ع ع ع

رهام الأسعد | ضياء عودة | محمد حمص | ميس حمد

بينما تقسّم حدود السيطرة على الأراضي السورية إلى ثلاثة أجزاء، وتفرض على ساكنيها انتماءات اختيارية أو إجبارية، وقوانين تختلف باختلاف الجهات المتحكمة، يجتمع السوريون في كامل جغرافيا بلدهم على الليرة، كعملة تحدد حالتهم الاقتصادية، ومؤشر لقياس مستواهم المعيشي.

إذ حافظت الليرة السورية على دورها كوحدة تبادل تجاري نقدية رئيسية في سوريا كاملة، وأثّر الانخفاض الكبير في قيمتها على عموم السوريين، مع اقترانه بانخفاض مستوى الدخل، الأمر الذي فرض تبدلات اقتصادية، غيبت معها الطبقة الوسطى عن المجتمع السوري.

تراجع المستوى المعيشي في سوريا منذ عام 2011 حتى الآن، مع تراجع اقتصاد البلد إثر صراع الأعوام الثمانية الماضية، الأمر الذي خلق بدائل اضطرارية، وفرض أنماطًا استهلاكية جديدة على السوريين داخل سوريا.

ترصد عنب بلدي في هذا الملف الحالة المعيشية للسوريين في مناطق السيطرة الثلاث الرئيسية، حيث حكومة النظام في مناطق سيطرة قواتها، وحكومتي “الإنقاذ” والمؤقتة” في مناطق سيطرة فصائل المعارضة في الشمال السوري، و”الإدارة الذاتية”، حيث تسيطر “قوات سوريا الديمقراطية”.

كما تحاول تسليط الضوء على بدائل السوريين لتعويض ثبات قيمة الدخل أو تراجعه، مع الارتفاع الكبير في الأسعار، وانخفاض قيمة العملة.

لاجئ سوري يركب دراجة مع ابنته في السوق الرئيسي ، في مخيم الزعتري للاجئين في مدينة المفرق الأردنية – 2016 (رويترز)

لا نأكل اللحم.. نعيش على البقوليات

سوريون يجمعهم الخوف من المستقبل

والده معتقل ووالدته تعيل الأسرة رغم مرضها، أما هو فينتظر فرصة عمل ثابتة “ولو بأجر بسيط”، يتحدث الشاب محمد مصطفى حاج سليمان، من بلدة حاس في ريف إدلب الجنوبي، عن ظروف “مزرية” تعيشها أسرته المكونة من ستة أفراد، لتأمين قوت يومها والخلاص نهاية كل شهر دون أن تترتب على الأسرة ديون يصعب سدادها لاحقًا.

أعباء النزوح من بلدة حاس إلى بلدة آفس، التابعة لمنطقة سراقب في ريف إدلب الشرقي، فاقمت حالة أسرة حاج سليمان، التي زاد على همومها إيجار منزل في منطقة سراقب، وقلة فرص العمل وغلاء أسعار المواد الأساسية في المنطقة، حسبما قال الابن الأكبر في العائلة، محمد مصطفى، لعنب بلدي.

محمد مصطفى (23 عامًا)، يسهب في الحديث عن سوء الظروف التي تعيشها أسرته، إذ لا يزال يبحث هو وأخوه علي (20 عامًا) عن فرصة عمل ثابتة “ولو بأجر زهيد”، وغالبًا ما يجدان عملًا مؤقتًا في مجالات متعددة تحت اسم “أعمال حرة”، يتلقون فيها أجورًا بسيطة لقاء عملهم لأيام معدودة.

نساء يعلْن.. وأخريات يسندن

دفعت مصاعب المعيشة بوالدة محمد، التي لا يزال زوجها معتقلًا في سجون النظام السوري منذ سبع سنوات، إلى النهوض بأسرتها قدر ما تستطيع، فهي رغم معاناتها من آلام “الديسك” في ظهرها، تعمل في مركز طبي في منطقة سراقب بريف إدلب، التي نزحوا إليها قبل أشهر، لقاء راتب ثابت.

سوسن حج مصطفى، الثلاثينية المقيمة في مدينة القامشلي بمحافظة الحسكة، تعمل أيضًا براتب ثابت، ورغم أنه لا يتجاوز 60 ألف ليرة سورية (100 دولار تقريبًا)، لكنه يعيل أسرتها المكونة من والدتها وشقيقتها، ليلى.

تعمل سوسن في جمعية “البر والتقوى” المرخصة من حكومة النظام السوري، ومن “الإدارة الذاتية” التي تعنى بشؤون المنطقة عمومًا، وفق ما قالته لعنب بلدي.

والدة سوسن سيدة مسنة، تبلغ 83 عامًا، وتعاني من مرض في القلب ومشاكل في الضغط، ويزيد تعبها صعوبة تأمين أدويتها بشكل مستمر، نتيجة ارتفاع أسعارها، رغم أن ابنها المغترب يرسل للعائلة شهريًا مبلغًا “بسيطًا” كل شهر “يسند” جزءًا يسيرًا من مصاريف الأدوية.

وبينما تعمل سوسن بمفردها لإعالة أسرتها، تتشارك نساء أخريات مع أفراد من عائلاتهن مسؤولية العمل، وتغطية مصاريف المنزل والعائلة، للابتعاد بها، قدر الإمكان، عن حدود الفقر.

أبو عبدو، المقيم في مدينة دمشق (رفض نشر اسمه الصريح لأسباب أمنية)، قَبِل “مُرغمًا” بعمل زوجته خارج المنزل، وفق ما قاله لعنب بلدي، كون دخله لا يكفي احتياجات عائلته المكونة من ستة أشخاص.

يعمل أبو عبدو الأربعيني كبائع مأكولات في حي برزة، رغم أنه يحمل شهادة في الهندسة، بينما تعمل زوجته في إحدى الدوائر الحكومية منذ خمسة أعوام، فضيق العيش في مدينة كدمشق، وعدم كفاية الدخل الشهري، “يجبرنا على القبول بما لا نقبل به”، يقول أبو عبدو.

على حد “الكفاف”

يغطي ما يجنيه أبو عبدو من عمله إلى جانب راتب زوجته أجرة محله الذي لا تتجاوز مساحته مترين مربعين، ومصاريف بناته الأربع اليومية، وخدمات أخرى كالماء والكهرباء، “تجعلني أعيش وعائلتي في الكفاف”.

ولا تتجاوز يومية أبو عبدو من عمله خمسة آلاف ليرة سورية، ويضطر في بعض الأحيان، بحسب ما قاله لعنب بلدي، إلى بيع “السندويش” لعناصر الحاجز العسكري في منطقته بالدَّين، “بعضهم يأتي قرار نقله إلى نقطة عسكرية أخرى، فأبقى دون مال في كثير من الأحيان”.

وتحتاج الأسرة السورية وسطيًا إلى 93 دولارًا أمريكيًا كل شهر، أي ما يعادل 58 ألف ليرة سورية، بحسب موقع “NUMBEO” المتخصص بحساب تكلفة العيش حول العالم، في آخر تحديث له، في تشرين الأول الحالي.

لكن محمد مصطفى، المقيم في سراقب، يقول إن عائلته تحتاج إلى مصروف لا يقل عن 300 دولار شهريًا (ما يعادل 192 ألف ليرة سورية)، بينما لا يصل دخله إلى 100 دولار في أحسن الظروف والأحوال، على حد تعبيره.

نتيجة ذلك، تضطر الأسرة للشراء بالدَّين من محال الأغذية بشكل متكرر لتوفير متطلباتها، بالإضافة إلى الاستدانة من بعض المعارف، ثم سداد الدين حين يتوفر عمل مؤقت لمحمد وأخيه علي.

كما تتبع العائلة بعض الإجراءات التقشفية، مثل توفير استخدام الكهرباء وتقليل الاستفادة من الخدمات قدر الإمكان، لتقليل فواتيرها.

سوسن وشقيقتها ووالدتها أيضًا يتبعن إجراءات تقشفية، بحسب ما أكدته سوسن لعنب بلدي، فلا يأكلن أي نوع من أنواع اللحوم، ويعتمدن في قوتهن على الأطعمة الخفيفة من ألبان وبقوليات يصنعن منها وجبتين فقط لكل يوم.

متطوع يحمل حقيبة بلاستيكية مملوءة بالأغذية المعدة للمقاتلينففي الأتارب بريف حلب – 2019 (رويترز)

“القادم أصعب”

إلى جانب الظروف المعيشية الصعبة التي تكابدها الأسر السورية الثلاث، في دمشق وإدلب والحسكة، يجمعها الخوف من المستقبل، إذ لا يرى أفرادها مؤشرات تفيد بانفراج أحوالهم على المستوى القريب.

أسرة محمد وعلي مصطفى في مدينة سراقب بريف إدلب، تضم ثلاث فتيات تتراوح أعمارهن بين 13 و18 عامًا، ومع بدء العام الدراسي الجديد، ستضطر الأسرة إلى دفع المزيد لتغطية نفقات دراسة الفتيات، من كتب وقرطاسية ولباس مدرسي وغيرها.

وبحسب محمد، فإن مصاريف فصل الشتاء تضاف إلى أزمة نفقات المدارس، إذ سيتعين على والدته توفير المحروقات ووسائل التدفئة ذات الأسعار المرتفعة.

أما أبو عبدو، فقد استنفد وسائل الأمان المادي، بعد أن باع منزله في مدينة جوبر بريف دمشق، حين نزح إلى دمشق عام 2013، ويتنفس الصعداء بين حين وآخر، عندما تصله حوالة خارجية من أحد أقاربه المغتربين.

بينما لا تملك سوسن وليلى أي أسباب تدفعهما للتفاؤل حيال المستقبل القريب، فشقيقهما المغترب لا يستطيع تقديم المزيد للعائلة، وفرصهما في الزواج تقل، بحسب سوسن، إذ “عزف أغلب الشبان في المنطقة عن الزواج بسبب ارتفاع تكاليفه، وغادر آخرون البلد إلى حياة أفضل في أوروبا”.

مناطق التسويات..

حالة معيشية “أقل بدرجة” من مناطق سيطرة النظام

تعيش المناطق التي سيطرت عليها قوات النظام ضمن اتفاقيات تسوية مع فصائل المعارضة، كالغوطة الشرقية وجنوب دمشق ومحافظة درعا وريف حمص، حالة لا تختلف كثيرًا عما كان عليه الوضع قبل التسوية.

إذ كانت معظم تلك المناطق، لا سيما المحيطة بدمشق، خاضعة لحصار من قبل قوات النظام، ولا تزال بمستوى معيشي أقل مقارنة مع مناطق سيطرة النظام السوري.

في الغوطة الشرقية، تسلمت الأفرع الأمنية التابعة للنظام السوري مفاصل الحياة والمعابر فيها، إذ لا تتم حركة دخول وخروج السكان والبضائع إلا بموافقة تلك الأفرع.

وفي حديث لعنب بلدي مع مصدرين من الغوطة الشرقية، أحدهما ناشط إعلامي والثاني من أهالي الغوطة، فضلا عدم نشر اسميهما لأسباب أمنية، فإن التجارة لا تزال تخضع لنظام المعابر المعمول به حينما كانت تسيطر فصائل المعارضة على المنطقة.

وأشار المصدران إلى أن حواجز النظام المحيطة بالمنطقة لا تزال تحصل على إتاوات من البضائع، لا سيما مواد البناء والمواد الغذائية، وبقية المواد التي يتم إدخالها عن طريق المعابر، ما يؤدي إلى رفع الأسعار.

وتختلف نسب الإتاوات عما كانت عليه سابقًا، إذ كان يؤخذ خلال سيطرة المعارضة نحو 200% ولكن النسبة اليوم لا تتجاوز 15% على البضائع الداخلة إلى المنطقة، بحسب المصدرين.

وتتراوح الزيادة بالأسعار في الغوطة الشرقية مقارنة بالأسعار في دمشق بين 50 و200 ليرة سورية للسلعة الواحدة، بحسب الطلب عليها وتوفرها، كالسكر والأرز والبرغل وزيت الزيتون والزيت النباتي والسمن، وفق المصدرين.

ومن ناحية قطاع العمل، عاشت الغوطة الشرقية حالة توفر في فرص العمل، بعد عودة بعض المهن إلى السوق، وافتتاح مطاعم ومتاجر، بالإضافة إلى عمل شريحة كبيرة في قطاع البناء.

وأشار المصدران إلى أن مدخول عائلة مكونة من أربعة أشخاص يبلغ نحو 150 ألف ليرة، ولكن مصروف العائلة قد يصل إلى 200 ألف ليرة بسبب ارتفاع الأسعار.

وقال المصدران إن عددًا لا يستهان به من أصحاب المحال التجارية لا سيما محال الألبسة يفضلون عمل السيدات على الرجال بسبب الأجرة الأقل التي تتقاضاها السيدات، بينما التحق أغلب الشبان بالخدمة الإلزامية، بشكل إجباري، أو طوعي للحصول على راتب شهري.

وفي درعا جنوبي سوريا، التي سيطرت قوات النظام عليها صيف 2018، زالت الفروقات المعيشية تقريبًا بين المناطق التي كانت تحت سيطرة النظام أساسًا في المدينة، والمناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل المعارضة.

وأوضح مراسل عنب بلدي في درعا أن بعض المهن في المحافظة عاد العمل بها من جديد، كالحدادة والنجارة وتصليح وصيانة السيارات، مشيرًا إلى أن قطاع العمل يعاني بسبب التقييد الشديد على فئة الشباب والملاحقات الأمنية وحملات التجنيد.

غني وفقير..

الطبقة الوسطى تختفي في سوريا

ينقسم المجتمع إلى ثلاث طبقات اجتماعية رئيسية، تأتي على رأسها الطبقة العليا “الغنية”، التي تمثل أرقى طبقات المجتمع وتتميز بالثراء ومستوى ممتاز من التعليم والصحة والثقافة، في حين تقبع أسفل الهرم الاجتماعي الطبقة الدنيا “العاملة”، التي تمثل أفقر طبقات المجتمع وتعيش بمستويات متدنية للغاية من التعليم والصحة.

أما الطبقة الوسطى أو المتوسطة فتقع اجتماعيًا واقتصاديًا في وسط الهرم الاجتماعي، وتمتلك قدرًا محدودًا من الأموال يمكّنها من الحصول على مستويات معتدلة من التعليم والصحة، وتلعب دورًا مهمًا فعالًا في تحقيق استقرار المجتمع بعلاقاته الاجتماعية والاقتصادية القائمة، إذ إن وجودها وانتعاشها واتساعها يعد شرطًا ضروريًا لإنعاش الاقتصاد ونموه باعتبارها مصدرًا أساسيًا لاستمرار الإنتاج والاستهلاك والاستثمار.

في ظل الصراع السوري عادت الطبقة الوسطى في سوريا إلى مكانها الأصلي، الذي نشأت منه (الطبقة الدنيا)، وخسرت كثيرًا من أبنائها الذين سارعوا إلى الفرار، في موجة صاخبة من الهجرة واللجوء إلى بلدان عربية وغربية، وغالبيتهم من المثقفين وأصحاب الاختصاصات العلمية ومن المستثمرين الصغار الذين آثروا توظيف رؤوس أموالهم بعيدًا عن حالة التدهور الأمني، لتحل مكانهم كتلة من الأثرياء الجدد كأمراء الحرب وقادة الميليشيات ومن يدور في فلكهم، الذين جمعوا أموالهم بسطوة السلاح والنهب والسلب والابتزاز.

وبحسب دراسة أصدرها مركز “فيريل” الذي ينشط من مدينة برلين الألمانية، فإنه قبل عام 2011 شكلت الطبقة الوسطى أكثر من 60% من المجتمع السوري، أما في 2016 فلم تعد تشكل إلا ما نسبته 9.4% فقط من الشعب السوري، بعد خسارة مئات الآلاف من أبناء الطبقة الوسطى بسبب الهجرة أو القتل أو البطالة.

في حديث لعنب بلدي، تقول الدكتورة في الاقصاد رامية كردية، إن الطبقة الوسطى في أي بلد في العالم تعتبر بمثابة صمام أمان اجتماعي، وكلما زاد عدد أفراد هذه الطبقة كلما كان المجتمع أقرب للاعتدال والأمن والأمان الاجتماعي والاقتصادي.

وتضيف كردية أن الطبقة الوسطى تعتبر مصدر الازدهار الاقتصادي، فهي توفر قاعدة مستقرة من المستهلكين الذين يدفعون عجلة الإنتاج، وبالتالي فإن اختلالها يؤدي حتمًا إلى الاختلال الاقتصادي والعكس بالعكس.

في سوريا تآكلت الطبقة الوسطى بعد انطلاقة الثورة السورية، واختفت بشكل كامل، وتوضح كردية أن المؤشرات على ذلك “الغلاء الفاحش وكثرة العوز والهبوط المستمر لمستويات المعيشة، إضافةً إلى ارتفاع معدلات البطالة، والجريمة وغياب الأمن”.

ويعتمد الإنتاج في أي بلد اعتمادًا كليًا على استهلاك الطبقة الوسطى، وتشير الدكتورة في الاقتصاد إلى أن الطبقة الوسطى هي عجلة مهمة للإنتاج، وبالتالي اختفاؤها يعني غياب حجر الأساس للاقتصاد.

تاجر في دمشق يحمل أوراق معدنية فئة ألفين – 2019 (afp)

“الأرض مثل العرض ما تنشرى وما تنباع”

قاعدة سورية تكسرها الحاجة

منذ أكثر من 30 عامًا رفض الحاج “أبو ممدوح” من ريف حمص الشمالي بيع أرضه البالغة مساحتها 150 دونمًا، متمسكًا بالعادات والتقاليد السائدة في مدينته تلبيسة، وبقاعدة “الأرض مثل العرض ما تنشرى وما تنباع”.

ورغم محاولات الإقناع من قبل أبنائه على مدار السنوات الماضية ظل “أبو ممدوح” ثابتًا على موقفه حتى مطلع العام الحالي، ليجبر على بيعها بعد استنفاد جميع الموراد التي كان يعتمد عليها في المعيشة مع عائلته، وخاصة أن مناطق ريف حمص الشمالي كانت خاضعة لحصار من جانب قوات النظام السوري، التي أحكمت السيطرة عليها بشكل كامل مطلع العام الماضي.

يقول أحد أبناء أبو ممدوح (طلب عدم نشر اسمه لأسباب أمنية) إن بيع الأراضي وكسر “قاعدة عدم البيع” ليس محصورًا بوالده فقط، بل أصبح حالة عامة يعيشها السكان في المناطق الزراعية بالمحافظات السورية.

ويعود ذلك إلى فقدان جميع الموارد التي كانت تمثل المصدر الأساسي للدخل، وزاد على الأمر التكاليف الباهظة التي تواجه الفلاح في حال فكر بزارعة أي محصول، أو إعادة استصلاح أرضه، سواء بحفر آبار مياه فيها أو حرثها لجعل التربة صالحة لزراعة المحاصيل المروية.

الأسباب التي تدفع السكان إلى بيع الأراضي لا تقتصر على ما سبق، بحسب الشاب، مشيرًا إلى أن تقسيم الأراضي على الأجيال (الورثة) يعتبر سببًا أساسيًا أيضًا، كون المساحات الصغيرة يكون شراؤها وبيعها مرغوبًا بشكل كبير قياسًا بالمساحات الكبيرة، كونها لا يمكن زراعتها والاستفادة من المحاصيل التي تنتجها، بسبب ضيق المساحة الذي تشغلها.

“الكبار” يشترون

تتفاوت أسعار الأراضي سواء الزراعية أو غيرها في كل محافظة من سوريا، وترتبط بالموقع الذي تشغله والمنطقة الموجودة فيها، بمعنى قربها من الطرقات وسهولة الوصول إليها، أو وجودها ضمن المخططات التنظيمية للمدن والبلدات والنواحي.

في ريف حمص الشمالي والشرقي تبدأ أسعار الدونم الواحد من الأراضي الزراعية من ثلاثة ملايين ليرة سورية، وتصل حتى عشرة ملايين ليرة، وذلك بحسب عدد الآبار الموجودة فيها وقربها من الطرق العامة، وطبيعة التربة، ومدى قابليتها للزراعة المروية، بحسب الشاب الذي تحدثت عنب بلدي معه سابقًا.

بالتزامن مع الحركة غير المسبوقة لبيع الأراضي في محافظة حمص (الخاضعة لسيطرة النظام السوري)، التي بدأت منذ قرابة عامين، برزت إلى الواجهة عدة شخصيات من كبار التجار وميسوري الحال.

وبحسب ما يقول مزارع من ريف حمص الشرقي لعنب بلدي (طلب عدم ذكر اسمه)، فإن التجار الكبار، الذين كونوا ثروة كبيرة خلال سنوات الحرب، وميسوري الحال، اتجهوا لشراء الأراضي من مالكيها، الذين كانوا يعتبرون من فئات الطبقة الوسطى، وحوّلتهم الظروف إلى فئة كبيرة من الطبقة الفقيرة.

ويضيف المزراع أن عمليات الشراء لم تتوقف منذ عامين حتى اليوم، وبمبالغ غير طائلة، قياسًا بالحالة الاقتصادية العامة في المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري، مشيرًا إلى أن “التجار والأثرياء زادوا ثروتهم من حساب الأشخاص المتضررين بفعل الحرب والحصار (…) عمليات الشراء راجت بشكل كبير وبصورة كانت غير معتادة في السنوات السابقة”.

ويلخص المزارع الوضع الخاص بالأراضي الزراعية في الوقت الحالي، بأنه يتمثل بطرفين هما الفلاح الفقير والتاجر الثري، حيث يفقد الأول مدخراته وركائزه المالية والثابتة لمصلحة الطرف الثاني، وذلك بشكل تدريجي، ما ينذر بهوة اقتصادية كبيرة بين فئات المجتمع السوري قد نشهدها في السنوات المقبلة.

لاجئون سوريون نازحون يجلسون معاً في اليوم الأول من عيد الفكطر بإدلب – 2019 (رويترز)

البائع يخسر والمشتري مستفيد

إلى محيط العاصمة دمشق في الغوطة الشرقية، التي سيطرت عليها قوات النظام السوري في الأشهر الأولى من عام 2018، والتي يضطر بعض أهاليها الذين خسروا أموالهم ومهنهم وباتوا يعتمدون على أموال المغتربين أو المساعدات، سواء من المهجرين قسريًا إلى الشمال السوري أو اللاجئين خارج سوريا أو الذين لا يزالون مقيمين فيها، إلى بيع عقاراتهم، في وقت تُسن قوانين ومراسيم من شأنها أن تتسبب بخسارة بعض المالكين لممتلكاتهم في حال عدم إثبات ملكيتها.

وتشكل أسعار العقارات في الغوطة مع ارتفاع الحركة في سوق البيع حالة تستحق الدراسة والمتابعة، في وقت تفقتر معظم مناطق الغوطة إلى الخدمات (ماء، كهرباء، اتصالات).

بعد سيطرة النظام السوري على مناطق الغوطة الشرقية شهدت المنطقة ركودًا في أسواقها، ليعود الحديث تدريجيًا عن حركة بيع في حرستا وعين ترما، قبل أن تشمل بلدة المليحة في القطاع الجنوبي للغوطة.

وفي حديث إلى عنب بلدي، قال مهندس عقاري كان يشغل منصب رئيس بلدية سابق في الغوطة الشرقية، إنه كلما اقتربت المناطق من دمشق ازدادت حركة البيع، وكذلك الأسعار.

وأشار المهندس، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه لأسباب تتعلق بسلامته، إلى أن حركة البيع هذه، رغم وجودها، لا تزال ضيقة مقارنة بما كانت عليه قبل 2011، متوقعًا عودة السوق في حال خُدّمت تلك المناطق بشكل جيد، مشيرًا إلى رغبة المشتري اليوم بالاستفادة من انخفاض سعر العقار قبل ارتفاعه مستقبلًا مع عودة الخدمات.

وتشهد مناطق المليحة وحرستا وعين ترما وزملكا حالات بيع أكثر، مقارنة بالمناطق الأكثر عمقًا شرق دمشق.

أموال المغتربين..

دعم للأسر ولخزينة الدولة

رغم أن شريحة كبيرة من السوريين الذين لجؤوا إلى خارج سوريا فروا من ظروف سيئة فرضتها الحرب عليهم، استطاع قسم منهم النهوض من جديد وتأمين عمل من شأنه إعالة اللاجئ في مكان إقامته، وإعالة من تبقى من أسرته داخل سوريا، ولو بمبلغ بسيط.

وتعتمد نسبة كبيرة من العائلات السورية في مصروفها الشهري على مبالغ يرسلها أحد أفرادها من الخارج، حتى أصبحت تلك المبالغ أفضل مما يجنيه أحد أفراد الأسرة العاملين داخل سوريا، بالنظر إلى فرق العملات الأجنبية.

تلك الحالة لا تنطبق فقط على السوريين الذين غادروا سوريا خلال السنوات الثماني الماضية، بل تشمل أيضًا المغتربين القدامى الذين غادروا سوريا بحثًا عن ظروف أفضل قبل عام 2011.

مليارا ليرة يوميًا تحويلات

تشير إحصائيات صادرة عن “المركز الوطني للإحصاء”، التابع لحكومة النظام السوري، في 22 من تموز 2018، إلى أن الحوالات المالية الخارجية تفوقت على الصناعة السورية في الإسهام بالناتج المحلي.

وبينت الإحصائية تضاعف صافي التحويلات الجارية مع دول العالم 18 مرة، خلال الفترة بين عامي 2011 و2016، إذ ارتفع إسهام الحوالات القادمة من الخارج بإجمالي الدخل القومي من 1.9% عام 2011، إلى 19% عام 2016، ما يشير إلى مدى اعتماد السوريين على التحويلات الخارجية، في تمويل متطلبات حياتهم اليومية.

وسجلت الحوالات رقمًا ”قياسيًا” بحسب “المركز الوطني للإحصاء”، إذ وصلت في عام 2016 إلى 1076.2 مليار ليرة سورية (بوسطي 2.95 مليار ليرة يوميًا)، مقارنة بنحو 59 مليار ليرة في عام 2011 (بوسطي 162 مليون ليرة يوميًا).

مصدر أساسي

أظهر استطلاع للرأي أجرته جريدة عنب بلدي أن النسبة الأكبر من السوريين يعتمدون على الحوالات الخارجية لتأمين احتياجاتهم.

وتوجهت عنب بلدي عبر صفحتها على “فيس بوك” بالسؤال لمتابعيها: “تعيش في سوريا؟ من أين تؤمّن مصروفك وقوت يومك؟”.

شارك في الاستطلاع ثلاثة آلاف مستخدم، أكد 63٪ منهم أنهم يعتمدون على التحويلات الخارجية، بينما أوضح 37٪ من المشاركين أن رواتبهم الشهرية تكفي أسرهم.

وأشار أغلب المعلقين على منشور الاستطلاع إلى أن الخيارين عمومًا غير متوفرين لديهم، إذ لا تكفي مداخيل أعمالهم لسد احتياجاتهم، ولا يحصلون على تحويلات خارجية.

وكتب يعرب الشامي، “أعمل من السابعة صباحًا حتى المغرب براتب ثمانية آلاف ليرة سورية (12 دولارًا تقريبًا) في الأسبوع”، مؤكدًا أن وضعه أفضل ممن لا يعملون.

وقال فراس أبو أحمد، إن أغلب السوريين باتوا يعملون بشكل حر، أي دون راتب ثابت. وعلّق عبد الغفور الشلاش، أن أغلب المواطنين في سوريا لا يعملون ولا يحصلون على تحويلات خارجية.

تعيش في سوريا؟ من أين تؤمن مصروفك وقوت يومك؟شاركونا تجاربكم!

Gepostet von ‎جريدة عنب بلدي Enab Baladi‎ am Dienstag, 1. Oktober 2019

مقالات متعلقة