fbpx
ع ع ع

ميشيل كيلو – العربي الجديد

بعد تسعين يوما من مرابطة ملايين المواطنين في شوارع الجزائر والعراق ولبنان، وانفراد قادة جيش السودان بالطبيعة السياسية للأزمة العميقة التي يعيشها شعبهم، أنكر حكام البلدان الثلاثة الأخرى الهوية السياسية لأزمة بلدانهم، وقالوا، أسوة بنظام القتل الأسدي، إن سببها هو تظاهرات الشعب المطالب بحقوقه، أو الوضع الاقتصادي الذي يعاني، ككل اقتصاد في العالم، من نقص الاستثمارات الخارجية والمعونات الدولية، وكسل المواطنين وتبذيرهم وعيشهم في مستوىً لا تسمح دخولهم به. ومن المؤكّد أنها ليست أزمة اقتصادٍ يقوم على النهب المنظّم للمال العام، والفساد وسرقة عائد عمل المنتجين، وانعدام التنمية، وهي كذلك أزمة تراخٍ في التعامل مع الشعب، وتساهلٍ لا مسوّغ له في إدارته، أي أنها أزمة إدارية/ أمنية، ترجع إلى الديمقراطية الأبوية التي يمارسها الحاكمون عموما، ورئيس الجمهورية خصوصا، وتشجّع المواطنين على الاستهانة بالدولة، كما أنها، أخيرا، أزمة مجتمعٍ متخلفٍ ومتأخّر، لم يرتقِ إلى مستوىً يؤهله لبلوغ الحرية والسير على دروب التقدّم، لكونه معاديا، بطبيعته للحرية للأول وكارها للتقدّم … إلخ. وهكذا، لا يكفي لتحرير المواطن من وضعه الكارثي ترشيد العمل الحكومي، وضبط الجهود التنموية، فالمواطن إياه هو الكابح الوحيد لانعتاق وطنه، وانعتاقه الشخصي من العبودية والتخلف، والنخب الحاكمة من ضحاياه.

هذه وغيرها من الذرائع تُساق للتعمية على أن النظم السياسية، الجاثمة على صدور شعوبها، هي مكمن الأزمة والداء، الذي أصاب الشعوب المبتلاة به، لكنه يقدّم نفسه دواءً لما تعانيه من مآسٍ هو من أنتجها أو تسبّب بها. هذه النظم التي أنتجت، في كل مكان، الكوارث نفسها، هي التي تدفع المواطنين إلى التمرّد والنزول إلى الشوارع، للمطالبة بالتغيير، علاجا للعلة التي يستحيل شفاؤها بما تقدّمه النظم لها من مسكّنات ومهدئات، الهدف منها احتواء التمرّد وإبطال ما قد تقدّمه له من تنازلات، بعد إدخال اليأس إلى قلوبهم، والرهان على جعلهم يقبلون أي شيء تقدّمه لهم، كما تفعل نظم البلدان الثلاثة منذ أشهر، تجاهلت خلالها حراكهم، في دليلٍ إضافي على أنهم لا ينتمون إلى غير كراسيهم وثرواتهم، ولا يروْن من الشعب غير اللصوص المحيطين بهم الذين أعدّوا أنفسهم للفتك بمن يتوهمون أن لهم حقا في المطالبة بحقوقهم، مهما كانوا سلميين، وللحكام في الأسدية قدوة، والمثال الإجرامي السوري جاهز، وتهمة العمالة جاهزة، ومن لا يعجبه نظامه يُقتل أو يهجّر.

يقول الشعب بصوت واحد إن مطلبه هو التصدّي للأزمة التي أصبحت شاملة، حيث يتم إنتاجها: في النظام السياسي، وطبقته الفئات الحاكمة والسائدة، وبدل الاستجابة لسلميّته وغيريته، يواجه بطريقتين: واحدة تستهدفه بالرصاص، المطّاطي المطعم بكمٍّ لا يُستهان به من رصاصٍ حقيقي، كما في العراق، حيث سقط إلى الآن قرابة خمسة وثلاثون ألف قتيل وجريح، معظمهم فتيةٌ في مقتبل العمر كالورود اليانعة، لكنهم يخطفون وينكّل بهم بأشنع الصور، أو يتم اغتيالهم، أو إطلاق النار على جموعهم، وأخرى بالالتفاف على حقوقهم عبر التظاهر بقبول مطالبهم بالتدرّج، لشقّ صفوفهم، وتحسين شروط الحفاظ على النظام بالاستعانة بوجوه “مخادعة، تدّعي الانتماء إلى مطالب الشعب، لكن هدفها الالتفاف عليها، وإحباط ما فيها من نزوع إلى التغيير والإصلاح، ومطالبة بسياساتٍ ووجوه شريفة، عادلة وحرّة، وتحترم كرامتهم الإنسانية، فلا ترفع رايات بيضاء لستر تلوثها.

تفسد السمكة من رأسها، فيلقى بجسمها إلى المزابل. وتنقلب السياسة من أداةٍ للتحرّر الإنساني إلى سلاح تدمير شامل للمجتمعات والشعوب، فيرميهما عندئذ في المقابر، إن وجدت، حراس أصحاب الياقات البيضاء والأيدي الناعمة من مجرمي النظم.

أزمتنا سياسية، ولا تحل من دون عودة السياسة إلى المجتمع، ورحيل من مارسوها كرؤساء جمهورية، مع أن مكانهم الحقيقي السجن.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة