ع ع ع

زينب مصري | صالح ملص | عبد الله الخطيب

بعد ثلاثة أيام من تناوله وجبة في أحد مطاعم شارع “السوق التركي”، في مدينة أعزاز شمال غربي مدينة حلب، اشتكى أحد السكان لـ”دائرة الرقابة والتموين” العاملة في المدينة من “تسممه غذائيًا” بسبب وجبة “همبرغر فاسدة”.

أرسلت الدائرة دورية كشف إلى المطعم، فتّشته مع المستودع الخاص به “بشكل كامل”، واطلعت على حالة الأطعمة والملونات والمواد المستخدمة، وأكدت لعنب بلدي على لسان مدير “دائرة الرقابة والتموين” في المدينة، فاضل كنو، سلامة مرافق المطعم، وخلوه مما يخالف قواعد الصحة الغذائية، والتزام العمال العاملين فيه بالإرشادات الصحية وشروط النظافة العامة.

لكن الدورية نفسها وثّقت، قبل ما يقارب ستة أشهر، عدة حالات تسمم لأطفال، بسبب شرائهم أكياس بطاطا “فاسدة”، بسبب سوء التخزين، من محل بقالة في المدينة، وأغلقت على إثرها المحل ونظمت ضبطًا عدليًا بحق مالكه ما أدى إلى سجنه، وغرمته بدفع تكاليف العلاج للمتضررين.

عمل دوائر الرقابة الغذائية في الشمال السوري يخلق تفاوتًا في فاعلية كل منها، إذ يُعتمد على جمعيات ومنظمات عاملة في رصد حالات تسمم غذائي بالمنطقة، بينما تبقى حالات أخرى دون رقيب أو حسيب.

تسلط عنب بلدي في هذا التحقيق الضوء على حالات التسمم الغذائي المتكررة في مناطق شمال غربي سوريا، المتضمنة إدلب وريفها وريف حلب الغربي بإدارة حكومة “الإنقاذ”، وريفي حلب الشمالي والشرقي التابعين لـ”الحكومة السورية المؤقتة”، وتناقش معايير الكشف عن المواد الغذائية الفاسدة، وتحديد الجهات الحكومية الفاعلة في تلك المناطق، ودورها في تطبيق آليات الرقابة الغذائية.

لا إحصائيات رسمية

وجبات “فاسدة” تناولها نازحون لم تخضع لرقابة غذائية

تغيب الأرقام والإحصائيات الرسمية من الجهات الصحية أو الرقابية العاملة في المنطقة، حول أعداد حالات التسمم الغذائي المسجلة لديها، وتحل محلها أرقام متفاوتة أحصتها جهات توثيق أو وسائل إعلامية.

تواصلت عنب بلدي مع مديريتي “الدفاع المدني” و”الصحة” العاملتين في محافظة إدلب، للوقوف على الأعداد الموثقة لحالات التسمم الغذائي في المحافظة، ونفت الجهتان توثيقهما إحصائيات دقيقة حول تلك الحالات، مع عدم اختصاص “مديرية الصحة” بالعمل على الرقابة الغذائية في المحافظة، وفق ما قاله مدير مكتبها في إدلب، صفوت شيخوني.

احتل شهر رمضان الماضي مرتبة متقدمة في أعداد حالات التسمم الغذائي المسجلة من قبل منظمات محلية للعام الحالي، وكان للنازحين في مخيمات ريف إدلب النصيب الأكبر من تلك الإصابات.

إذ قال مدير فريق “منسقو استجابة سوريا”، محمد الحلاج، لعنب بلدي إن الفريق وثق ما يقارب 127 حالة تسمم بسبب وجبات غذائية جاهزة، وزعتها جمعية “شام شريف” على ثلاثة مخيمات بريف إدلب، وهي مخيم “المختار” في بلدة كللي، ومخيم “شاف شريف” في قرية قاح، ومخيم “رعاية الطفولة” في قرية دير حسان.

مستخدمون على وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل إعلام محلية، نقلوا عن بيان للجمعية، في رمضان الماضي، قولها إنها وزعت وجبات إفطار على ثمانية مخيمات بمعدل 2200 وجبة، طُهي طعامها “بأعلى درجات النظافة والإتقان”، كما نقلوا اتهامها سكان أحد المخيمات، الذي أعلن لاحقًا عن حالات تسمم بسبب تلك الوجبات، بهجومهم على فريق عمل الجمعية بسبب “عدم توزيعهم للحم المشوي والصفيحة”.

وللتحقق من البيان المتداول، ولتوضيح تفاصيل حادثة التسمم في المخيمات الثلاثة، حاولت عنب بلدي التواصل مع ثلاث جهات تابعة لجمعية “شام شريف”، ولم تحصل على رد.

إلا أن ناشطين، في وقت الحادثة، نقلوا عن أقرباء لهم تعرضوا للتسمم قولهم، إن “الجمعية ترسل لهم وجبات غذائية بشكل مستمر، وإن هذه الحالة الأولى التي يحدث فيها تسمم للنازحين”.

طفل في حضن والده أثناء التوجه إلى قسم الإسعاف مصاب بتسمم في سيارة إسعاف نتيجة تناول طعام فاسد مقدم من أحد الجمعيات الخيرية في مخيم رعاية الطفولة شمال إدلب - 11 أيار 2020 (عنب بلدي)

طفل في حضن والده أثناء التوجه إلى قسم الإسعاف مصاب بتسمم في سيارة إسعاف نتيجة تناول طعام فاسد مقدم من أحد الجمعيات الخيرية في مخيم رعاية الطفولة شمال إدلب – 11 أيار 2020 (عنب بلدي)

المعابر الحدودية مع تركيا..

أولى محطات الرقابة الغذائية

من المفترض أن تختص جهات معينة بالرقابة الغذائية كعملية إدارية، وتتعاون معها جهات أخرى في مراقبة حالة الأغذية في أماكن الاستيراد أو التوزيع أو الفرز وفي منافذ البيع أو التوصيل، قبل أن تصبح لدى المستهلك.

المعابر الحدودية الرسمية الواصلة بين مناطق شمال غربي سوريا والجارة تركيا، تلعب دورًا رئيسًا في ضبط المواد الغذائية غير الآمنة، التي قد تعتبر آتية كشحنات تجارية من تركيا، من خلال تلك المعابر، لتصل إلى المحلات في قرى ومدن تلك المناطق.

عنب بلدي تواصلت مع معبري “باب الهوى” في شمالي إدلب و”باب السلامة” شمالي حلب الواصلين مع تركيا، للوقوف على عملهما كحارسين لبوابات الأغذية الأساسية في المنطقة.

“باب الهوى”: نعتمد “مواصفات قياسية”

مدير المكتب الإعلامي لمعبر “باب الهوى” الواصل بين محافظة إدلب وتركيا، مازن علوش، تحدث لعنب بلدي عن آليات الرقابة الغذائية والتموينية التي تتبعها إدارة المعبر لضبط المواد الغذائية.

إذ لا يسمح المعبر بدخول الوجبات الغذائية الجاهزة من تركيا عبره، ويكشف الفريق “المتكامل” في مركز الحجر الصحي والزراعي التابع له، على كل “الإدخاليات” الغذائية والطبية، ويأخذ عينات منها ليفحصها في المخبر، ويسمح فقط بإدخال البضائع الموافقة للمواصفات “القياسية المعتمدة”.

وأخذ الفريق 46 ألفًا و493 عينة خلال أيار الماضي، و35 ألفًا و143 عينة في حزيران الماضي، توزعت على المواد بأقسامها الثلاثة، الحجر الزراعي والحجر الصحي والحجر البيطري.

وفيما يتعلق بالمواد الدوائية، أكد علوش أن الفريق يفحصها في دائرة الرقابة الدوائية بمحافظة إدلب، ومن ثم يُسمح لها بالدخول إن كانت مطابقة للمواصفات المعتمدة.

وفي حال ضُبطت بضائع غير مطابقة للمواصفات، يُخيّر التاجر (صاحبها) إما بإرجاعها إلى تركيا أو بإتلافها أصولًا من القائمين على المعبر، وسبق لهم إتلاف العديد من هذه المواد، بحسب ما قاله علوش.

“باب السلامة”: الضبط بالإمكانيات المتوفرة

شرح مدير معبر “باب السلامة”، الواصل بين ريف حلب الشمالي وتركيا، ومعاون مدير الجمارك العامة في “الحكومة المؤقتة”، قاسم قاسم، لعنب بلدي، آلية عمل المعبر بشأن الرقابة على المواد الغذائية التي تمر إلى الداخل السوري عبره، قائلًا إن إدارة المعبر تجري دراسة فاعلة مع إحدى المنظمات الداعمة، لاستحداث مخبر للفحص بمواصفات جيدة، لمراقبة المواد الغذائية الداخلة إلى مناطقهم.

وأضاف قاسم أن المعبر يتواصل مع جهات دولية (لم يسمها)، منذ أكثر من أربع سنوات، لإنشاء مخبر مركزي بإمكانيات “متطورة”، لكل المديريات والمعابر، ولمساعدة المجالس المحلية أو الجامعات في تلك المناطق، لإجراء التحليلات الخاصة بالمواد الغذائية والصحية.

وأكدت تلك الجهات، في 1 من تموز الحالي، لإدارة المعبر وجود منظمة داعمة وافقت على إنشاء المخبر، وإذا ما اكتمل هذا الاتفاق فسيكون مشروع المخبر مسهمًا في ضبط عملية الرقابة الغذائية “بشكل كبير”، بحسب قاسم.

ويوجد حاليًا لدى معبر “باب السلامة” 12 موظفًا من الاختصاصيين وأصحاب الخبرة والشهادات، منهم كشّاف من الجمارك، وموظف من المخبر الموجود، ومهندس زراعي، ومهندس كيميائي، وطبيب بيطري، وصيدلي، وميكانيكي، ومعاونون لهم، لمراقبة صلاحية المواد الغذائية.

يكشف فريق الاختصاصيين عن أي بضاعة تصل إلى المعبر من أدوية أو غيرها من المواد، وفي حال الشك بخلل ما، يحيل الفريق هذه البضاعة إلى المخبر ليُجري لها تحليلًا معتمدًا، إما في ولاية غازي عنتاب التركية، أو في مخبر تابع لجامعة “إدلب”.

سيارة إسعاف نقلت مرضى حالات تسمم نتيجة تناول طعام فاسد مقدم من أحد الجمعيات الخيرية في مخيم رعاية الطفولة شمال إدلب - 11 أيار 2020 (عنب بلدي)

سيارة إسعاف نقلت مرضى حالات تسمم نتيجة تناول طعام فاسد مقدم من أحد الجمعيات الخيرية في مخيم رعاية الطفولة شمال إدلب – 11 أيار 2020 (عنب بلدي)

قانون جمركي

وفقًا للقاسم، يعمل المعبر وفق قانون أصدرته “مديرية الجمارك العامة” لجميع المعابر التابعة لها، يَشترط وجود صلاحية ستة أشهر لأي مادة حتى يُسمح لها بالعبور، وذلك منعًا لتصرفات بعض التجار المعتمدين على شراء مواد غذائية صلاحيتها لمدة شهر أو شهرين بسعر رخيص لتصريفها في أسواق هذه المناطق.

كما أن هناك قوانين تمنع دخول اللحمة “المجروشة” (الناعمة)، لعدم معرفة تركيبتها، واللحوم المجمدة، لانقطاع الكهرباء المتكرر على البرادات في مستودعات التجار، وأي مواد أخرى “تضر” بالصحة العامة.

وعن المعايير المتبعة لتحديد جودة المواد، قال قاسم، إن أي مادة غذائية يجب أن يكون لها شهادة منشأ وشهادة صحية، مشيرًا إلى وجود “اطمئنان” من قبلهم للمواد القادمة من الجانب التركي، وذلك لاستيفائها هذه الشروط.

ولكن المشكلة، بحسب تعبيره، تتشكل من خلال بعض التجار السوريين الذين يستوردون مواد عن طريق العبور (ترانزيت) من دول أخرى غير تركيا، وقد تكون شهادة المنشأ أو الشهادة الصحية مزورة.

ولهذا يقوم المتخصصون في معبر “باب السلامة” بفحص كل المواد الداخلة مخبريًا وفيزيائيًا، كقلي البيض، وإذابة السمن، وغيرهما من الطرق، لفحصها من حيث الطعم والشكل ورؤية لونها وتمييز رائحتها.

ولا توجد أماكن لحفظ وتخزين المواد في معبر “باب السلامة”، بحسب قاسم، وذلك لوجود مستودعات كبيرة أُلغيت بسبب وجود 20 ألف نازح يقطنون في ساحات المعبر.

وبالتالي فإنهم يحجرون على المواد التي يُشَك بوجود مشكلة فيها، ويُرسل عنصر الجمارك مع صاحب البضاعة لمدينة أعزاز، ويضعها في المستودع الخاص به.

ومن ثم يحجر عليها المختصون، ويُمنع صاحبها من التصرف بها حتى ظهور نتيجة المخبر، لتخرج فيما بعد لجنة منه إلى المستودع تتأكد من عدم تصرفه بالبضاعة أو لمسها، لتسلمها وتسمح له بالتصرف بها إذا كانت سليمة، وتُجرى هذه الخطوات بشكل خاص على مادة حليب الأطفال والمواد الدوائية والغذائية.

شاركنا رأيك..من المسؤول عن حالات التسمم الغذائي في شمال غربي سوريا؟

Gepostet von ‎جريدة عنب بلدي Enab Baladi‎ am Mittwoch, 1. Juli 2020

رقابة مشتتة تؤثر في الفاعلية..

لا آلية موحدة للرقابة التموينية في الشمال السوري

تُعد وزارة الداخلية وحماية المستهلك في سوريا الجهة المسؤولة عن الرقابة التموينية وتطبيقها على المنتجات والسلع الغذائية، وذلك بموجب القانون “رقم 14” لعام 2015 الصادر بشأن التجارة الداخلية وحماية المستهلك.

هذا القانون لا تُطبّق بنوده في مناطق سيطرة المعارضة السورية شمال غربي سوريا، مع عدم وجود نُظم بديلة توحد بمقتضاها آلية عمل الجهات المختصة في قطاع الرقابة التموينية هناك، أو تزيد التنسيق فيما بينها.

وتبرز إلى ساحة الرقابة التموينية في شمال غربي سوريا العديد من “دوائر الرقابة والتموين” التي تتبع بشكل مباشر للمجالس المحلية في مناطق ريف حلب الشمالي، حيث تتركز فاعلية “الحكومة السورية المؤقتة”، أما في إدلب فينشط عمل حكومة “الإنقاذ”، بحسب ما رصدته عنب بلدي من خلال مقابلاتها مع أصحاب محلات لبيع المواد الغذائية في المنطقة.

طفل في حضن والده أثناء التوجه إلى قسم الإسعاف مصاب بتسمم في سيارة إسعاف نتيجة تناول طعام فاسد مقدم من أحد الجمعيات الخيرية في مخيم رعاية الطفولة شمال إدلب – 11 أيار 2020 (عنب بلدي)

في ريف حلب الشمالي

لا مرجعية وزارية.. المجالس المحلية تتصرف

لا تملك “الحكومة المؤقتة” إلى الآن جهازًا وزاريًا مختصًا بالرقابة والتموين، بحسب ما قاله وزير الاقتصاد في “الحكومة المؤقتة”، عبد الحكيم المصري.

وفي كل مجلس محلي بمناطق ريف حلب الشمالي دائرة تموينية تعتبر، وفق المصري، المسؤولة الوحيدة فيما يخص ضمان عدم تسبب الأغذية بأضرارعلى صحة أهالي المنطقة، عند إعدادها أو تناولها طبقًا للاستخدام المقصود منها.

ويفترض المصري، وفق ما قاله لعنب بلدي، أن تكون هذه الدوائر التموينية تابعة لوزارة تُشكل من قبل “الحكومة المؤقتة”، تهدف إلى تلبية احتياجات الأهالي من المنتجات، وتضمن صحتهم عند استعمال المنتج الغذائي، بالإضافة إلى تمكين حصولهم على المعلومات والإرشادات عن كل ما يتقدم إليهم من منتجات غذائية.

ومع غياب وزارة تختص بالرقابة التموينية في “الحكومة المؤقتة”، أعطى واقع الحال الدور للمجالس المحلية في كل بلدة بالمنطقة لتشكيل “دوائر رقابة وتموين” تتبع، بحسب المصري، بشكل مباشر لتلك المجالس التابعة بدورها لوزارة الإدارة المحلية والخدمات في “الحكومة المؤقتة”، مع عدم وجود رقابة تموينية مركزية موحدة لجميع تلك الدوائر.

رتابة في آلية الرقابة الغذائية

اشتكى الطالب في جامعة “حلب” نادر الأحمد، وهو من سكان مدينة الباب، من غياب الرقابة التموينية من قبل “دوائر الرقابة والتموين” التابعة للمجلس المحلي هناك على المنتجات الاستهلاكية اليومية، ومن عدم رقابة الجهات المسؤولة على المواد الطبية وصلاحية الأدوية في صيدليات المنطقة.

وأضاف نادر لعنب بلدي أنه في بعض محال بيع المواد الاستهلاكية والأغذية المعلبة تكون المواد الغذائية منتهية الصلاحية منذ عام، ما يثير استغرابه حول كيفية استمرار محلات البقالة ببيع مثل هذه المواد مع علم أصحابها بانتهاء صلاحيتها.

وفي بعض الأوقات لا تلتزم المحال التجارية في مدينة الباب وريفها بالمواصفات بالتزامن مع عدم توفر الكهرباء لضمان حفظ المواد الغذائية التي تحتاج إلى تبريد كاللحوم والأجبان والألبان، لكن معظم الأهالي في المنطقة يشترون تلك المواد بعلم أو دونه “بوجود غش في المواصفات” من قبل بعض محال بيع المنتجات الغذائية.

وفي بداية كل شهر تأتي “دائرة الرقابة والتموين” التابعة للمجلس المحلي في مدينة الباب للكشف عن تاريخ صلاحية معظم المواد الغذائية، بحسب ما قاله صاحب مستودع بيع المواد الغذائية بالجملة في المدينة غزال حمادي، لعنب بلدي، حيث تتفقد دورية التموين كل ما يتم تخزينه داخل المستودع.

وهذه الرتابة الزمنية في الكشف عن تاريخ صلاحية المواد الغذائية يعتبرها غزال حمادي ضعفًا في الرقابة الغذائية، إذ لا تغير دائرة الرقابة التموينية موعد تفتيشها، ومتابعة التزام التجار بالضوابط والمعايير التي تجعل المواد الغذائية صالحة للاستهلاك البشري، ما يتيح الفرصة للتجار لإخفاء ما يريدونه من مواد لا تنطبق عليها شروط السلامة الغذائية.

حاولت عنب بلدي التواصل مع “دائرة الرقابة والتموين” التابعة للمجلس المحلي في مدينة الباب للرد على شكوى نادر وملاحظات غزال، لكن لم تتلقَّ ردًا بشأن هذا الموضوع حتى تاريخ نشر هذا التقرير.

دور “ضعيف” يزيد الإهمال

بحسب ما رصدته عنب بلدي في استطلاع رأي بين الأهالي في المنطقة، فإن بعض الأهالي لا يعلمون أصلًا بوجود “دائرة الرقابة والتموين” التابعة للمجلس المحلي فيها، كون دورها “ضعيفًا” بالنسبة لمنع وجود مواد غذائية “منتهية الصلاحية تُشترى من قبل أهالي المنطقة دون وجود ثقافة للتأكد”، بحسب مهند الحلبي، وهو صاحب أحد محلات بيع المواد الغذائية المعلبة في مدينة الباب.

وبالتزامن مع تلك الشكاوى والملاحظات، ينشر المجلس المحلي في مدينة الباب، عبر حسابه في “فيس بوك”، مقاطع مسجلة حول جولات ميدانية لـ”دائرة الرقابة والتموين” التابعة للمجلس على المطاعم ومحلات بيع المواد الغذائية “للتأكد من تاريخ الصلاحية المكتوب على المنتج الغذائي”.

كما ينفي مدير “دائرة الرقابة والتموين” في مدينة أعزاز، فاضل كنو، إهمال التوعية، مشيرًا إلى إقامة ورشات تدريبية من قبل “دائرة الرقابة والتموين” التابعة للمجلس المحلي في مدينة أعزاز، لبقية الدوائر المختصة للمراقبة التموينية، “لتمكينهم من إتمام مهامهم على أكمل وجه وسد كامل الثغرات في الرقابة التموينية”.

كما تحاول الدائرة “زرع ثقافة متابعة تاريخ صلاحية المواد الغذائية بين أصحاب محلات بيع السلع الغذائية من جهة، وثقافة محاسبة التجار بين أهالي المنطقة من جهة أخرى”.

كيف تصف “دائرة الرقابة” عملها؟

تتشابه آلية الرقابة والتموين في ريف حلب الشمالي، بحسب ما قاله مدير “دائرة الرقابة والتموين” في مدينة أعزاز، فاضل كنو، حيث تكون “المتابعة على الرقابة الغذائية يومية” على أصحاب المستودعات وسيارات بيع الجملة، بالإضافة إلى وضع حواجز في الطرق الرئيسة بمناطق شمالي حلب، لتفتيش وتدقيق المواد فيما يخص فترة الصلاحية للاستهلاك البشري.

وفي حال وجدت “دائرة الرقابة والتموين” أي مادة غذائية فاسدة، تقوم بمصادرتها وتنظيم ضبط عدلي بحق المخالف، وفق كنو، كما توجد هناك أنواع مختلفة من الضبوط، منها مخصصة للمواد الغذائية المنتهية الصلاحية، ومنها مخصصة لسوء صناعة المواد الغذائية، وسوء تخزينها.

وتتلقى “دائرة الرقابة والتموين” العديد من الشكاوى شهريًا بشأن حالات تسمم غذائي، وفق ما قاله كنو، عبر التواصل مع المجلس المحلي لمدينة أعزاز من خلال صفحته في “فيس بوك” أو الذهاب إلى مقر المجلس في المدينة.

ولمن يتقدم بشكوى بسبب حالة تسمم عن طريق مطعم ما أو محلات بيع المواد الغذائية، يجب عليه إثبات حالة التسمم الغذائي من خلال تقرير طبي، ثم تُؤخذ عينة من مواد المطعم أو المحلات الغذائية لدراستها في مختبرات طبية حكومية داخل الأراضي التركية، لافتقار المجالس المحلية في ريف حلب الشمالي لإمكانية إعداد مختبرات متخصصة لفحص تركيبة المواد الغذائية المشتبه بعدم صلاحية استهلاكها البشري.

ويدخل نطاق مسؤولية “دوائر الرقابة والتموين” في ريف حلب الشمالي بكل ما يخص المواد الغذائية بجميع أنواعها وسلامة تركيبتها الغذائية للاستهلاك البشري، وإلزام التجار وأصحاب مستودعات البيع بالجملة بالمواصفات التي تحددها “دائرة الرقابة والتموين” في كل منطقة بشمالي حلب.

كما يقع على الدائرة مسؤولة تحديد الوسائل اللازمة لمنع التلاعب في أسعار المنتجات الاستهلاكية اليومية، من خلال ضبطها بسعر معين وعملة معينة، عبر نشر أسعار موحدة ومراقبة إيصالات وفواتير محلات بيع المواد الغذائية.

مرضى حالات تسمم نتيجة تناول طعام فاسد مقدم من أحد الجمعيات الخيرية في مخيم رعاية الطفولة شمال إدلب - 11 أيار 2020 (عنب بلدي)

دخول مريضة بحالة تسمم إلى قسم الإسعاف نتيجة تناول طعام فاسد مقدم من أحد الجمعيات الخيرية في مخيم رعاية الطفولة شمال إدلب – 11 أيار 2020 (عنب بلدي)

في إدلب

مديرية حكومية مسؤولة.. ولكن

على عكس الحال في ريف حلب الشمالي، تتبع “المديرية العامة للتجارة والتموين” في مدينة إدلب وريفها الشمالي بشكل مباشر لوزارة الاقتصاد والموارد في حكومة “الإنقاذ”، بحسب ما قاله مدير التجارة والتموين في الحكومة، خالد الخضر، لعنب بلدي، مضيفًا أن “من أُولى مهام المديرية التدقيق في صلاحية المواد والتأكد من أنها ضمن هذه التواريخ”.

وترتكز مراقبة المديرية على المواد الغذائية المعلبة واللحوم والبقوليات، وكل مادة لا يذكر عليها تاريخ الإنتاج والانتهاء تعتبر بطاقة بيانها منقوصة، ويُلزم المنتج بمخالفة تموينية، وفق الخضر.

وتتبع حكومة “الإنقاذ” آلية تجول الفرق التموينية بين المنشآت الصناعية والإنتاجية ومستودعات التجار المستوردين، لضبط الرقابة على الأغذية، وتحديد طرق سليمة لتخزينها وعرضها على المستهلك.

وبما يتعارض مع تصريحات الخضر، قال محمود قطاش وهو صاحب محل لبيع المواد الغذائية في قرية كفر عروق بمدينة إدلب لعنب بلدي، إن أي إدارة مخصصة للرقابة أو التموين “لم تأتِ أبدًا” للتأكد من تاريخ صلاحية المواد الغذائية، أو حتى التأكد من أسعار المواد المعروضة للزبائن.

وقال سامر عبود وهو صاحب مطعم للفروج والمأكولات المشوية في مدينة إدلب، لعنب بلدي، إنه يحافظ على سلامة المواد الغذائية من لحوم ودجاج عن طريق البرادات، لكن انقطاع الكهرباء المتكرر في المنطقة خلال اليوم الواحد، يحول دون حفظ جودة اللحوم المجمدة وتبريدها، وهو ما يجعلها عرضة للفساد خصوصًا بعد تجميدها مرة أخرى من قبل بعض التجار، وفق سامر.

ويشتري سامر عبود بضاعته من اللحوم من أحد مسالخ معرة مصرين شمالي مدينة إدلب، ولا يعلم الجهة القائمة على طريقة عمل تلك المسالخ، أو ما إذا كانت خاضعة للرقابة.

ولحل مشكلة انقطاع الكهرباء المتكرر في إدلب، يستخدم بهجت الحسن، صاحب محل لبيع الفروج النيء في إدلب، الطاقة الشمسية لتشغيل برادات تضمن برودة بضاعته التي يشتريها من مسالخ في بلدة معرة مصرين.

وبذلك يعتمد بهجت على نفسه في الرقابة على منتجه، وفق ما أكده، وفي حال قدمت دائرة متخصصة لضبط الرقابة على الأغذية، فسيكون “سؤالها الوحيد هو عن تسعيرة المنتج بالليرة السورية أو التركية”.

بالمقابل، تقول مديرية التجارة والتموين إنها تنظم “عشرات الضبوط التموينية لحيازة مواد منتهية الصلاحية” وفق مديرها خالد الخضر، مع الاستماع لشكاوى من أهالي المدينة بحق مطاعم المأكولات الجاهزة ومحلات بيع السلع الأساسية، بشأن عدم صلاحية المنتج الغذائي للاستهلاك البشري.

فرق الرقابة التموينية خلال جولتها في مدينة إدلب – 30 حزيران 2020 (أنباء الشام)

بعيدًا عن الدور الحكومي..

آليات عامة معتمدة عالميًا للكشف عن فساد المواد الغذائية

تُعرف “منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة” (FAO) نظام الرقابة على الأغذية بما يضمن توفر الأغذية في بلد ما، بشكل مأمون وصحي وصالح للاستهلاك البشري، وممتثل لمتطلبات سلامة الأغذية والجودة.

درجات الرقابة

وبحسب الـ”FAO”، تعمل السلطات المختصة بموجب نظام الرقابة على الأغذية على ضمان سلامة الأغذية وجودتها، وعلى إدارة المخاطر التي تهدد سلامة الأغذية، ومسائل الغش في مجال الأغذية والمخاطر الناشئة وحالات الطوارئ.

وينطوي هذا العمل على الاضطلاع بمسؤوليات الإشراف والتفتيش على مشغلي الأعمال التجارية الغذائية، وعمليات جمع المعلومات التي تسهم في فهم سلسلة الأغذية على نحو أفضل، والبرامج الرامية إلى الاستعداد لحالات الطوارئ في مجال سلامة الأغذية وإدارتها.

وفي ظل غياب القوانين الرسمية السورية المتعلقة بأنظمة الرقابة الغذائية في مناطق شمال غربي سوريا، يقترح مهندس الصناعات الغذائية المتخصص في ميكروبولوجيا الأغذية عبد القادر الحراق، تطبيق آليات الكشف المتعارف عليها دوليًا في تلك المناطق.

مؤشرات الرقابة

وفي لقاء مع عنب بلدي، قال الحراق إنه هناك مؤشرات توضع لمراقبة الأغذية، وتوجد نقاط مراقبة حرجة سواء في المصنع أو عند مركز التوزيع أو عند محلات البقالة أو “الماركت”، ويجب أن تخضع  جميع المواد الغذائية للرقابة الغذائية لأنها جميعها وسط مناسب لنمو البكتيريا والخمائر والفطريات.

وأكد على وجوب مراقبة المواد الخام الطازجة، غير المعرضة لدرجات حرارة لحفظها، كمعظم الألبان والأجبان، مراقبة “صارمة”، بالإضافة إلى المواد التي من الممكن أن تشكل وسطًا لنمو البكتيريا السامة كاللحوم.

كما تجب مراقبة المواد المصنعة في المعامل، بسبب استخدام المواد الحافظة في تركيبتها، التي في بعض الأوقات تخفي عيوب المنتج الغذائي، وتخفي أصلًا العيوب الموجودة في المادة الغذائية، مثل غاز ثاني أكسيد الكبريت المستخدم ضمن حدود معينة، والذي مُنع استخدامه في العديد من البلدان، ومادة “الفورمول”، التي حرم استخدامها في العديد من دول العالم، والتي تخفي عيوبًا كثيرة في المواد الغذائية، إذ إن نقطتين من تلك المادة تخفي عيوب مئة كيلو من الحليب، لا يظهر عليها الفساد الغذائي ويكون في الأصل فاسدًا، بحسب الحراق.

أما المواد الشبه الجافة، فتعد مواد قليلة الفساد، مثل الرز والبرغل والمكسرات، لكن بعض المواد كالفستق والبذور التي تحتوي نسبة عالية من الدسم، من الممكن أن تشكل وسطًا لنمو فطريات الأفلاتوكسين، التي من الصعب تحللها بالحرارة.

وتعد إصابات المواد المرتفعة الدسم، مثل الزيت والسمن، قليلة، لكن من الممكن أن تنمو فيها بكتيريا “حمض الزبدة” التي تؤدي بدورها إلى تسمم، لذلك لا يجب إهمالها من الرقابة الغذائية.

“مراقبة الفساد الغذائي العالي تعد إنجازًا”

تصنف آليات الكشف عن فساد الأطعمة والمعلبات، وفقًا للحراق، إلى آليات سهلة وأخرى معقدة.

وتنقسم المواد الغذائية بشكل عام إلى ثلاثة أقسام، مواد حامضية، ذات أس هيديروجيني منخفض، تكون قليلة الفساد، ومواد متوسطة الحموضة، تكون متوسطة الفساد، ومواد غذائية قلوية تكون قليلة أو نادرة الفساد.

ويؤثر عنصران من تركيبة المادة الغذائية بسرعة فسادها، العنصر الأول هو مستوى الحامضية في المادة، والثاني هو محتوى المادة الغذائية من الماء، بالإضافة إلى مؤثرات وعوامل خارجية تؤثر في المادة، وهي درجة حرارة الوسط، ونسبة الأوكسجين أو الأكسدة، وكيفية الصناعة، أي العمليات التي تعرضت لها المادة الغذائية حتى وصلت إلى المستهلك.

الحراق أكد أن “الفساد العالي” هو ما يجب مراقبته في مناطق النزاعات والحروب، كمناطق شمال غربي سوريا، لأنه من الممكن أن يسبب أمراضًا وبالتالي الموت أو “التلوث السام” (التسمم الغذائي) الذي من الممكن أن يؤدي إلى حالات وفاة أيضًا، فمراقبة الفساد العالي في حالة الحروب تعتبر “إنجازًا”، بحسب تعبيره.

ولفت إلى ضرورة الانتباه إلى مؤشرات الفساد الغذائي، التي يمكن عن طريقها الحكم على المادة الغذائية، وضرورة الاعتماد على تحاليل تستخدم للكشف عن تلوثها، والتأكد من سلامتها، فمن خلال التحاليل من الممكن معرفة عمليات التصنيع التي مرت بها المادة، وتحديد نوع الإصابات في المنتج ما إن كانت بكتيرية أو فيروسية.

رجل وامرأة يحضنان ابنيهما وبجوارهم أطفال مصابين بتسمم في سيارة إسعاف نتيجة تناول طعام فاسد مقدم من أحد الجمعيات الخيرية في مخيم رعاية الطفولة شمال إدلب - 11 أيار 2020 (عنب بلدي)

رجل وامرأة يحضنان ابنيهما وبجوارهم أطفال مصابين بتسمم في سيارة إسعاف نتيجة تناول طعام فاسد مقدم من أحد الجمعيات الخيرية في مخيم رعاية الطفولة شمال إدلب – 11 أيار 2020 (عنب بلدي)

آليات كشف عن فساد الطعام

مهندسة التغذية بتول شيخ طراب تحدثت لعنب بلدي عن الطرق الصحيحة السهلة للكشف عن الطعام الفاسد، وصنفتها وفقًا لمتغيرات هي لون الطعام وملمسه ورائحته والملح والتوابل الموجودة فيه.

ووفقًا لبتول، يمكن معرفة الطعام الفاسد عن طريق التغير في لونه، كالنشويات التي تغير لونها وتصبح داكنة، واللحوم والدجاج التي يتدرج لونها من الوردي إلى الأحمر الزاهي فالرمادي.

كما تغير النشويات ملمس الطعام الفاسد ويصبح شديد اللزوجة، وذات رائحة حامضية، وتعد رائحة الطعام من أهم العوامل التي يجب مراقبتها، إذ تكون رائحة الطعام الفاسد نفاذة تشبه رائحة العفونة، أو رائحة حامضية.

وتستخدم المطاعم الملح والبهارات والتوابل التي تغطي برائحتها القوية عيوب الطعام وتعطي مذاقًا جيدًا له.

ما هو التسمم الغذائي؟

التسمم الغذائي اعتلال يحدث نتيجة تناول مواد غذائية فاسدة أو ملوثة، ترافقه حرارة أو بردية “عروقات”، وأعراض هضمية، كالغثيان والإقياء الذي قد يكون لمواد طعامية عفوية، أو يحرضه المريض ليشعر بالارتياح وذلك عند شعوره بألم في المعدة، بالإضافة إلى إسهالات مائية ذات رائحة كريهة قد تختلف بين شخص وآخر، وألم بطني متردد.

وفرّق طبيب الداخلية والهضمية حسين صوراني، في حديث لعنب البلدي، بين مفهومي التسمم الغذائي وعدم التحمل الغذائي.

وعرف صوراني عدم التحمل الغذائي باعتلال يصيب شخصًا واحدًا من ضمن مجموعة أشخاص تناولوا نفس الطعام أو الشراب، ما يعني أن أمعاء هذا الشخص أو معدته لم تتحمل الطعام، لذلك أصيب وحيدًا، في حين عرف التسمم الغذائي بإصابة مجموعة أشخاص تناولوا نفس الطعام أو الشراب باعتلال.

يُعالج مريض التسمم الغذائي وفقًا لحالته، بحسب صوراني، ففي حالة المرض مع حالة صحية عامة جيدة يرافقها إسهال وإقياء، يُعالج المريض في المنزل، بعد إعطائه مضاد إقياء في حال كانت الحالة شديدة، وأدوية تخفف حركية الأمعاء لوقف الإسهال، مع تعويض السوائل التي فقدها.

أما المريض المتعب والمصاب بإعياء ووهن عام، فقد يكون دخل بمرحلة التجفاف بسبب الإقياء والإسهال، وقد يدخل بتبدلات الحمض والقلى، لذلك يُعالج في المشفى بتعويض السوائل له وريديًا، بسبب عدم تقبله العلاجات عن طريق الفم، وفي حال سوء حالته يُعطى صادات حيوية.

ونصح صوراني بتجنب الأكل من الأماكن العامة والابتعاد عن الطعام المكشوف، خاصة مع انتشار فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19)، والانتباه إلى نظافة المكان الذي يُؤخذ منه الطعام.

English version of the article

مقالات متعلقة