ع ع ع

محمد حمص | أحمد جمال

“سوريا بحاجة أبنائها”، بحسب رئيس النظام، بشار الأسد، و”تركيا تريد مناطق آمنة تتيح عودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم”، بحسب الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أما وزير الخارجية الروسي، فيرى أن “الحرب في سوريا انتهت”، وأن الوقت قد حان لـ”العودة”.

وإلى جانب هذه الأصوات الثلاثة، تتحرك استجابات إقليمية للدفع بعملية عودة للاجئين إلى سوريا، تطبيقًا للخطة الروسية التي مرّ على إعلانها عام، تحركت فيه الجهود الروسية على أصعدة عدة للتحكم بملف اللاجئين.

بالمقابل، لا تزال الاستجابة من قبل اللاجئين لدعوات العودة ضعيفة، إذ تشير الأرقام الروسية إلى عودة 400 ألف سوري، أي أقل من 6% من إجمالي عدد اللاجئين السوريين الموثقين لدى مفوضية الأمم المتحدة للاجئين.

على الأرض، لا يبشر الواقع بإمكانية عودة اللاجئين إلى سوريا، سواء على مستوى البنى التحتية، أو على مستوى الخدمات والواقع المعيشي، مع تخييم الدمار على مساحات واسعة من سوريا، وعدم إمكانية إطلاق مشاريع إعادة الإعمار.

يناقش هذا الملف دعوات إعادة اللاجئين إلى سوريا، سواء من قبل النظام بدعم روسي، أو من قبل الحكومة السورية المؤقتة بدفع تركي، ويسلط الضوء على واقع مناطق سيطرة الطرفين، ومدى جهوزيتها لاستقبال لاجئين، كما يشير إلى مسار الخطة الروسية لإعادة اللاجئين، ومدى الاستجابة لها.

امرأة تعلق ملابسها لتجف في مدينة الرقة السوري- أيار 2018 (رويترز)

بنى تحتية متهالكة ودعوات للعودة..

مناطق سيطرة النظام “غير مؤهلة” لاستقبال اللاجئين

تكررت الدعوات الرسمية للنظام السوري من أجل عودة اللاجئين إلى سوريا، وكانت آخرها دعوة الأسد، خلال خطاب أمام رؤساء المجالس المحلية، في شباط 2019، حين قال إن سوريا “بحاجة إلى كل أبنائها”.

واتهم الأسد حينها الدول المستضيفة للاجئين بعرقلة عودتهم، وقال إن “تحضير معسكرات اللاجئين بدأ قبل الحرب بعام، لخلق معاناة إنسانية وإدانة الدولة السورية”.

ولجأ النظام لاستخدام الخطاب الديني في محاولة لإقناع اللاجئين بالعودة وحثهم عليها، إذ اعتبر مفتي دمشق وريفها، محمد عدنان أفيوني، خلال خطبة الجمعة، في 8 من أيلول الحالي، أن هجرة السوريين في أوروبا “باطلة شرعًا”، داعيًا السوريين إلى العودة من أجل إعمار بلدهم.

وترتبط دعوات النظام بالخطة الروسية، التي أعلنت عنها وزارة الدفاع الروسية، في 18 من تموز 2018، وبدأت من أجلها حراكًا دوليًا وإقليميًا بهدف إقناع الدول المستضيفة بإعادة اللاجئين، وحراكًا داخل سوريا على مستوى تأهيل مراكز استقبال للاجئين العائدين.

لكن الاستجابة الدولية، وخاصة الأوروبية والأمريكية، ربطت بين عودة اللاجئين، وبدء عملية إعادة الإعمار المرهونة بالتحول السياسي، على اعتبار أن الأرقام الأممية حول الدمار في سوريا لا تبشر بأهلية البلد لعودة اللاجئين.

“قديمة ومدمرة”

يقسم مصدر هندسي كان عضوًا في شعبة المهندسين بريف دمشق البنى التحتية في سوريا إلى جزأين، قديم وآخر محدث، موضحًا أن الجزء القديم من البنى التحتية لا يتحمل وضع التعداد السكاني الحالي، عدا عن العديد من المناطق التي تعرضت للقصف، الأمر الذي أدى بدوره إلى زيادة سوء هذه البنى.

ويقول المصدر (تحفّظ على ذكر اسمه لأسباب أمنية) إن المناطق المسكونة والتي لم تشهد معارك أو قصفًا لا يسمح وضعها اليوم بزيادة سكانية، بسبب العديد من المشاكل التي تواجه البنى التحتية فيها (كهرباء، مياه، شبكات صرف صحي، اتصالات أرضية، طرقات، مرافق عامة)، والتي تمت دراستها لتتحمل ضغطًا سكانيًا إلى حد معين.

أما بالنسبة للمناطق التي تعرضت للدمار، وسيطرت عليها قوات النظام خلال العامين الماضيين، مثل الغوطة الشرقية وريف حمص وجنوبي دمشق، فإنها بحاجة إلى مبالغ كبيرة لإعادة تأهيلها.

وبحسب المصدر، فإن “البناء من الصفر” أوفر من عمليات إعادة التأهيل، التي تشمل إزالة الأنقاض ودراسة وضع البنى التحتية، وهو ما يؤخر البدء بأي مشاريع تتعلق بتأهيل البنى التحتية.

ويضرب المصدر مثالًا بمدينة داريا التي شهدت دمارًا كبيرًا، ورغم سيطرة النظام السوري عليها وتصدير صورة تفيد بأنها أصبحت آمنة، فإن عددًا محدودًا من الأهالي يعودون ويعملون على تأهيل بيوتهم دون خدمات.

الأمر ذاته ينطبق على الأحياء الشرقية في حلب، التي شهدت سقوط عشرات المباني بسبب الأضرار التي لحقت بها جراء القصف خلال فترة سيطرة فصائل المعارضة عليها بين عامي 2012 و2016.

وبحسب ما نشرته صحيفة “تشرين” الحكومية، في 3 من شباط الماضي، فإن الأبنية التي تشكل خطورة عالية على ساكنيها في مدينة حلب اقتربت من حاجز العشرة آلاف بناء، أي ما يعادل 80 ألف شقة سكنية مهددة بالانهيار.

الأهالي لا يستطيعون العودة اليوم رغم الإعلان عن تأهيل العديد من المناطق من ناحية الخدمات، مؤكدًا أن البنى التحتية “غير جاهزة”.

استغلال السكان والعائدين

تطالب حكومة النظام الأهالي بالتكفل بعملية تقييم أضرار المباني التي تعرضت للقصف سابقًا، بحسب المصدر الهندسي، الذي يؤكد أن الحكومة تفرض على الأهالي دفع 50 ألف ليرة سورية للجان الفنية التي يحتاجونها للكشف عن الحالة الفنية لمنازلهم.

وفي الوقت الذي يعتمد فيه النظام على الأهالي لتمويل جزء من عمليات كشف الأضرار المتعلقة بالبنى التحتية في سوريا، يعوّل أيضًا على عودة اللاجئين للدفع بإعادة الإعمار.

إذ يرى مدير “مركز العدالة والمساءلة”، محمد العبد الله، أن النظام له مصلحة “مشروطة” بعودة اللاجئين إلى سوريا، لاستغلالها من أجل تمويل إعادة إعمار سوريا، بحجة أن العائدين ليست لديهم مساكن ولا خدمات ولا بنى تحتية تتناسب مع أعدادهم.

ويضيف العبد الله، في حديث إلى عنب بلدي، “عملية إعادة الإعمار تتطلب أموالًا، وسيستفيد النظام من تلك الأموال بهدف تأهيله والاعتراف به دوليًا”، مردفًا، “كان الأمل الروسي باشتراك الاتحاد الأوروبي في هذه الخطة، بالتعويل على رغبة أوروبا بالتخلص من اللاجئين”.

خسائر بالمليارات في البنى التحتية

يحتاج النظام المزيد من أموال إعادة الإعمار لتعويض الخسائر في القطاعات الخدمية والبنى التحتية، إذ تقدر الخسائر التي ضربت القطاع السكني بقيمة 5.2 مليار ليرة سورية، منذ آذار 2011 حتى آذار 2017، وفق تصريح مدير المؤسسة العامة للإسكان، سهيل عبد اللطيف، لصحيفة “تشرين” الحكومية.

ووصلت الخسائر غير المباشرة التي لها علاقة بالمنفعة والفائدة من تنفيذ الخطط الإسكانية، إلى 93.5 مليار ليرة سورية.

كما بلغت خسائر قطاع الطاقة الكهربائية، حتى النصف الأول من عام 2017، ألفي مليار ليرة سورية وفق ما قالته مديرة تنظيم القطاع الكهربائي والاستثمار الخاص، لصحيفة “تشرين“، توزعت على 800 مليار قيمة أضرار توليد الطاقة، و300 مليار في مجال نقل الطاقة، و900 مليار ليرة في توزيع الطاقة.

وبلغت قيمة الأضرار التي لحقت بشبكة الطرق والجسور والمنشآت التابعة للمؤسسة العامة للمواصلات الطرقية 50 مليار ليرة سورية، في حين بلغ حجم الأضرار التي لحقت بقطاع الموارد المائية 770 مليار ليرة سورية، بحسب تصريح وزير الموارد المائية، نبيل الحسن، لصحيفة “الوطن“، في أيار من 2018.

وهو ما تجمله الأمم المتحدة بتقدير تكلفة إعادة إعمار البنية التحتية في سوريا بـ 400 مليار دولار، بحسب تقرير صادر عن اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة في بيروت، في آب 2018.

طلاب مدارس في مدرسة بمدينة دوما بالغوطة الشرقية (رويترز)

هل للنظام مصلحة بعودة اللاجئين؟

يبحث النظام من خلال عودة اللاجئين عن منفعة مادية، عبر تمويل مشاريع إعادة الإعمار، لكن بالمقابل تشكل عودة أكثر من ستة ملايين سوري في الخارج، بحسب إحصائيات مفوضية اللاجئين، عبئًا قد لا تستطيع الإمكانيات الحالية للحكومة تحمله.

ويرى مدير “المركز السوري للعدالة والمساءلة”، محمد العبدلله، أن “عودة اللاجئين بأعداد كبيرة ستشكل ضغطًا واسعًا على النظام من جهة الخدمات والمسؤولية والالتزام والعبء الاقتصادي”.

كما يشير العبدلله إلى أن عودة اللاجئين إلى سوريا تشكل عائقًا أمام القوانين والمراسيم التي تتيح للنظام استملاك عقاراتهم وممتلكاتهم، والمتمثلة بالقانون “رقم 10” وقبله “المرسوم 66″، اللذين يتيحان استملاك عقارات السوريين من منازل وممتلكات أخرى، بحجة إعادة تخطيط المدن وإعادة الإعمار.

ويتابع، “عودة اللاجئين إلى سوريا في فترة مبكرة ستسمح لهم بوضع إشارات عقارية على منازلهم وعقاراتهم أو تحصيل تعويضات مالية، وهذا ليس من مصلحة النظام”.

بالمقابل، “توجد مصحلة للنظام في توسيع رقعة الاستملاك، ليضع يده على العقارات ويبني المدن العقارية الجديدة كـ(ماروتا ستي) و(باسيليا ستي)، ويبيعها بأسعار خيالية كما هو معلن عنها، ويقدمها كتعويضات لأصدقائه وحلفائه والمقاتلين في صفوفه، وذلك يتيح أيضًا إنشاء حزام أمني من السكان الموالين للنظام حول العاصمة دمشق”، بحسب العبد الله.

من ناحية أخرى، يرى العبد الله أن “ولاء اللاجئين العائدين قد يربك حسابات النظام، لأن العائدين ليسوا بالضرورة موالين للنظام، وحتى لو عادوا مرغمين من الدول المستضيفة، فالنظام ليس قادرًا على ضبطهم والضغط عليهم”، بحسب تعبيره.

ويتوقع العبد الله أن يقوم النظام بحملة اعتقالات للعائدين من أجل “فلترة” المرغوب بعودتهم، وأن يبدأ حملة اعتقالات لترهيب اللاجئين الراغبين بالعودة، على غرار الحملة التي يعتمدها تجاه العائدين من الأردن ولبنان، تحت حجة أنهم مطلوبون أمنيًا، إضافة إلى “إيصال رسالة خاصة تهدف إلى جعل الحاضنة الموالية للنظام هي الأكبر من حيث الولاء”.

وبحسب أرقام “الشبكة السورية لحقوق الإنسان“، الصادرة منتصف آب 2019، فإن 15 لاجئًا عائدًا إلى سوريا قتلوا تحت التعذيب، بينما تحول 638 لاجئًا إلى مختفين قسريًا بعد عودتهم.

سوريون يتفقدون الدمار في أعقاب هجوم صاروخي على مدينة حلب شباط 2013 وكالة (فرانس برس)

مناطق الشمال “الآمنة”..

تصورات تحدها “الطاقة الاستيعابية” وتفاهمات السياسة

بينما يروج النظام السوري لعودة اللاجئين، تتعالى دعوات أخرى لإعادتهم إلى سوريا، ولكن إلى مناطق تقع تحت سيطرة فصائل المعارضة في ريف حلب الشمالي، أو إلى “المنطقة الآمنة” التي يجري الحديث عن إنشائها بتوافق تركي– أمريكي في شمال شرقي سوريا.

وتقود الحكومة السورية المؤقتة تلك الدعوات، بدعم من الموقف الرسمي التركي، بينما لا يتيح الواقع السكني أو الخدمي أو المعيشي مجالًا واسعًا لتطبيق هذه التصورات، رغم التحركات التي تجري لجعلها متاحة على المدى القريب.

ريف حلب.. “استقرار نسبي” و”مساحة ممتلئة”

تعد مناطق ريفي حلب الشمالي والشرقي، الخاضعة لسيطرة المعارضة المدعومة من الجانب التركي، أكثر استقرارًا أمنيًا بالمقارنة ببقية المناطق التي تسيطر عليها فصائل معارضة في الشمال السوري.

وتشير رئيسة دائرة شؤون اللاجئين في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، أمل الشيخو، إلى أن تلك المناطق يمكن أن تستقبل عددًا كبيرًا من اللاجئين السوريين “خاصة مع الجهود التي تبذلها الحكومة السورية المؤقتة المدعومة من الائتلاف، في مسعى لتحويل المشاريع إلى واقع ملموس بشرط تقديم الدعم اللازم للحكومة”.

وتضيف الشيخو، في حديث إلى عنب بلدي، “يعمل الائتلاف الوطني عبر الحكومة السورية المؤقتة على إدارة هذه المنطقة وتحويلها إلى نموذج يحتذى به في المنطقة، وهو الأمر الذي قد يترك الأثر الإيجابي لدى كثير من النازحين والمهجرين للعودة إلى تلك المناطق”.

وتشهد المنطقة حركة بناء واسعة مرتبطة بالاستقرار الأمني النسبي، عبر مشاريع سكنية تركية أو لرؤوس أموال محلية، بينما تبقى هذه المشاريع في إطار الاستثمارات الفردية، دون أن تتدخل بها الحكومة المؤقتة، ما يعني عدم إمكانية التعويل عليها فيما يخص إتاحة مساكن جديدة للنازحين في المنطقة أو اللاجئين العائدين.

ويستوعب ريف حلب أعدادًا كبيرة من النازحين، وصل عددهم خلال الفترة من شباط حتى نهاية آب الماضيين فقط إلى أكثر من 96 ألفًا، بحسب إحصائية لفريق “منسقو الاستجابة”، الصادرة في 29 من تموز 2019.

ووفق ذلك، لا تتوفر في المنطقة الطاقة الاستيعابية لاستقبال مزيد من السكان، وهو ما أكده رئيس المجلس المحلي لمدينة جرابلس، عبد خليل، لعنب بلدي، مشيرًا إلى الحاجة لـ”دعم دولي” لتحسين المستويات الخدمية في ريف حلب، لاستيعاب أعداد من اللاجئين السوريين.

ويضرب خليل مثالًا بمدينة جرابلس، التي “تتوفر فيها خدمات، وهي كبرى المدن في المنطقة، إلا أنها تشهد اكتظاظًا سكانيًا، إلى جانب وجود نحو 25 ألف شخص في المخيمات”.

ويضيف خليل، “المنطقة تحتاج إلى بناء وحدات سكنية لاستيعاب أعداد كبيرة من السكان، كما أنها تحتاج لتأمين فرص عمل للنازحين عبر فتح استثمارات في المنطقة”.

إلى “المنطقة الآمنة”.. عودة ترفضها أمريكا وتدعمها تركيا

في الوقت الذي تسير فيه خطوات تنفيذ المنطقة الآمن في شمال شرقي سوريا، وفق الاتفاق التركي- الأمريكي، يتعالى الحديث التركي حول الدفع بإعادة اللاجئين إلى تلك المنطقة.

وفي تصريحات للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في شباط 2018، اعتبر أن مشروع إنشاء المنطقة الآمنة على الحدود الشمالية لسوريا خطوة إلى الأمام في اتجاه عودة 3.5 مليون لاجئ سوري إلى وطنهم في القريب العاجل.

وتتحرك المعارضة السورية في ضوء التصور التركي على أمل إدارة المنطقة وتوفير الخدمات فيها، وفتحها أمام عودة اللاجئين السوريين.

وبحسب ما أكده عضو الهيئة السياسية في الائتلاف المعارض، ياسر الفرحان، لعنب بلدي في لقاء سابق، فإن الائتلاف والحكومة المؤقتة يعملان على تطوير خطط لإدارة المنطقة.

وأضاف الفرحان أن الائتلاف لديه “لجنة الجزيرة والفرات”، التي تضم أبناء المنطقة الشرقية، وأسست رؤية لإدارة المنطقة كحالة مؤقتة من قبل أبنائها، مع الحفاظ على وحدة سوريا، كما بنت اللجنة أفكارًا وصاغتها بورقة آليات من أجل تحقيق السلام والعدالة في المنطقة ومن أجل حفظ الأمن.

كما أُعدت دراسات للمنطقة وأعداد القاطنين فيها، وأعداد اللاجئين المحتملة عودتهم، واحتياجاتهم التعليمية، والصحية، والخدمية من مياه وكهرباء ونقل، إضافة إلى حاجة المنطقة من موارد اقتصادية وكوادر بشرية، بحسب الفرحان، الذي أكد أن هذه الدراسات توضع على أساس أكثر من سيناريو.

وتملك الحكومة المؤقتة ثلاث أوراق، كل واحدة من 120 صفحة، بحسب الفرحان، تضم خطة متكاملة لإدارة المنطقة وحماية أهلها ومنع الاعتداء عليهم، وتأمين الاستقرار فيها والتخلص من “المجموعات الإرهابية، ومنع عودة مجموعات تنظيم الدولة الإسلامية”.

بالمقابل، ترفض أمريكا، ومعها “الإدارة الذاتية” التي تدير حاليًا جزءًا من المنطقة الآمنة المزمع إنشاؤها، خطط إعادة اللاجئين، وكان المبعوث الأمريكي إلى سوريا، جويل رايبورن، قال لعنب بلدي، في 7 من أيلول الحالي، إن أمريكا لا تدعم خطة تركيا لإعادة اللاجئين السوريين إلى المنطقة الآمنة.

وأضاف رايبورن أن أطراف الاتفاق يطلقون عليه مصطلح “الآلية الأمنية”، لافتًا إلى أن الهدف من إنشاء تلك المنطقة ألا يكون هناك اعتداء على تركيا أو سوريا منها.

و”على اعتبار أن الاتفاقية هي اتفاقية أمنية فعودة اللاجئين ليست جزءًا منها”، بحسب رايبورن، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تدعم أن تكون عودة اللاجئين آمنة وطوعية، وفي حال عودة لاجئين فإنهم يجب أن يكونوا من أبناء المنطقة.

ويشاطر الموقف الرسمي الكردي أمريكا في تصورات عودة اللاجئين، وكان المتحدث باسم “مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد)، أمجد عثمان، قال في لقاء سابق مع عنب بلدي، إن “الذين سيعودون إلى المنطقة هم أبناؤها، ولم تتم الموافقة إلا على عودة أبناء كل منطقة إليها، أما ما تصرح به تركيا حول إعادة 700 ألف لاجئ، فلا علاقة لنا به”.

سيدة سورية تجلس بين ركام المنازل المدمرة بفعل الصواريخ السورية موقع (pappaspost)

الخطة الروسية لإعادة اللاجئين..

تحركات حثيثة يحكم عليها الأوروبيون بالفشل

في 18 من تموز 2018، أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن خطة لإعادة اللاجئين السوريين، وهي الخطوة الأولى من نوعها منذ أن بدأت موجات اللجوء السوري عام 2011.

استهلت روسيا خطتها بحشد تأييد دولي، حين تقدمت بطلبات إلى 45 دولة للحصول على بيانات وأرقام دقيقة عن اللاجئين السوريين المقيمين فيها، مشيرة إلى أن الأرقام الأولية التي حصلت عليها تتطابق مبدئيًا مع إحصائيات مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.

بعد ذلك، أعلنت موسكو عن إنشائها مراكز إيواء واستقبال وتوزيع اللاجئين الراغبين بالعودة إلى سوريا، بالتعاون مع حكومة النظام السوري، وعددها 76 مركزًا تتسع لاستقبال ما يزيد على 336 ألف لاجئ سوري، يتوزعون على 73 ألف مركز في محافظة ريف دمشق، و134 ألفًا في محافظة حلب، و64 ألفًا في حمص، وعشرة آلاف في حماة، و45 ألفًا في دير الزور، وتسعة آلاف في القلمون الشرقي.

وتتركز مهام مراكز الإيواء على مراقبة عودة اللاجئين من الدول الأجنبية إلى سوريا، وتقديم المساعدات اللازمة لهم، ثم فرزهم على مناطق إقامتهم الدائمة، وإبقاء الأشخاص الذين لا مأوى لهم في مراكز الإيواء.

وفي إطار التنسيق لتلك المراكز، أسست وزارة الدفاع الروسية مكتبًا في موسكو بالاشتراك مع وزارة خارجيتها، مهمته تنسيق عمل مراكز الإيواء وتنفيذ الفعاليات المخطط لها.

وبعد مرور أكثر من عام على إطلاق الخطة، تدعي روسيا أنها تثمر عن نتائج “إيجابية”، إذ قال وزير خارجيتها، سيرغي لافروف، في 2 من أيلول الحالي، إن نحو 400 ألف شخص عادوا إلى سوريا منذ شهر تموز 2018.

أغلب هؤلاء اللاجئين عادوا من لبنان، بينما يشكل العائدون من الأردن جزءًا منهم، في حين ترى الدول الأوروبية أن الوضع في سوريا ليس مناسبًا بعد لعودة اللاجئين السوريين.

وفي إفادة خاصة نقلتها وكالة “رويترز” عن الاتحاد الأوروبي، في 27 من آب الماضي، جاء فيها أن سوريا لا تزال تعاني من ويلات الحرب وليست آمنة لعودة اللاجئين إليها، وذلك في معرض الحديث عن الخطة الروسية.

ونقلت الوكالة عن مسؤولين في الاتحاد الأوروبي قولهم إن الدول الأوروبية متمسكة بموقفها في عدم تقديم أموال لإعادة إعمار سوريا، “ما دام الرئيس بشار الأسد لا يسمح للمعارضة بالاشتراك في السلطة”.

وتزامنت تصريحات مسؤولي الاتحاد الأوروبي مع تصريحات فرنسية مشابهة، إذ قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الفرنسية، أنييس فون دير مول، في 26 من آب الماضي، إن شروط عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم لم تتحقق بسبب سياسة الأسد.

واستشهدت المتحدثة الفرنسية بالقانون الرئاسي “رقم 10″، وقالت إنه يحرم اللاجئين والمشردين داخليًا من ممتلكاتهم، وأشارت إلى عدم الاستقرار في سوريا، وحالات الاعتقال والتجنيد الإجباري للسوريين العائدين من لبنان، إلى جانب الربط الأوروبي بين عودة اللاجئين وعمليتي إعادة الإعمار والتسوية السياسية على الرغم من اختلاف وجهات النظر بين الاتحاد الأوروبي وروسيا حول إتمام العمليتين.

استطلاع رأي: السوريون في الخارج لا يأملون بالعودة

أظهر استطلاع للرأي أجرته جريدة عنب بلدي أن النسبة الأكبر من السوريين في الخارج، لا يجدون فرصة قريبة للعودة إلى سوريا.

وطرحت عنب بلدي عبر صفحتها على “فيس بوك” استطلاعًا، حمل السؤال التالي: “للسوريين في الخارج.. هل تجدون فرصة قريبة للعودة إلى سوريا؟ ولماذا؟”.

81% من المشاركين في الاستطلاع، الذين تجاوز عددهم 1800 مشارك، صوتوا بـ “لا”، بينما صوت 19% منهم بـ “نعم”.

وتفاعل على منشور الاستطلاع نحو 50 مستخدمًا، أبدى معظمهم مواقف سلبية تجاه فكرة العودة، وغلب على آرائهم التشاؤم حول إمكانيتها، إذ برر بعض المتفاعلين وجهات نظرهم بأسباب اقتصادية تتعلق بالحالة الخدمية في سوريا، بينما ربط آخرون رفضهم للعودة بأسباب سياسية.

وكتب المستخدم محمد شبيب، “بلد ممزقة تحتاج إلى كفيل لكي تزور مناطق حكم قسد، وإلى مبالغ مالية كبيرة للانتقال من المناطق المحررة إلى مناطق النظام، وأضف إلى ذلك عدم توفر أدنى مقومات الحياة من كهرباء وأمان، أجور متدنية ومعيشة غالية، عدا الخدمة الإلزامية مدى الحياة”، واستطرد، “لا يوجد أي دافع للرجوع”.

وعلق مروان عجم، ” لا يوجد عمل.. أسعار فوق الخيال للطعام والشراب والملبس، لا يوجد أمان لأمن السلطة ولأمن عامة الناس، السلاح مخبّأ ومتوفر لدى الطرفين”.

أما عبد العزيز إبراهيم فيرى أنه “لا يمكن الرجوع إذا لم تحقق الثورة أهدافها.. إسقاط النظام وإعلان دستور يضمن الحرية لكل مكونات الشعب السوري العظيم”.

المستخدم محمد حمادي ربط أيضًا بين العودة والحل في سوريا، وعلّق “بانتظار مصالحة وحل سياسي بين جميع مكونات الشعب السوري، وتسوية سياسية نأمن بها على حياتنا وحياة أطفالنا”.

للسوريين في الخارج.. هل تجدون فرصة قريبة للعودة إلى سوريا؟ ولماذا؟شاركونا آراءكم!

Gepostet von ‎جريدة عنب بلدي Enab Baladi‎ am Donnerstag, 12. September 2019

سلاح النظام المسبب الأكبر

كيف تتوزع نسب الدمار في سوريا؟

يوفّر معهد الأمم المتحدة للبحث والتدريب (UNITAR) أطلسًا يبين مدى الدمار الذي لحق بالمحافظات والمدن السورية خلال الأعوام الثمانية الماضية، ويستند الأطلس، الذي نُشر في 16 من آذار، إلى تحليل صور الأقمار الصناعية، وعرض خرائط تبين توزع الدمار وكثافته في 16 مدينة ومنطقة سورية، شهدت أكبر نسبة دمار.

وفيما يلي نسب توزع الدمار على المناطق السورية بحسب ما ترجمته عنب بلدي عن معهد الأمم المتحدة للبحث والتدريب:

مناطق الشمال الغربي.. حلب الأكثر دمارًا

بحسب البحث الأممي، شهدت محافظة حلب أكبر نسبة دمار في سوريا، بوجود 4773 مبنى مدمرًا كليًا، و14680 مبنى مدمرًا بشكل بالغ، و16269 مدمرًا بشكل جزئي، ليبلغ مجموع المباني المتضررة 35722.

وذكر البحث أن عدد سكانها كان يزيد على 2.5 مليون قبل عام 2011 وتضم اليوم 1.6 مليون بينهم 200 ألف يقطنون في القسم الشرقي، الذي تحمّل أكبر نسبة من الدمار، ولا تزال الظروف فيه اليوم غير مطمئنة مع انتشار بقايا المتفجرات ونقص الاحتياجات الأساسية.

وتوزع الدمار في محافظة حلب على مختلف المدن والقرى التابعة لها، إذ يوجد في مدينة عفرين في ريف حلب الشمالي 67 مبنى مدمرًا كليًا، و26 مبنى لحق بها دمار بالغ، و103 مبانٍ دُمرت بشكل جزئي، ليكون مجموع المباني المتضررة 196.

في حين بلغ عدد المباني المدمرة كليًا في مدينة منبج شمال شرقي حلب 284 مبنى مدمرًا كليًا، و412 مبنى مدمرًا بشكل بالغ، و502 مدمر بشكل جزئي، ليكون مجموع المباني المتضررة 1198.

أما مدينة عين العرب (كوباني) فيوجد فيها 1206 مبانٍ مدمرة كليًا، و1169 مبنى مدمرًا بشكل بالغ، و872 بشكل جزئي، ليبلغ مجموع المباني المتضررة 3247.

وفي محافظة إدلب شمال غربي سوريا، بلغ عدد المباني المدمرة كليًا 311، و418 مبنى مدمرًا بشكل بالغ، و686 بشكل جزئي، ليكون مجموع المباني المتضررة 1415.

مناطق الشمال الشرقي.. متضررة على يد “التحالف الدولي”

رصد البحث الأممي نسبة الدمار في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية”، التي تعرضت لحملة قصف جوي شديدة من قبل قوات “التحالف الدولي”، ما أدى إلى تدهور الواقع الخدمي فيها مع انتشار البقايا المتفجرة، بحسب البحث.

ويشير البحث إلى وجود 3326 مبنى مدمرًا كليًا في محافظة الرقة، و3962 مبنى مدمرًا بشكل بالغ، و5493 بشكل جزئي، ليكون مجموع المباني المتضررة 12781.

وتوزع الدمار في المحافظة على مختلف المدن والقرى التابعة لها، إذ يوجد في مدينة الطبقة 207 مبانٍ مدمرة كليًا، و128 مبنى مدمرًا بشكل بالغ، و152 مدمرًا بشكل جزئي، حيث بلغ مجموع المباني المتضررة 487.

أما في محافظة دير الزور فيوجد 1161 مبنى مدمرًا كليًا، و2370 بشكل بالغ، و2874 بشكل جزئي، وبلغ مجموع المباني المتضررة في المحافظة 6405.

المنطقة الوسطى.. حماة تتصدر

رصد التقرير وجود 9459 مبنى مدمرًا كليًا في محافظة حماة، و404 مبانٍ مدمرة بشكل بالغ، و666 بشكل جزئي، ليكون المجموع 10529 مبنى متضررًا.

وفي محافظة حمص يوجد 3082 مبنى مدمرًا كليًا، و5750 مدمرًا بشكل بالغ، و4946 بشكل جزئي، وبلغ مجموع المباني المتضررة 13778.

وفي مدينة تدمر الأثرية، التابعة لمحافظة حمص، يوجد 45 مبنى مدمرًا كليًا، و112 مدمرًا بشكل بالغ، و494 بشكل جزئي، ليكون مجموع المباني المتضررة 651.

وفي مدينة القريتين، التابعة لمحافظة حمص أيضًا، يوجد 79 مبنى مدمرًا كليًا، و190 مدمرًا بشكل بالغ، و256 بشكل جزئي، ليكون مجموع المباني المتضررة 525.

المناطق المحيطة بالعاصمة.. الغوطة الأكثر ضررًا

بلغ عدد المباني المدمرة كليًا في غوطة دمشق الشرقية 9353 مبنى، بالإضافة إلى 13661 مبنى مدمرًا بشكل بالغ، و11122 بشكل جزئي، حيث بلغ مجموع المباني المتضررة 34136.

أما منطقة مخيم اليرموك والحجر الأسود، جنوبي دمشق، فيوجد فيها 2109 مبانٍ مدمرة كليًا، و1765 مبنى مدمرًا بشكل بالغ، و1615 بشكل جزئي، ليكون مجموع المباني المتضررة 5489.

وفي مدينة الزبداني في ريف دمشق يوجد 659 مبنى مدمرًا كليًا، و1251 بشكل بالغ، و1454 بشكل جزئي، حيث بلغ مجموع المباني المتضررة 3364.

دمار المنطقة الجنوبية

بلغ عدد المباني المتضررة كليًا في محافظة درعا، جنوبي سوريا، 224 مبنى مدمرًا كليًا، بالإضافة إلى وجود 498 مبنى مدمرًا بشكل بالغ، و781 بشكل جزئي، حيث بلغ مجموع المباني المتضررة 1503.

وحدد البحث معايير لقياس نسبة الدمار، وهي اعتبار المبنى مدمرًا كليًا إن كان الضرر الملحق به بنسبة من 75 إلى 100%، في حين يعتبر مدمرًا بشكل بالغ إن كانت نسبة الضرر من 30 إلى 75%، ويكون مدمرًا إلى حد متوسط إن كانت نسبة الضرر من 5 إلى 30%.

ومع تراجع القتال في مناطق واسعة من سوريا، واستعادة قوات النظام السوري للعديد من المناطق التي كانت تخضع لسيطرة المعارضة، تعد مسألة إعادة الإعمار من التحديات الكبيرة التي تواجهها حكومته، إذ قدرت الأمم المتحدة كلفتها بنحو 400 مليار دولار.

مقالات متعلقة