ع ع ع

مراد عبد الجليل| رهام الأسعد | ميس حمد

أنباء متضاربة عن سقوط واحدة من أهم مدن مدينة إدلب، تأكيدها يعني بدء قضم المحافظة الأخيرة خارج سيطرة النظام السوري، ويعني نفيها استمرار المعارك وتواصل القصف وموجات النزوح.

اشتعلت غرف الأخبار في وسائل الإعلام السورية خلال ساعات الظهيرة من يوم 20 من آب 2019، في انتظار تفاصيل توضح مصير مدينة خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي، بعد إطباق قوات النظام الحصار عليها.

لم تأتِ الأخبار ذلك اليوم عبر بيان لـ “القوات المسلحة” التابعة لوزارة الدفاع في حكومة النظام السوري، ولا عبر بيانات للفصائل المقاتلة على جبهات المدينة، لكن عبر تسجيلين مصورين نشرهما الصحفي الروسي Oleg Blokhin، العامل في وكالة “ANNA” عبر حسابه في “تلغرام”.

التسجيلان المصوران بكاميرات مثبتة على طائرات “درون” تسير بثبات، وثّقا خلو مدينة خان شيخون من أي وجود عسكري، ما أكّد انسحاب الفصائل منها، وعدم دخول قوات النظام إليها، فبُنيت عليهما الأخبار حتى عصر اليوم ذاته حول مصير المدينة.

ورغم تكرر وجود المراسلين الروس بمرافقة عمليات عسكرية للنظام، فإن الحادثة الأخيرة كشفت عن مستوى السبق الذي وصلت إليه وسائل الإعلام الروسية في سوريا، وتجردها من اعتبارات الرقابة والأولوية في تغطية أخبار من المفترض أنها ذات أثر “سيادي” بالنسبة للنظام السوري.

فبالتوازي مع التغطية العسكرية، تتكامل وسائل الإعلام الروسية في تغطية الشؤون السياسية والخدمية والمحلية في سوريا، متفوقة في تغطياتها على وسائل الإعلام المحلية أو المرتبطة بحلفاء النظام.

يسلط هذا الملف الضوء على الأدوار التي يلعبها الإعلام الروسي في سوريا، ومدى تخطيه للرقابة، كما يناقش مدى المهنية التي تتعاطى بها وسائل الإعلام الروسي مع الخبر السوري، وكيف تتوزع مؤسساته مهام الإحاطة بكافة شؤون سوريا.

وكالات اعلام اجنبية في قاعدة حميميم في اللاذقية 2018 (وزار الدفاع الروسية)

على الأرض وفي الميدان

الصحافة الروسية خارج قيود وزارة الإعلام

ظهرت وسائل الإعلام الروسية على الأرض في سوريا منذ بداية الثورة، ورغم اختلاف أشكال تغطياتها وزوايا تناولها للأحداث منذ العام 2011 حتى الآن، لكنها حافظت على استمرارية عملها، وتفوقت في تغطيتها على وسائل الإعلام السورية والإيرانية في كثير من الأحيان.

وعلى اعتبار أن العمل الإعلامي في سوريا محكوم برقابة صارمة من وزارة الإعلام، يزيد من صرامتها تدخل أفرع الأمن في ضبط حالة حرية التعبير وتقنينها، كان لا بد للإعلام الروسي من أدوات للإفلات من هذه الرقابة بداية، ثم كسرها.

ما قبل التدخل العسكري

يقول الباحث والمختص في الشأن الروسي، يحيى نعسان، إنّ عامي 2012 و 2013شهدا تسيّد الإعلام اللبناني كل وسائل الإعلام المرافقة لقوات النظام، كقناتي “الميادين” و”المنار”، لكن “بعد عام 2015 (تاريخ بدء التدخل العسكري الروسي في سوريا) تصدّرت روسيا المشهد، فوسائل الإعلام الروسية خلال الثورة كانت تحصل على أذون روتينية قبل التحرك على الأرض السورية”.

ويؤكد المختص في شؤون روسيا والاتحاد السوفيتي سابقًا، طه عبد الواحد، خلال حديثه لعنب بلدي، كلام نعسان، وذلك من خلال مشاهداته حين كان يعمل مترجمًا مع الإعلام الروسي في سوريا قبل عام 2013.

يقول عبد الواحد، “لا يتحرك أي إعلامي دون تصريح رسمي من السلطات، كان التحرك محدودًا في دمشق كالسماح بالتصوير في سوق الحميدية، كانت الزيارات للمشافي العسكرية تتم بصعوبة”.

وحول حرية التصوير وإجراء المقابلات في تلك الفترة، يتابع عبد الواحد، ” كان يتكرر ظهور بعض الأشخاص المتفق عليهم أمامنا لإجراء مقابلة”، مؤكدًا وجود مرافقة أمنية للوفود الإعلامية الأجنبية.

ويشير المترجم إلى أنّ الأمر تغيّر اليوم، “لأن قسمًا كبيرًا من الإعلاميين الروس أصبحوا يأتون من قاعدة حميميم، واليد الروسية أصبحت العليا في سوريا”، بحسب تعبيره.

سلطة ما بعد 2015

يركّز قانون الإعلام السوري الصادر عام 2011، على آليات التعامل مع وسائل الإعلام الأجنبية، ويفسّر هذه العلاقة في 20 بندًا، تدور حول كيفية ممارسة الرقابة عليها، سواء فيما يخص المعلومات الواردة عبرها من سوريا أو إلى سوريا، وتحديد آليات الترخيص.

ويضبط البند الثاني من المادة 18 تحت الفصل السادس من القانون، “شؤون المراسلين المعتمدين والزائرين” من وسائل الإعلام الأجنبية، من خلال عبارة “تسهيل عمل المراسلين” و”حفظ الأضابير المتعلقة بعملهم”، ما يشير إلى حالة من الرقابة غير المعبر عنها صراحة في القانون.

وبالتطبيق الفعلي للقانون على الأرض، زاد النظام السوري من قيوده المفروضة على قطاعي الإعلام، الحكومي والخاص، ما أدى إلى تراجع أعداد الصحفيين الأجانب الذين يدخلون البلاد، إثر رفض وزارتي الخارجية والإعلام طلبات مئات الصحفيين الأجانب الذين يطلبون زيارة سوريا.

وبحسب مصدر مطلع في دمشق، فإن السلطات السورية تشترط على الوفد الذي يُمنح تأشيرة دخول إلى سوريا، أن يُرافق بموفد من وزارة الإعلام، يقود رحلته، ويحدد له الأماكن التي يمكنه أن يذهب إليها، والشخصيات التي يقابلها، وهو ما حصل مع فريق نيويورك تايمز خلال زيارته الأخيرة إلى دمشق.

وأكد المصدر، الذي طلب عدم نشر اسمه لأسباب أمنية، أن جميع وسائل الإعلام لم يعد يسمح لها مؤخرًا بالتصوير الصحفي دون موافقة أمنية، ويشمل ذلك جميع المناطق، المدنية والعسكرية، مشيرًا إلى عدم وجود قرار رسمي مكتوب بهذا الإجراء، لكن الأمر يطبق بشكل عرفي.

وأوضح المصدر أن هذه القيود لا تشمل وسائل الإعلام الروسية، التي تتحرك بحرية دون رقابة أو تحكم من وزارة الإعلام، لافتًا إلى أن وسائل الإعلام المحلية باتت تعتمد على التقارير الصحفية والإعلامية الروسية كمصدر للأخبار المحلية.

وأشار المصدر إلى أن الإعلام الإيراني كان في وقت سابق متحررًا من الرقابة ويتحرك كالإعلام الروسي، لكن وزارة الإعلام فرضت مؤخرًا على الصحفيين والمراسلين والعاملين في مؤسسات إعلامية إيرانية الحصول على موافقات قبل التصوير، وقد اعتُقل مراسل قناة “العالم” الإيرانية في حلب، ربيع كلاوندي، لمخالفته تلك الأوامر، وذلك في 8 من تموز الماضي.

أوليغ بلوخين مراسل حربي في وكالة ana news (تلغرام)

“الكذب المكرر يتحول إلى مقولة صادقة”

الدعاية الروسية.. تكذيب وتلفيق واستعراض قوة

بدأت وسائل الإعلام الروسية، منذ اللحظات الأولى للتدخل الروسي في سوريا، بتكريس جهودها لتبرير العمليات العسكرية، سواء على الصعيد السياسي، عبر تكثيف جهودها لإقناع الأطراف كافة بشرعية التدخل، أو على الصعيد العسكري، خلف قناع مكافحة الإرهاب والمتطرفين.

ولم تحرك موسكو أسطولها العسكري في سوريا فحسب، وإنما عملت على توظيف ماكينتها الإعلامية من وكالات وقنوات ومواقع إخبارية لنقل تحركاتها وإنجازاتها، إلى جانب محاولاتها الملحوظة في “تشويه الحقائق” وتكذيب الأخبار والمعلومات التي تتناقلها وسائل إعلام المعارضة السورية أو العالمية، فيما يخص عملياتها العسكرية.

وانضم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى هذه الماكينة، عندما أكد، بحسب وكالة “فرانس برس” بعد ساعات من بدء التدخل في سوريا في 30 من أيلول من عام 2015، استعداده لـ “خوض حرب إعلامية”.

وجاء حديثه بعد اتهام المعارضة السورية الطائرات الروسية بارتكاب مجزرة في مدينة حمص وسقوط ضحايا مدنيين.

أما سكرتيره الصحفي، دميتري بيسكوف، فانبرى إلى تكذيب ذلك، داعيًا إلى التأكد من صحة المعلومات حول المشاركة الروسية في سوريا، مشيرًا إلى “توارد كثير من المعلومات المحرفة والكاذبة والعارية عن الصحة بهذا الشأن”.

“رعاية الشرعية” و”مكافحة الإرهاب”

ركزت السياسة الإعلامية الروسية في سوريا على تأكيد شرعية التدخل العسكري، وأنه يتم وفق القوانين الدولية، وبالنظر إلى شرعية الدولة السورية في الأمم المتحدة، وهو ما أكد عليه وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في 1 من تشرين الأول 2015.

وقال لافروف حينها إن “مهمة العملية العسكرية الروسية جاءت ردًا على طلب الرئيس الأسد، والهدف الذي تسعى إليه قواتنا المسلحة هو محاربة الإرهاب”.

واستمر الإعلام الروسي في استخدام التوصيفات التي تؤكّد على شرعية النظام السوري، من قبيل “رئيس الجمهورية العربية السورية”، و”الجيش العربي السوري”.

بالمقابل، وُظفت الآلة الإعلامية الروسية للترويج لوجود الإرهاب في سوريا، كوسيلة لتبرير العمليات العسكرية، والقصف على مواقع مدنيين ومرافق حيوية.

الكاتب الصحفي السوري، والدكتور في العلوم السمعية البصرية، رياض معسعس، أكد لعنب بلدي أن تبرير روسيا لقصفها الهمجي على المدن والقرى تحت شعار محاربة الإرهاب، يتطابق مع ادعاءات إعلام النظام، ويدعم فرضيته.

وأكد الباحث والمختص في الشأن الروسي، يحيى نعسان، كلام معسعس، مشيرًا إلى أن “الإعلام الروسي لديه دعاية مدروسة حول سوريا في تغطية الحدث في سوريا، قائمة على عدة محاور أبرزها موضوع الإرهاب الذي تستثمر فيه روسيا كغيرها من الدول، وإظهار روسيا لنفسها أنها الضامن وحامي سوريا”.

تلك السياسة استخدمتها روسيا مرارًا، وأكد عليها مؤخرًا الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خلال لقائه الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في 19 من آب 2019، حين قال إن “روسيا تدعم جهود الجيش السوري للقضاء على الإرهابيين في محافظة إدلب”.

واعتبر معسعس أن “هذا الكلام لا يُقنع أحدًا، وليس له تأثير في الأحداث السياسية والعسكرية، كونه قائمًا على معلومات غير صائبة أساسًا”، وتابع، “لكن على مبدأ جوزيف غوبلز (وزير الدعاية في ألمانيا النازية) فإن الكذب المكرر والمستمر يتحول إلى مقولة صادقة”.

التلفيق وتكذيب الآخر

مقابل الدفاع عن شرعية تدخلها، اعتمدت روسيا على تلفيق الاتهامات المتكررة بحق الطرف الآخر، أي فصائل المعارضة والمؤسسات المدنية والإغاثية التي تعمل في مناطق سيطرتها.

منظمة “الدفاع المدني”، كانت واحدة من المؤسسات المستهدفة بحرب إعلامية روسية، حاولت إظهار متطوعي الدفاع المدني على أنهم يقومون بـ “مسرحيات مدفوعة” من الخارج وخاصة فيما يتعلق بالهجمات الكيماوية التي يشنها النظام السوري، وادعت ارتباطهم بـ “تنظيم الدولة الإسلامية” و”جبهة النصرة”، بحسب ما أكده مدير الدفاع المدني، رائد الصالح، لعنب بلدي في وقت سابق.

كما اتهمت روسيا “الدفاع المدني” بـ “تلقي أموال من الخارج للقيام بأعمال استفزازية”، وطالبت المجتمع الدولي بإخراج متطوعي المنظمة من إدلب وعموم سوريا، لأنهم “مصدر تهديد”، وجاء ذلك خلال اجتماع مغلق لمجلس الأمن، في 11 من تشرين الأول 2018، بحضور عدد من الدول الغربية، بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.

كما أصدرت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” تقريرًا في 29 من حزيران الماضي، تحدثت فيه عن تعرضها لهجمات من قبل وزارة الخارجية الروسية ومن وسائل إعلام موالية وصحفيين موالين لروسيا.

وأكدت “الشبكة”، التي تُعنى بتوثيق الانتهاكات بحق المدنيين في سوريا، أن “روسيا تتبع تكتيكًا يقوم على نشر تقارير تحتوي كمًا سخيفًا من المغالطات والخداع في مواقع صفراء لا يعرفها أحد، ثم تقوم مواقع روسية أوسع انتشارًا (مثل روسيا اليوم وسبوتنيك) بالاقتباس منها، بهدف تعميم ونشر تلك الأكاذيب على مستوى أكبر، وإخفاء جرائم الحرب التي ترتكبها روسيا بحق الشعب السوري”.

ومن وجهة نظر الباحث نعسان فإن تلك الاستراتيجية، لم تكن لتنجح في حال تمت مواجهتها بحالة إعلامية صلبة ومتماسكة، مؤكدًا أن “الدعاية الروسية فشلت، لكن يمكن قياس نجاحها بالنسبة لفصائل المعارضة فلكل فصيل مكتب إعلامي، وإعلام المعارضة وضعه صعب، حقق نجاحات فردية”.

وكالات اعلام اجنبية في قاعدة حميميم في اللاذقية 2018 (وزار الدفاع الروسية)

الاستثمار في ثغرات الخصوم

رفدت روسيا تحركها الإعلامي، بسياسة تقوم على إعادة إنتاج روايات الأطراف الأخرى، وتوظيفها بما يخدم مصالحها عبر الاستفادة من “ثغرات الخصوم”.

تلك الاستراتيجية أكد استخدامها رئيس هيئة الأركان العامة الروسية، فاليري غيراسيموف، في مقال نشره في صحيفة “vpk” الروسية في 26 من شباط 2013، لافتًا إلى أن الإعلام الروسي يقوم “على الاستفادة من الفضاء الإعلامي أو الإلكتروني لإدارة الحرب واستهداف نقاط الخصم”.

وبحسب مدير الاتصالات والإعلام، والباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، مهند الحاج علي، فإن “الإعلام الروسي نجح في نقل الاستراتيجية الإعلامية ككل، من الترويج للنظام وإنجازاته وانتصاراته المزعومة، إلى التركيز على ثغرات الخصوم، وكانت هذه الاستراتيجية ناجحة إلى حد كبير”.

وركز الإعلام الروسي، خلال السنوات الماضية، على إبراز نقاط ضعف المعارضة السياسية السورية، موحيًا بعدم قدرتها على توحيد صفوفها وارتهانها لدول أخرى، واتهامها بعرقلة العملية السياسية، كما ركّز على انتهاكات الفصائل المعارضة والتنظيمات الجهادية التي تقاتل في سوريا.

ونشرت وكالة “ANNA” الروسية، في 26 من آب الحالي، تسجيلًا من داخل مدينة خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي يظهر دخول قوات النظام إلى المدينة، لكن التسجيل ركز على وجود شعارات وعبارات جهادية إلى جانب شعار تنظيم “الدولة الإسلامية” في المدينة.

كما شدد التسجيل على فكرة وجود مقاتلين أجانب وجهاديين يتبعون لـ “جبهة النصرة”، في مناطق من المفترض أنها تخضع لـ “فصائل معتدلة”.

معرض القوة الروسية

روجت وسائل الإعلام الروسية للقوة العسكرية والأسلحة المتطورة التي تمتلكها روسيا وتستخدمها في ساحة الحرب السورية، لتتحول سوريا إلى مكان لتجريب السلاح الروسي الجديد، والترويج له في الأسواق العالمية.

وكان رئيس لجنة مجلس “الدوما” لشؤون الدفاع، فلاديمير شامانوف، قال في 22 من شباط 2018، إن “روسيا أظهرت للعالم بأسره فعالية المجمع الصناعي العسكري، من خلال اختبار أكثر من 200 سلاح جديد في سوريا، ما أسهم في زيادة مبيعات روسيا من السلاح، حتى من قبل بلدان ليست حليفة”.

كما استحدثت وزارة الدفاع الروسية، في 1 من آب الماضي، عبر موقعها الرسمي قسمًا خاصًا حول أنشطة القوات الروسية في سوريا، وقالت في بيان لها إن “الوزارة أطلقت قسمًا تفاعليًا خاصًا تحت تسمية العملية في سوريا، لتغطية أنشطة القوات المسلحة لروسيا الاتحادية في مجال مكافحة الإرهاب الدولي والجهود التي تُبذل من أجل استعادة الحياة السلمية في سوريا”.

ويتكون القسم من عدة فصول، ويتحدث عن الأعمال القتالية للقوات الروسية مدعومًا بتسجيلات تظهر قصف الطائرات الروسية لما تسميه “أماكن الإرهابيين”، ويترافق مع مؤتمر شبه يومي للمتحدث باسم وزارة الدفاع، في قاعة عسكرية محاطًا بالخرائط العسكرية والشاشات العملاقة، للحديث عن الإنجازات العسكرية الروسية.

فضلًا عن ذلك، استخدمت روسيا الإعلام للترويج لنتائج تحركاتها في سوريا على المستوى السياسي، إذ خصصت وزارة الدفاع الروسية نشرة يومية على موقعها الرسمي تحت عنوان “النشرة الإخبارية لوزارة الدفاع في الاتحاد الروسي عن سوريا“.

وتتحدث النشرة عن الأوضاع المعيشية للسوريين في مناطق المصالحات التي رعتها سوريا، وحركة عودة اللاجئين من دول الجوار وأعدادهم وفق الخطة الروسية لإعادة اللاجئين، والمساعدات الإنسانية التي تقدمها للأهالي في عدة مناطق تحت سيطرة النظام.

الصحفي الروسي لدى وكالة ana news ألكساندر خارتشينكو يحيط بمجموعة من الأطفال السوريين- 26 من نيسان 2019 (‏‎Aleksandr Kharchenko فيس بوك)

إعلام الروس..

مهنية “شكلية” ومصدر “غير موثوق” للغرب

تفرُّد الإعلام الروسي بتغطياته الميدانية السورية ومواكبته الإخبارية للأحداث في سوريا، كمًا ونوعًا، جعل من الضروري تسليط الضوء على مدى مهنية وسائله، بشقيها الرسمي والخاص، في نقل الوقائع على الأرض السورية، وما إذا أصبحت بالفعل مصدرًا “موثوقًا” للأخبار المتعلقة بالشأن السوري، على مدى السنوات الماضية.

تعليقًا على ذلك، يرى  الصحفي والمحلل السياسي السوري المطّلع على الشأن الروسي، نصر اليوسف، أن الإعلام الروسي لا يمكن أن يصبح مصدرًا موثوقًا للأخبار السورية، خاصة بالنسبة للغرب، الذي يوجه اتهامات دائمة له بعدم الحيادية.

وأضاف اليوسف في حديثه لعنب بلدي أن الإعلام الروسي معروف منذ زمن لدى الغرب بأنه إعلام “موجّه” وناطق باسم طبقة الكرملين الحاكمة، على حد تعبيره، مشيرًا إلى أن الغرب لديه مصادره الخاصة في نقل الخبر السوري بعيدًا عن الإعلام الروسي.

واستشهد اليوسف على العلاقة “السيئة” بين الغرب والإعلام الروسي، بالقمة الأخيرة التي جمعت قادة “مجموعة السبع الكبار” في فرنسا، في 24 من آب الحالي، حين رفضت فرنسا إعطاء تصاريح لوسائل الإعلام الروسية من أجل تغطية القمة والقرارات الناتجة عنها والاجتماعات التي عُقدت على هامشها بين الدول المشاركة، وهي الولايات المتحدة، وكندا، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان.

كما أن البرلمان الأوروبي، اعتمد قرارًا في مواجهة وسائل الإعلام الروسية، في 23 من تشرين الثاني عام 2016، وصف فيه وكالة “سبوتنيك” الروسية وقناة “روسيا اليوم” (RT) بأنهما “الأكثر خطورة”.

وجاء في نص القرار، الذي يحمل اسم “التواصل الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي حول كيفية مواجهة دعاية دول ثالثة”، أن وسائل الإعلام الروسية والمؤسسات الداعمة لها تمثل أحد التهديدات الإعلامية الأساسية على الاتحاد الأوروبي وشركائه في شرق أوروبا.

أما بالنسبة لمدى ثقة السوريين بالإعلام الروسي، فيرى الصحفي السوري المقيم في روسيا، أن السوريين الذين يتابعون الإعلام الروسي ويثقون بما يقول، هم ليسوا من يبحثون فعليًا عن الحقيقة، بل هم من يبحثون عن أخبار ترضي توجهاتهم السياسية وتلائم ما يتمنون أن يحصل. وأشار إلى أن السوريين المعارضين للنظام السوري لا يثقون بما ينطق به الإعلام الروسي، كونهم على يقين أن روسيا هي من تحمي ذلك النظام وتدعمه وتحاول إعادة تأهيله.

وأضاف أن بعض وسائل الإعلام الروسية تعتمد على عناوين “صفراء” لجذب القرّاء والمتابعين، ما جعلها من أكثر وسائل الإعلام المُتابَعة في سوريا، إلا أن “كثرة عدد المتابعين لا يعني بالضرورة أن الوسيلة تطبق معايير مهنية سليمة، من ناحية الشكل والمضمون”، وفق تعبيره.

ومع ذلك يرى نصر اليوسف أن وسائل الإعلام الروسية، خاصة وكالات الأنباء الرسمية، تتمتع بمهنية من ناحية الشكل كونها تنتمي إلى مدرسة صحفية عريقة وتلتزم بمعايير صحفية دولية، وذلك إذا ما قارناها بالإعلام السوري.

أما من ناحية المضمون فالإعلام الروسي “موجه ومبتعد عن الحيادية التي يجب أن تكون العمود الأساسي في العمل الصحفي”، حسب قول اليوسف، معللًا ذلك بأن الدولة الروسية تضع يدها على الإعلام  في روسيا وتوجهه وفقًا لما ترى، حتى أصبح ينطق بلسان واحد.

استطلاع رأي: السوريون لا يثقون بالإعلام الروسي

أظهر استطلاع للرأي أجرته عنب بلدي أن أغلب السوريين لا يثقون بما تقدمه وسائل الإعلام الروسية، في تغطياتها الإخبارية حول سوريا.

وطرحت عنب بلدي على متابعي صفحتها في “فيس بوك”، السؤال التالي: ” هل تثق بتغطيات وسائل الإعلام الروسية للأحداث في سوريا؟”.

88٪ من المشاركين في الاستطلاع أجابوا بـ “لا”، بينما أجاب 12٪ فقط، من أصل 1200 مشارك، بـ “نعم”.

وأجمع المعلّقون على منشور الاستطلاع على عدم ثقتهم بالأخبار الروسية، وكتبت المستخدمة سارة مصطفى، أنها لم تسمع بأي شيء روسي ذي مصداقية، كما اعتبر تيم الزبيدي أن الروس “أساتذة الكذب”.

هل تثق بتغطيات وسائل الإعلام الروسية للأحداث في سوريا؟

Gepostet von ‎جريدة عنب بلدي Enab Baladi‎ am Mittwoch, 28. August 2019

مراسلون روس يسبقون النظام إلى الميدان

برز الإعلام الروسي في التغطيات الميدانية على الساحة السورية، حين أصبح مراسلوه الحربيون أول من يدخلون إلى ساحات المعارك برفقة العسكريين السوريين، وينقلون أخبارًا ميدانية كان من المفترض أن يعلنها الإعلام الرسمي السوري أو الجهات الرسمية التابعة للنظام.

وهذا ما حدث مؤخرًا في مدينة خان شيخون في إدلب، حين تضاربت الأنباء حول سيطرة النظام على المدينة، وأعلن مراسل وكالة “ANNA” الروسية سيطرة النظام عليها، قبل أن تصدر “القيادة العامة للجيش” التابعة للنظام السوري بيانًا رسميًا حول ذلك.

الصحفي والمحلل السياسي السوري، نصر اليوسف، يرى أنه من الطبيعي أن يسبق المراسلون الروس نظراءهم السوريين في التغطيات الميدانية، كون روسيا تضع يدها على جميع الملفات السورية، بما فيها السياسي والعسكري، وهي التي تخطط وتدير جميع العمليات العسكرية على الأراضي السورية، وعلى النظام التنفيذ فقط، كما يقول.

وأضاف أن السياسة العسكرية الروسية، منذ الحرب العالمية الثانية، تعتمد على إرسال صحفيين حربيين مع الجيش الروسي في المعارك التي يخوضها خارج البلاد، حيث يرافق مراسل ميداني واحد على الأقل عناصر الاقتحام في ساحات المعارك ليكون أول من يعلن المستجدات على الأرض.

وتابع، “في الحالة السورية ترسل روسيا مراسلين حربيين إلى سوريا، وتطلب من النظام السوري أن يفرز لهم كتيبة من العساكر ترافقهم في تغطياتهم الميدانية وتؤمّن الحماية اللازمة لهم”.

وهذا ما لم يطبقه النظام على المراسلين السوريين الموالين له، إلا في حالات قليلة، بحسب اليوسف، إذ يرفض النظام أن يعطي المراسل السوري حرية كبيرة في الحركة والتنقل بموجب سياسة تضييق إعلامي يطبقها منذ زمن حتى على الموالين له.

واعتبر اليوسف أنه من غير المنطقي أن يرفض النظام دخول المراسلين الروس إلى ساحات الميدان أو أن يفرض عليهم رقابة إعلامية، كونهم موفدين بشكل مباشر من القيادة الروسية، وكونه مطمئنًا من عملهم وفق الرؤية الروسية الرسمية، وهو ما يصب بالنتيجة في مصلحة النظام السوري.

مقالات متعلقة