الشركس، في بداية قدومهم إلى سوريا منذ عام 1878 إثر مجازر إبادة روسية، إلى قرى جميع سكانها شركس، منها قرى منبج وخناصر ورأس العين شمالي سوريا، وقرى تلعمري وعين النسر وسط سوريا، ومرج السلطان وبلمي وبراق في الجنوب السوري.

إضافة إلى أحياء في مدن وقرى سورية يشكل الشركس فيها أقلية، وأسر شركسية قليلة في المدن والقصبات، استقرت فيها بحكم الوظيفة أو الدراسة أو العمل في مؤسسات حكومية وغيرها، وفقًا لما كتبه الدكتور والأستاذ في جامعة “دمشق” عادل عبد السلام لاش.

وذكر الدكتور عبد السلام لاش، وهو من أبناء قرية مرج السلطان الشركسية السورية، في مقاله بعنوان “تهجير الشركس إلى سوريا وتوطينهم في شريط الليمس الشركسي”، أن أكبر تجمع للشركس في سوريا يقع في محافظة القنيطرة، حيث استقروا في المحافظة وأعمروها، وبذلك يصل عدد التجمعات الشركسية في سوريا إلى 40 قرية ومدينة واحدة، وجميع سكانها من الشركس الأصليين (الأديغة).

وفي دراسة بحثية بعنوان “التراث الشركسي بسوريا في سياق حالات النزوح المتعددة”، قالت ديمة ميقاري، إن تجمعات الشركس في سوريا تركزت في مرتفعات الجولان بالأجزاء الجنوبية الغربية من سوريا، حيث بنوا 16 قرية واستقروا فيها كما استقروا في مدينة القنيطرة والعديد من القرى المجاورة، وأعادوا إحياء تراثهم وأسلوب حياتهم، وأصبحوا أكبر مجموعة أقلية عرقية هناك.

ثم في عام 1967، طُرد الشركس مرة أخرى قسرًا من منازلهم، إذ جرف الجيش الإسرائيلي العديد من القرى ولم يُعد بناء مدينة القنيطرة، حتى بعد تحريرها في حرب “تشرين” عام 1973، وأصبحوا نازحين داخليًا في دمشق، وغادر جزء منهم إلى الولايات المتحدة بشكل رئيس، بعد عرض من الحكومة الأمريكية لنقلهم إلى هناك.

منزل شركسي في قرية البريقة في الجولان السوري المحتل، (أمجد القعود)

وفي دمشق، يتوزع الشراكس في قرية مرج السلطان بالغوطة الشرقية، ويعد تجمعهم هناك من أكبر التجمعات في سوريا، بالإضافة إلى تجمعات في مناطق المهاجرين، وركن الدين وقدسيا وحرستا، بحسب الشركسي السوري طه جركس.

في حديث لعنب بلدي، قال طه جركس إن الشراكس الذين يقيمون في منطقة المهاجرين بدمشق هم أكثر الشركس الذين اندمجوا مع السوريين، لأنهم من أوائل الشركس الذين قدموا إلى هناك، وأكثر من حافظ على اللغة والعادات هم تجمع منطقة ركن الدين في دمشق، لوجود “الجمعية الشركسية” في تلك المنطقة.

عائلة طه، المنحدر من مدينة دمشق، اندمجت في المجتمع السوري، ولا يوجد الآن ما يميزه على أنه شركسي، وخاصة أن والدته عربية، ولم يتعلم اللغة الشركسية، لأن أجداده على الرغم من كونهم شراكس تحدثوا اللغة التركية، لهجرتهم إلى اسطنبول التركية ومنها لاحقًا إلى سوريا، لكن عمه حافظ على اللغة، لمثابرته على حضور الاجتماعات الخاصة بالشركس وحفلاتهم، ووجوده في التجمعات التي تحافظ على ثقافتهم.

 

الهجرة الأولى

يُعد “شتات” الشراكس في سوريا ثاني مجتمع في خارج البلاد من حيث العدد، إذ قدموا على شكل مجموعات منفصلة وأوقات مختلفة، ووصلت أعداد “المنفيين” الذين سلموا إلى الموانئ في سوريا عام 1878، ما يقارب 26 ألف شخص، بحسب ما ذكره الكاتب قادر إسحاق ناتخو.

يقول الكاتب إسحاق ناتخو في كتابه “التاريخ الشركسي”، إنه بحسب خطة وُضعت عام 1879، أُرسلت عشرة آلاف عائلة شركسية إلى حلب، وخمسة آلاف عائلة أخرى إلى مناطق أخرى من سوريا، وأُنشئ أول التجمعات الشركسية في القنيطرة وحمص عام 1872.

وأُعيد توطين أكثر من 60 ألف شركسي في أقاليم مختلفة من سوريا، حتى العام 1910، ولا تزال العديد من القرى التي أُسست في ذلك الوقت قائمة حتى اليوم.

هاجر الشركس من بلاد القوقاز بسبب حرب استمرت أكثر من مئة عام شنتها روسيا في المنطقة، وهم مجموعة من الشعوب تتألف من الأديغة والأبخاز والداغستان.

ويعد “الأديغة” الشركس الأصليين، ويتألفون من 12 قبيلة، منهم “أبزاخ وشابسو وكابرطاي وحاتقوي”، بحسب الصحفي الشركسي نوار كتاو، تعبر عنهم، دون تمييز بينهم، 12 نجمة على العلم الذي اختاروه رمزًا لوحدتهم.

لغة تحتضر

في لقاء مع عنب بلدي، قال الصحفي نوار كتاو، إن “الشركس” مصطلح أُطلق على الشعوب القادمة من بلاد القوقاز، أما التسمية الأصلية للشعب فهو “أديغة”.

وأوضح أن الشركس لديهم لغة أصلية خاصة بهم، تختلف اختلافًا تامًا عن اللغة الروسية، وتختلف بين القبائل الشركسية، مؤلفة لهجات متنوعة بينهم، قد لا تُفهم بين قبائل “الأديغة” نفسهم.

“يمكن القول إن اللغة بدأت تضيع”، أضاف كتاو، إذ تعلم مفردات بسيطة من اللغة “الأديغية”، لكونه شركسيًا سوريًا ولد في مدينة حلب وارتاد مدارس عربية، مشيرًا إلى أن نسبة “ليست كبيرة” من الشركس لا تزال تتحدث اللغة الشركسية، لصعوبة اللغة وصعوبة لفظ كلماتها، بحسب تعبيره.

وحاول الشراكسة إحياء تراثهم في سوريا في عشرينيات القرن الماضي، وافتتحوا أكثر من 40 مدرسة ابتدائية، معظمها في القنيطرة جنوبي سوريا، ودرسوا فيها باللغة الشركسية إلى جانب العربية والفرنسية، للأطفال الشراكسة.

وبدؤوا ينشرون صحيفتهم الأسبوعية تحت عنوان “مارج” باللغة الشركسية في دمشق عام 1928، إلا أنهم اضطروا للتوقف عن نشرها بعد فترة قصيرة، بسبب إغلاق السلطات السورية حينها المدارس والصحيفة و”الجمعية الخيرية الشركسية” في القنيطرة، بحسب ما أورده الكاتب إسحاق ناتخو في كتابه بالفقرة التي تحمل عنوان “الشراكس في سوريا”.

وأجمع الشراكس على أن “أديغة” هو اسم قومي لهم، بحسب ما أورده الكاتب محمد ناصر العبودي في كتابه “بلاد الشراكس”، وهو اسم “محبب” عندهم لأنه قومي أصيل، بلفظه ومعناه.

وكتب العبودي أن الشراكس حافظوا على قوميتهم ومميزاتهم القبلية ولم يندمجوا في الشعوب الأخرى رغم اندماج بعض الجماعات بهم، وإن كان عددهم قليلًا، كما أن لهم عادات وتقاليد “عريقة” غير مدونة في الكتب، ولكنها تُطبق عندهم ومعمول بها منذ وقت طويل.

“أديغة خابزة” قانون المعاملات

يعتبر كتاو أن من أهم ما يميز الشركس هو “العادات”، ويرى أن الشراكس يحافظون على العادات، كزواج “الخطيفة”، والرقص الشركسي )كرقصات القافا والووج وشاشان) واحترام المرأة وكبار السن، وقانون أصول التعامل بين الشركس نفسهم المسمى بـ”أديغة خابزة”، أكثر من محافظتهم على اللغة.

يتخوف كتاو من ضياع “الهوية الشركسية” في نطاق اللغة فقط، أما في نطاق العادات والتقاليد فلا يوجد تخوف من ضياعها، لوجود الـ”أديغة خابزة” المنظم لحياة الشركس الاجتماعية والأخلاقية بتفاصيله التي تشبه إلى حد ما “دستورًا للعادات والتقاليد” يجمعهم على اختلاف مناطق وجودهم، ويحدد لهم أساليب التربية، ويضبط أمور الزواج والحياة العائلية، و”يُنبذ” من لا يتبعه منهم، وفقًا لكتاو.

يحافظ الشركس على عاداتهم لسببين، وفقًا للصحفي نوار كتاو، ويتمثل السبب بالأول بكونهم شعوبًا هُجرت من بلادها “المحتلة، ومن الطبيعي الحفاظ عليها لكيلا تموت”، وخاصة بعد ما سكنوا بلدانًا ومدنًا عدة، وعاشوا تجارب النزوح والهجرة عدة مرات، من روسيا إلى تركيا إلى سوريا وبلدان عربية أخرى، ومن سوريا إلى بلدان متفرقة أخرى، بعد بداية الثورة عام 2011، وأما السبب الثاني فيتمثل بـ”جمال تلك العادات وإنسانيتها” وأهمية “أديغة خابزة” في حياة الشركس.

English version of the article

مقالات متعلقة