fbpx
× الرئيسية أخبار وتقارير اقتصاد مجالس ومنظمات رأي وتحليل ناس في العمقملتيميديا رياضة ثقافة سوريون في الخارج مارس النسخة الورقية

أنا عندي رانديفو

ع ع ع

نبيل محمد

بشكل نمطي مشابه لرحيل أي فنان عربي ذي قيمة ثقافية كبيرة في مجتمعه، أي بالاستياء من إهمال المؤسسة الثقافية الرسمية له في مرضه، ومعاناته من الصعوبات المالية خلال أواخر أيامه، وضعف الرعاية الصحية في بلاده، ثم الرحيل بصمت وهدوء.. هكذا تمامًا رحل رضا ديكي، الذي قد يكون مجهولًا بالنسبة للجمهور العربي خارج تونس بهذا الاسم.. لكن إن قلنا إنه صاحب أغنية “أنا عندي رانديفو” سيعرف الجميع هذا الصوت والشكل والأداء المختلف، والطراز الفني الخاص الذي ظهر فيه ديكي، ذلك اللقب الذي ارتبط باسمه طوال حياته بعد أغنيته التي يحفظها أطفال وشباب تونس “ديكي ديكي أنت صديقي” والتي نزعت عنه اسمه الحقيقي رضا بلحاج خليفة.

لم يكن حضور ديكي الفني على المستوى العربي ظاهرًا قبل النسخة الجديدة من أغنيته “أنا عندي رانديفو” التي جاءت على مقاس كل ثورات الربيع العربي بما وظّفه فيها من كلمات من قصيدة للشاعر التونسي الراحل أبو القاسم الشابي “إرادة الحياة”، بكل مضامينها الثورية الداعية للتحرك وعدم الخوف، بل وجيّر ديكي فيها الكلمات لتكون متناسبة مع الحراك الشعبي في الشارع، ليصبح الموعد مع الربيع، ولتكون الأغنية سابقة لأي منتج فني مواكب للثورات في مصر وليبيا واليمن وسوريا حيث أُنتجت باكرًا في مطلع 2011، وكانت أول ما شاركه جمهور الثورات في أيامها الأولى على صفحاتهم، وسمعوه في غرفهم المغلقة قبل أن ينطلقوا إلى الشوارع. كان مجرد وجود هذه الأغنية على صفحة ما، تعني أن لصاحب هذه الصفحة موقفًا واضحًا سيتحرك لأجله، وسينزل به إلى الشارع، حيث الموعد مع الربيع، وحيث الموجة التي لا تبالي الخطر كما تقول الأعنية.

نموذج رضا ديكي لم يكن نموذجًا كلاسيكيًا كما هو النموذج الفني السائد في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي في تونس والعالم العربي، تلك الفترة التي اشتهر فيها ديكي في بلاده، كما أن الملمح الغربي في أغانيه وأدائه أيضًا لم يكن ملمحًا معتادًا مشابهًا للتيار الفني الغنائي الذي عمل على مزاوجة ما هو شرقي بما هو غربي، أو تحميل الجملة الموسيقية الغربية كلمات عربية أو العكس، أو تشريق الجاز، وغيرها من مظاهر التأثير الغربي في الموسيقى العربية في تلك الفترة، فلديكي خصوصية واضحة في هذا السياق، استمرت حتى إنتاجاته الأخيرة، وبدت أيضًا واضحة في “أنا عندي رانديفو”، بإصراره على الهارمونيكا، وإضفاء الخفة والكوميديا على الأداء والملمح العام للأغنية، وإطلاق العنان للموسيقى باتجاه غربي أكثر مما هو شرقي، ما يعني فرادة وخصوصية اتسم بها، جعلته شهيرًا ومميزًا في بلاده، ومن ثم أطلقته نحو البلدان الأخرى بعد “أنا عندي رانديفو”، ليس فقط بما أحدثته تلك الأغنية من وقع في زمن مناسب تمامًا لوقعها، إنما أيضًا بكون هذا الشكل والأداء جديدًا كليًا على المستوى السوري مثلًا أو المصري، هو نموذج جديد كليًا وغير موجود في المشرق العربي، شكل يتماشى مع كل ما هو جديد حر منطلق ونوعي، ينسجم مع أصوات التغيير والحرية في الشوارع العربية، مع تلك الفئة الكبيرة من المتظاهرين والمعارضين الرافضين للأشكال القديمة في الحياة في كل سياقاتها السياسية والفنية والثقافية، والمنادين بالتغيير الشامل لكل شيء.

شاربه وسكسوكته البيضاء، نظارته السوداء، قرطه الصغير، قبعته السوداء المطرزة باللون الذهبي، ابتسامته اللطيفة السبعينية، رقصاته المفعمة بالجمال، والهارمونيكا التي تظهر كلما توقف عن الغناء، بأدائه المنفرد، وعمره المجهول بالنسبة لشبكة الإنترنت، حيث لا تسعف كل المواقع التي نعته، ولا ويكيبيديا، بمعرفة تاريخ مولده، حتى تاريخ كتابة هذه السطور، كل هذه التفاصيل خلدت في ذاكرة عربية جديدة، بعيدة عن التراث والتاريخ المكتوب، ذاكرة مرتبطة بالربيع العربي الذي أعلن ديكي الموعد معه، بعدما أشعل شرارته محمد البوعزيزي.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة