fbpx

قبيل انعقاد الجولة الثالثة لـ"اللجنة الدستورية" السورية..

ما موقع “حقوق الملكية العقارية” في أجندة العملية السياسية؟

اجتماع اللجنة الدستورية الموسعة في جنيف - 31 تشرين الأول 2019 (وكالة الأناضول)

ع ع ع

خسر ملايين السوريين أملاكهم العقارية جراء تدميرها أو سلبها أو مصادرتها على يد السلطات المسيطرة على مدار السنوات العشر الماضية، وما رافق ذلك من عمليات تهجير قسري وتغيير ديموغرافي ونزوح ولجوء، أسهمت بتفاقم المشكلة العقارية وتعقيدها.

وفي ظل الفوضى وضياع الحقوق، تبدو الحاجة ملحة للبحث عن حلول لهذه الإشكاليات، وقد تمثل مسارات الحل السياسي سبيلًا لطرح هذه المسألة ومناقشتها، خاصة في ظل العمل على وضع دستور جديد خلال اجتماعات “اللجنة الدستورية” السورية، التي من المقرر أن تعقد جولتها الثالثة في 24 من آب الحالي.

فهل ستتيح الاجتماعات المقبلة الفرصة لحل المشاكل العقارية في نصوص الدستور الحالي، وهل ستسهم بالإسراع في عملية الحل السياسي، وخلق البيئة الآمنة والمحايدة والأجواء المواتية لعودة اللاجئين والنازحين إلى ديارهم ومساكنهم؟ 

نصوص تفصيلية لحماية حقوق الملكية

القاضي السوري، وعضو “اللجنة الدستورية” في مجموعة المجتمع المدني، خالد الحلو، أشار إلى أنه طرح خلال الجلسة الأولى لاجتماعات “اللجنة الدستورية”، ضرورة معالجة المشاكل الناجمة عن الفوضى العقارية التي خلفتها الحرب السورية، لافتًا إلى أهمية إدراج هذه المسألة ضمن محاور النقاش في الجلسة المقبلة.

وفي حديثه لعنب بلدي، أوضح القاضي خالد الحلو أن المشكلة العقارية في سوريا قديمة، وهي ليست ناجمة عن الحرب، إلا أنها تفاقمت خلال سنوات النزاع الحالي، وصارت تؤثر بشكل مباشر على ما يقارب نصف سكان سوريا، خاصة اللاجئين منهم والنازحين، وعلى إمكانية عودتهم إلى أماكن سكنهم الأصلية.

ولفت إلى أنه خلال مداخلته، أكد ضرورة عدم الاكتفاء بمعالجة النصوص التي كانت ترد عادة في الدساتير السورية المتعاقبة، بل الذهاب باتجاه نصوص تفصيلية لحماية حقوق الملكية، التي تتضمنها عادة الدساتير التي تعقب النزاعات، لا سيما إدراج فصل خاص لرد المساكن والأراضي والممتلكات، وإنشاء مؤسسات دستورية جديدة لتولي ذلك. 

وأضاف الحلو أن الجلسة المقبلة من المفاوضات ستناقش “الثوابت الوطنية”، إلا أنه يمكن إدراج موضوع رد المساكن باعتباره جزءًا من المبادئ الأساسية التي تأتي في بداية الدساتير، والمتمثلة بالمبادئ الاقتصادية.

واعتبر أنه رغم عدم وجود دور للأطراف الدولية في صياغة الدستور الحالي، يمكن لهذه الدول الدفع باتجاه الحفاظ على حقوق الملكية العقارية، لا سيما الدول التي تستضيف لاجئين.

واستشهد بالدور الذي لعبته ألمانيا في البوسنة عند توقيع اتفاقية “دايتون” للسلام، التي أنهت الحرب الدامية في يوغوسلافيا السابقة عام 1995، وصارت بمثابة دستور للبلاد، إذ دفعت ألمانيا نحو إيلاء أهمية كبيرة لمسألة حقوق الملكية في الدستور بسبب استقبالها ما يزيد على 400 ألف لاجئ بوسني جراء الحرب آنذاك، وقد عملت على إعادتهم إلى بلدهم خلال السنوات التي تلت توقيع الاتفاقية.

وأوضح الحلو في هذا السياق أن القرار رقم “2254” الصادر عن مجلس الأمن بشأن الحل السياسي في سوريا، أكد على الحاجة الماسة إلى تهيئة الظروف المناسبة للعودة الآمنة والطوعية للاجئين والنازحين إلى مناطقهم الأصلية، وتأهيل المناطق المتضررة، وأخذ مصالح الدول التي تستضيف اللاجئين السوريين بالحسبان، كما حث الدول الأعضاء في المجلس على تقديم المساعدة في هذا الصدد. 

أكدت مبادئ “بينهيرو“، التي تبنتها “اللجنة الفرعية لحماية وتعزيز حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة” عام 2005، على حق اللاجئين والنازحين في استعادة ملكياتهم التي فُقدت تعسفًا، أو أن يتم التعويض عنها بقرار من محكمة مستقلة ونزيهة في حال استحالة الاستعادة على أرض الواقع.

 

على اللجنة الدستورية طرح حلول 

العضو في وفد المجتمع المدني ضمن “اللجنة الدستورية”، سميرة مبيض، اعتبرت من جانبها أن اللجنة ما زالت بعيدة عن أي مناقشات في مضامين الدستور، أو عن طرح أولويات السوريين على طاولة الحوار، والوصول إلى حلول بشأنها.

وأشارت مبيض، في حديثها لعنب بلدي، إلى أن موضوع رد المساكن والممتلكات غير مطروح للنقاش في الاجتماع المقبل لـ”اللجنة الدستورية”، إذ اعتمدت مناقشة “ولاية اللجنة، والمعايير المرجعية والعناصر الأساسية للائحة الداخلية للجنة الدستورية، والأسس والمبادئ الوطنية”، وفقًا للأجندة.

وأضافت أن تعديل جدول الأعمال لإدراج محاور إضافية هو أمر غير مطروح، لأن الدعوة جرت وفق أجندة محددة توافق عليها وفدا النظام والمعارضة، وهما الطرفان المقرران، إذ لا تشارك كتلة المجتمع المدني في إقرار مقترحات جدول العمل أو أولوياته.

مبيض أكدت في الوقت نفسه أهمية أن يتضمن مسار الانتقال السياسي عمومًا و”اللجنة الدستورية” بشكل خاص طرح حلول للمشاكل المتعلقة بالملكيات في سوريا، وتعديل قوانين الملكية الحالية، بما يكفل رد الحقوق لأصحابها، وعودة اللاجئين إلى أراضيهم وأعمالهم، وتعويض المتضررين، وذلك في كل المناطق السورية، سواء الخاضعة لسيطرة النظام، أو الخارجة عن سيطرته وتحت حكم قوى الأمر الواقع في إدلب أو شمال شرقي سوريا. 

وتعتقد مبيض بأن الدور الأهم مستقبلًا سيكون على عاتق المجلس الانتقالي الذي سيلتزم بتطبيق القوانين المعتمدة في هذا السياق.

مذكرات إلى الأمم المتحدة والدول الفاعلة

عضو وفد المعارضة في “اللجنة الدستورية”، الدكتور إبراهيم الجباوي، اعتبر أن القضايا المتعلقة بالملكيات العقارية والتغيير الديموغرافي ستتم مناقشتها خلال الجلسة المقبلة للجنة الدستورية، كونها تندرج ضمن “الأسس الوطنية في سياق الدستور”. 

وأشار الجباوي، في حديثه لعنب بلدي، إلى أن جميع مباحثات “جنيف” السابقة لم تناقش أي مسألة سوى عملية الانتقال السياسي، كما أنه لم تجرِ أي مفاوضات حقيقية في “اللجنة الدستورية” لتتم مناقشة أي شيء بشكل فعلي، بحسب تعبيره. 

وتحدث الجباوي عن طرح مؤسسات المعارضة، خلال مباحثاتها مع الدول الفاعلة بالمسألة السورية (المجموعة المصغرة ومجلس الأمن)، مواضيع عدة من ضمنها القانونرقم 10″ لعام 2018، إضافة إلى قضايا المعتقلين، ووقف القصف والتهجير. 

كما أنها أرسلت مذكرات إلى الأمم المتحدة والدول ذات العلاقة حول عمليات التغيير الديموغرافي، ومصادرة العقارات، أو إرغام المواطنين على بيعها، مؤكدًا أن هذه المواضيع هي جزء أساسي من الملف السوري، ويجب أن تكون حاضرة عند إيجاد اتفاق للحل.

وأضاف أنه “عقب تحقيق الانتقال السياسي، وتوفير ظروف البيئة الآمنة، سيتمكن اللاجئون السوريون من العودة، وسيتم بعدها النظر بكل الإجراءات التي اتخذها النظام خلال فترة الثورة، وما يتناقض منها مع تطلعات الشعب السوري، أو يخالف القوانين الإنسانية ونصوص الدساتير، فيما يتعلق بحقوق الملكية والحريات العامة”.

التجربة البوسنية مثالًا

القاضي رياض علي، أكد على أهمية مناقشة ملف الملكية العقارية على طاولة “اللجنة الدستورية”، وأن يتضمن الدستور الذي يجري العمل على إعداده مبادئ تفصيلية حول هذا الملف، أو أن يكون قانونًا ملحقًا به.

وأوضح القاضي، في حديثه لعنب بلدي، أنه من المفترض بعد كتابة الدستور، وتشكيل هيئة الحكم الانتقالي، تسمية لجان متخصصة، منها لجنة مراجعة القوانين، لتتولى إلغاء وتعديل كل ما لايتفق مع العهود والمواثيق الدولية، وتطرح جميع التعديلات على البرلمان الجديد من أجل تصديقها.

كما يُفترض أن ينص الدستور الجديد على سمو القوانين والعهود والمواثيق الدولية على القوانين الداخلية، لا سيما الاتفاقيات التي وقعت عليها الدولة السورية، وعلى إمكانية تطبيق القوانين الدولية على القضايا العقارية التي ستعرض على المحاكم مستقبلًا.

ولفت إلى إمكانية الاستفادة من التجربة البوسنية في هذا السياق، إذ خُصص ملحق كامل باتفاقية “دايتون” التي تحولت إلى دستور لا يزال مطبقًا حتى اليوم، تحدث عن آليات تشكيل اللجنة المختصة بالنظر في رد الممتلكات، ومهامها وآلية عملها، لتجنب ترك هذه المسائل للقوانين الخاصة التي قد تسنها السلطة الحاكمة وفقًا لمصالحها، كما تم إعفاء أعضاء هذه اللجنة من أي مسؤوليات جزائية أو مدنية قد تنشأ بسبب الأعمال التي يقومون بها في نطاق واجباتهم، لحمايتهم من الضغوط التي قد تمارس عليهم من قبل القوى المتنفّذة. 

 

أكدت المادة الأولى من الملحق “رقم 7” في “الاتفاقية المتعلقة باللاجئين والمشردين”، في الدستور البوسني على: حق جميع اللاجئين والمشردين في العودة إلى مواطنهم الأصلية بحرية، وبأن يكون لهم الحق في أن تعاد إليهم الممتلكات التي حُرموا منها بسبب الأعمال العدائية التي جرت منذ عام 1991، وأن يُعوضوا عن أي ممتلكات لا يمكن إعادتها إليهم، وأن الهدف المهم من أهداف تسوية النزاع هو العودة السريعة للاجئين والمشردين، وعلى الأطراف المتعاقدة أن تسمح للاجئين والمشردين بالعودة بأمان، دون التعرض لخطر المضايقة أو التخويف أو الاضطهاد أو التمييز، وخصوصًا بسبب أصلهم العرقي أو معتقدهم الديني أو رأيهم السياسي، كما ألزمت الأطراف المتعاقدة بضمان السماح بعودة اللاجئين والمشردين بأمان ودون تمييز.



English version of the article

مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة