fbpx

تعا تفرج

المدن السورية والقطعان الداشرة

ع ع ع

خطيب بدلة

بمناسبة الحديث عن الريف والمدينة، والمهاترات التي ملأت فضاء “السوشيال ميديا”، سأروي لحضراتكم دعابة ذكية أطلقها الشاعر لقمان ديركي حينما قال: صديقي خطيب بدلة انتقل من معرتمصرين إلى إدلب، فأُصيب بصدمة المدينة! ولكي تستوعبوا مغزاها سأخبركم أن بلدة معرتمصرين تبعد عن “مدينة” إدلب عشرة كيلومترات فقط! وبما أن معرتمصرين منخفضة فإن راكب البسكليت القادم من إدلب تكفيه ربع ساعة ليصل إليها، وإذا ذهب من معرتمصرين إلى إدلب بالسيارة تكفيه عشر دقائق!

أعتذر بشدة عن إطلاق صفة “مدينة” على جارتنا إدلب، فما هي إلا بلدة ريفية، مثل معرتمصرين وإنما أكبر حجمًا، وكانت تعيش منسجمة مع ذاتها، ومقتنعة بريفيتها، ولكنها “استحفظت” –على حد تعبير الكاتب الإدلبي الشهير حسيب كيالي– حينما تشهى بعض أهلها في أواخر الخمسينيات أن يجعلوها محافظة، فلجؤوا إلى سلطات الوحدة (اللي ما يغلبهاش غَلَّاب)، فأصدر “الأسمر” جمال عبد الناصر قرارًا يتضمن إحداث محافظة اسمها إدلب في الأقضية الغربية لمحافظة حلب، اعتبارًا من سنة 1960.

لم يكن تحويل بلدة إدلب إلى محافظة خيرًا كله، فهي لم تستفد من كونها محافظة سوى بتعيين الرفيق زيد حسون محافظًا عليها، الذي تضمن صكُّ تعيينه بقاءه جاثمًا على صدرها إلى حين الأجلين، الفراق أو الموت، وبالمقابل دفعت إدلب تكاليف هذا الأمر من كرامة أهلها انسجامًا مع روح المثل القائل بأن “الخروج من الحَمَّام ليس كالدخول إليه”، والأسوأ من هذا كله، أن نظام حافظ الأسد الذي احتل سوريا بدءًا من سنة 1970، استغل كون إدلب محافظة، ولم ينسَ أن أهلها ضربوه بالحدوة، فخصها بفروع أمنية لا تقل شراسة وجبروتًا عن مثيلاتها الموجودة في كل المحافظات. ولمَ لا؟ فالمنطق السليم يقول إن حلب محافظة وفيها فروع أمن، وإدلب محافظة وفيها فروع أمن، و”ما حدا أحسن من حدا”!

أذكر، بتداعي الأفكار، أن فرع الأمن الجوي أُحدث في إدلب على نحو متأخر، في أواخر التسعينيات ربما، وكانت سيارات الأجرة “الميكروباصات” العائدة من حلب معتادة على إنزال بعض ركابها عند “دوار الصومعة”، وفجأة، ودون سابق إنذار، صار كل سائق يُنزل ركابًا عند هذا الدوار ينفلت عليه قطيع من المسلحين، يجبرونه على النزول من وراء مقود السيارة، ويبطحونه أرضًا، ويشبعونه ضربًا بالأيدي، ورفسًا بالأرجل، وبصاقًا في الوجه، ثم يتركونه. وبعد أن تعرض نحو عشرة سائقي “ميكروباصات” للتعجيق، عرف أهل المدينة (والمحافظة) كلهم أنه غير مسموح المرور أو الوقوف أو إنزال الركاب بجوار “دوار الصومعة”، لأن فرع الأمن الجوي بجواره!

قد يقول قائل: لعلك استضعفتَ إدلب فحكيت عليها؟ أقول: أبدًا، وأنا محسوبكم، أعتقد أن سوريا كلها لا توجد فيها مدينة “متل الخلق”، وكلها، حتى حلب ودمشق، ملأى بالعشوائيات، وفيها خليط سكاني معظمه قادم من القرى، وبالأخص بعد انقلاب حافظ الأسد، وفي بعض شوارعها تسير الحمير وعربات الجر، بينما قطعان الأمن والشبيحة مستعدون لبطح أي مواطن يأتي في طريقهم، مدنيًا كان أم قرويًا، ويشبعونه لكمًا ورفسًا وبصاقًا، بسبب، ودون سبب.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة