fbpx

كيف يحافظ أهل حماة على ملكية أراضيهم بعد مصادرتها

بساتين الفسق الحلبي في بلدة مورك بريف حماة - 2019 (هاشتاغ سوري)

ع ع ع

عنب بلدي – زينب مصري

“لن نستطيع جني المحصول، الله يعوضنا، لكن النظام سيرحل والأرض باقية مهما طال الزمن”، بهذه العبارات عبّر أحمد عن مشاعره المختلطة بين الأمل والاستياء، بعدما وجد اسمه في قائمة تضم 109 أسماء للأشخاص الذين صودرت بساتين الفستق الحلبي الخاصة بهم، في منطقة محردة التابعة لمحافظة حماة.

كان ذلك حين أعلنت “لجنة الأمر الإداري” الصادرة عن رئيس اللجنة العسكرية والأمنية في محافظة حماة، في 21 من تموز الماضي، إجراء مزاد علني لضمان استثمار الأراضي المشجرة بالفستق الحلبي، والعائدة ملكيتها لأشخاص مقيمين في مناطق واقعة تحت سيطرة فصائل المعارضة السورية، في الشمال السوري.

شروط المزاد

اشترطت اللجنة على المواطن المتقدم للمزاد لاستثمار الأراضي في مدن وبلدات محردة واللطامنة ولطمين وكفرزيتا والزكاة شمال غربي مدينة حماة، لموسم واحد، ألا يكون محرومًا من الدخول في المزادات أو التعاقد مع الجهات العامة، أو محجورًا على أمواله احتياطيًا لمصلحة الجهات العامة أو تنفيذيًا.

كما اشترطت ألا يكون عضوًا في المكاتب التنفيذية للإدارة المحلية في المحافظة، وألا يكون محكومًا بجناية أو جرم شائن، وألا يكون له ماضٍ تهديمي في الحراج، على أن يقدم صورة عن السجل العدلي، وصورة عن هويته الشخصية أو إخراج قيد نفوس أو صورة مصدقة عن وكالته، إذا كان وكيلًا للعارض واسم وكيله، وعنوان الوكيل وموطنه إن وجد.

ويتعهد المتقدم إلى المزاد العلني بتسديد سلفة مالية للمسؤول المالي في لجنة المزاد، تبلغ 50 ألف ليرة سورية لكل دونم قبل التقدم إلى المزاد.

لا أوراق ثبوتية

وصلت القائمة التي تضم أسماء الأشخاص المصادرة أراضيهم مع إعلان المزاد وشروط التقدم، والتي عُلّقت في لوحة إعلانات مكتب الزراعة بفرع حزب “البعث” في حماة، إلى أحمد، عبر مجموعات تضم أفرادًا من العائلة وعددًا من نازحي مخيم “أطمة” على الحدود السورية- التركية، حيث يقطن مع عائلته منذ تسع سنوات تقريبًا.

يمتلك أحمد (اسم مستعار، تحفظ على ذكر اسمه لأسباب أمنية) المنحدر من بلدة كفرزيتا في ريف حماة، وإخوته بستانًا مشجرًا بالفستق الحلبي ورثوه عن والدتهم، لكن القوات التابعة للنظام السوري صادرته بعد فرض سيطرتها على المنطقة عام 2019.

قبل سيطرة قوات النظام على ريف حماة، كان أحمد يذهب إلى أرضه “كاللصوص”، بحسب وصفه لعنب بلدي، يرعاها ويسقيها، وبعد السيطرة لم يذهب مطلقًا ولم يستطع تكليف أحد برعايتها، لأن النظام اشترط وجود المالك أو صاحب العقار لرعاية الأرض أو شخص مكلف بالوكالة.

ولا يمتلك أحمد وإخوته أوراقًا ثبوتية تدل على ملكيتهم للأرض، لأنها أرض ورثة لم يتحاصصوا عليها، لكنهم يمتلكون رقم العقار والهوية الشخصية لصاحبة الأرض، بعد بيع أحد إخوته حصته من الأرض لأحد أبناء البلدة.

أحمد، الذي التقته عنب بلدي، قال إن البيع لم يُثبت في السجل العقاري عند النظام السوري، ولن يستطيع الشخص الذي اشترى قطعة الأرض تسجيلها باسمه، لأن الورثة لم يوافقوا على البيع، ولم يوقعوا عليه.

لا مصادرة.. لكن إتاوات

على خلاف أحمد الذي صودرت أرضه، استطاع سليمان (طلب عدم ذكر اسمه حفاظًا على الأرض والعاملين فيها) المحافظة على أرضه على الرغم من تركه بلدته كفرزيتا شمالي حماة ونزوحه إلى مدينة سرمدا شمالي إدلب، حيث نفوذ المعارضة السورية.

بالتواصل والوكالة استطاع سليمان تكليف أشخاص موجودين في مناطق سيطرة النظام السوري بتسيير أعمال أرضه من فلاحة وتعشيب حتى جني محصول الفستق الحلبي.

لكن سليمان اضطر لأن يدفع، إلى جانب أجور الفلاحة والتعشيب، إتاوات لقوات الأمن السوري عن طريق العاملين بالأرض، لقاء فحص قوات النظام الأرض من الألغام والقنابل العنقودية، بحسب ادعائهم، بالإضافة إلى حصة مقطوعة لمن يسيطر على القطاع من قوات النظام، بحسب قوله لعنب بلدي.

وأضاف سليمان أن النظام اتبع “لعبة” حين سمح لأصحاب البساتين بتوكيل أشخاص لرعاية أراضيهم، ليحصل على المحصول جاهزًا ومدفوع المصاريف والتكاليف، إذ أعلن مصادرته الأراضي قبيل جني المحصول ليعود ثمنه إليه.

اعتداء على القانون

يرتكب النظام السوري مخالفات قانونية بـ”تضمينه” البساتين في محافظتي حماة وإدلب، وتصرفه بملكيات أصحابها النازحين إلى مناطق سيطرة المعارضة السورية.

المحامي أحمد صوان أكد لعنب بلدي أن عرض النظام بساتين الفستق الحلبي في ريف حماة للاستثمار هو أمر مخالف للقانون، لأنه اعتداء على ملكية شخص دون إرادته، وهو انتهاك لحقوق الملكية المحمية بموجب الدستور والقانون المدني، الذي ينص في مادته “رقم 768” على أن “لمالك الشيء وحده، في حدود القانون، حق استعماله، واستغلاله”.

وقال صوان إن حق الملكية حق دائم، لا يسقط بعدم الاستعمال مهما طال الزمن ويبقى ما دام الشيء المملوك باقيًا، وهو حق مانع واستئثاري لأنه مقتصر على صاحبه فقط.

وتكمن المخالفة الثانية للنظام في انتهاكه الدستور السوري الحالي الذي ينص في المادة “رقم 15” على أن الملكية الخاصة مصانة وفق أساسين، المصادرة العامة في الأموال ممنوعة، ولا تنزع الملكية الخاصة إلا للمنفعة العامة بمرسوم ومقابل تعويض عادل وفقًا للقانون.

وإلى جانب مخالفته الدستور السوري، يخالف النظام القانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق الانسان، الذي نص في مادته “رقم 17” على أنه لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفًا، بحسب العضو في نقابة “محامي حماة الأحرار” المحامي علي العمر.

وأكد المحامي علي العمر لعنب بلدي أن حق الملكية حق مقدس، وحق الانتفاع والاستثمار من ضمن حق الملكية الذي يشمل عدة حقوق، مشيرًا إلى أن النظام خالف أيضًا المشرّع السوري، الذي اتخذ نصوصًا قانونية لحماية حقوق الملكية وما يتفرع عنها، وهذه النصوص تتعلق بالنظام العام والآداب العامة، وأي مخالفة لهذه النصوص تستوجب البطلان المطلق.

كيف يحمي أصحاب البساتين حقهم؟

يستطيع مالكو البساتين الذين صودت أراضيهم المطالبة مستقبلًا بتعويضات عن أضرارهم، نتيجة الاستيلاء غير المشروع على ملكيتهم، وتشمل المطالبة إجمالي ما خسروا وما فاتهم من منفعة محتملة، بحسب المحامي أحمد صوان.

وأشار المحامي إلى أنه من حق المالك أن يطالب بالتعويض عن المواسم والأضرار التي تصيب الأشجار نتيجة التخريب أو القلع أو الحرق، مؤكدًا أن المطالبة مرتبطة بإمكانية الإثبات، أي تحديد المتسبب بالضرر.

فإذا قامت جهة حكومية بالتأجير أو “التضمين”، فإن هذا الأمر يسهّل على المالكين بالمستقبل تحديد المسؤول عن الأضرار، ومطالبة الجهة التي قامت بـ”التضمين” بالتعويض عنها وعن أجر المثل (أي قيمة المواسم المقدرة).

في حين قال المحامي علي العمر، إن المحصول المصادر من حق مُلاك البساتين، ويمكن لهم اللجوء إلى دعاوى متعددة، لكن عندما “تصبح سلطة الدولة فوق سلطة العصابات والمافيات والميليشيات، ويسود مبدأ سيادة القانون فوق الجميع، وبعد صلاح القضاء واستقلاليته”.

ومن هذه الدعاوى، دعوى “غصب عقار” وهي من اختصاص المحاكم الجزائية، و”الكسب غير المشروع”، و”إثراء دون سبب”، و”استغلال ملك الغير”، و”التصرف بالملكية دون وجه حق” أو “نزع الملكية دون وجه حق”، بالإضافة إلى دعوى “إساءة استعمال السلطة”.

ولا يستطيع أصحاب البساتين، المقيمين في مناطق سيطرة المعارضة السورية، المحافظة على أراضيهم لكيلا تصادر أو يجري التصرف بها، بحسب العمر، وذلك لأن قوات النظام والعناصر التابعين لها فوق القانون وأعلى من سلطة القضاء، بحسب تعبيره.

بينما قال المحامي أحمد صوان، إن الإجراء الوحيد الذي يستطيع المالك اتخاذه هو المحافظة على مستندات الملكية العقارية بمختلف أنواعها، من سند ملكية، وبيان قيد عقاري صادر عن المصالح العقارية، أو وكالة بيع لدى الكاتب بالعدل، أو قرار حكم بتثبيت الشراء، أو عقد عادي مذيل ببصمة أو توقيع وشهود، أو أي إيصال صادر عن البلدية أو المالية.

وذلك لأن أي ورقة من هذه الوثائق ستصبح ذات قيمة كبيرة لإثبات أحقية وأسبقية التملك، في حال ضياع أو التلاعب بسجلات الملكية من قبل النظام.

مخرج قانوني للنظام

أشار المحامي أحمد صوان إلى أن النظام قد يسعى إلى تأمين الغطاء القانوني للاعتداءات على الملكية التي يقوم بها، ولديه كثير من هذه الأدوات القانونية، ومنها القانون “رقم 19” لعام 2012 الخاص بمكافحة الإرهاب، والذي ينص على تجميد أموال كل من يرتكب جرمًا منصوص عليه في هذا القانون، والمادة “رقم 12” من هذا القانون، التي تنص على مصادرة الملكية والأموال المنقولة وغير المنقولة للمحكوم.

بالإضافة إلى المرسوم التشريعي “رقم 63” لعام 2012، ويحق بموجبه لسلطات الضابطة العدلية في الجرائم الواقعة على أمن الدولة أن تطلب من وزير المالية حجز الأموال المنقولة وغير المنقولة للمتهم.



English version of the article

مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة