ع ع ع

مراد عبد الجليل| أحمد جمال| حباء شحادة

لم يكن قد مضى على اتفاق التسوية في محافظة درعا، جنوبي سوريا، ستة أشهر حين عادت المظاهرات إلى ساحة الجامع العمري في مركز المحافظة مرة أخرى، وعاد المتظاهرون يهتفون ضد النظام بعد أن أُسقط في المحافظة سابقًا، وعاد إليها بموجب اتفاق التسوية.

مظاهرة العمري التي خرجت في كانون الأول 2018 كانت أحد أشكال رفض الإجراءات الأمنية التي فرضها النظام السوري، والتي خضعت بمعظمها لسيطرة فصائل المعارضة بين عامي 2012 و2018.

أُلحقت مظاهرة العمري بمظاهرات أخرى تزامنت مع ذكرى الثورة السورية في آذار 2019، تركت تعبيرًا عن الاستياء من محاولة نصب تمثال لحافظ الأسد، والتردي الخدمي، فضلًا عن حملات السَّوق للخدمة العسكرية، والاعتقالات المتكررة، التي وصل بسببها عدد المعتقلين منذ اتفاق التسوية في تموز 2018 حتى آذار 2019 إلى 380 شخصًا، حسب إحصائية صادرة عن الأمم المتحدة في أيار الماضي.

ومع مضي عام على الاتفاق، استمرت حالات الاعتقال التي حملت مسمى “الدعاوى الشخصية” وذريعة الانتماء لتنظيم “الدولة الإسلامية”، وازداد التضييق على أهالي المحافظة، مع توالي المناوشات على الحواجز العسكرية، وزيارة كبار مسؤولي النظام للمحافظة، الذين كان أهمهم الرئيس السابق لفرع المخابرات الجوية، اللواء جميل الحسن، ورئيس شعبة المخابرات العامة محمد محلا.

وسرعان ما تصاعدت الأحداث مع اغتيال قادة سابقين في المعارضة وانتشار التفجيرات واستهداف النواحي والمراكز الحكومية والنقاط الأمنية التابعة للمخابرات الجوية بشكل خاص، مع فرض التجنيد الإجباري على عناصر التسويات والمصالحات ونقلهم إلى جبهات إدلب.

كما طالت الاغتيالات مدنيين وعسكريين، وجرائم السطو المسلح والخطف، مع تزايد حالة الفلتان الأمني، التي بلغت ذروتها خلال شهر تموز الذي توالت فيه التفجيرات والاغتيالات موقعة قتلى وجرحى في صفوف النظام السوري وأدت إلى زيادة التصعيد الأمني.

يسلط هذا الملف الضوء على مرحلة ما بعد اتفاق التسوية في محافظة درعا، ويوضح أبرز البنود التي تم خرقها من قبل طرفي الاتفاق، فضلًا عن الدور الروسي والإيراني في المحافظة، في محاولة لتوضيح ملامح المرحلة المقبلة على المستوى الأمني.

علم النظام السوري فوق حطام أبنية في مدينة درعا- 12 من تموز 2018 (AFP)

فساد وتعقيد أمني يعرقلان التطبيق

ماذا حلّ باتفاق التسوية في درعا؟

تم التوصل إلى اتفاق التسوية في درعا عقب حملة عسكرية تلت سيطرة النظام على محيط دمشق وريف حمص الشمالي بتسويات عملت روسيا على تمريرها، وتسببت الحملة حينها بنزوح 234 ألف شخص من المحافظة، وفق إحصائية صادرة عن الأمم المتحدة في 11 من تموز 2018، ووضعت فصائل المعارضة أمام خيار تسوية أوضاعهم أو التهجير نحو الجيب الأخير للمعارضة في إدلب.

قبلت أغلب فصائل المعارضة في المحافظة بالتسوية التي حملت وعودًا بتخفيف القبضة الأمنية والإفراج عن المعتقلين، مع سحب قسم من السلاح الثقيل الموجود بيد الفصائل وبقاء بعضه بيد ما عرف بـ “فصائل التسوية” التي استغلها النظام مباشرة في قتال ما تبقى من خلايا تنظيم “الدولة الإسلامية” في غربي المحافظة.

الاتفاق الذي أُقر، في 6 من تموز 2018، كان برعاية وضمان روسيا، وتركزت أبرز بنوده على تسليم المعابر الحدودية للقوات الحكومية، وتسليم السلاح الثقيل والمتوسط من الفصائل العسكرية إلى النظام، ودخول مؤسسات الدولة إلى المناطق التي كانت خارج سيطرة النظام سابقًا وعودة الموظفين إلى أعمالهم، إضافة إلى تسوية أوضاع المسلحين والمطلوبين من أبناء المحافظة، وإعطاء مهلة ستة أشهر لمستحقي الالتحاق بالخدمة الإلزامية، ووقف عمليات الاعتقالات والملاحقات الأمنية والإفراج عن المعتقلين.

لكن معظم بنود الاتفاق المتعلقة بمصالح سكان درعا لم تُنفذ من قبل النظام بعد مرور عام على توقيع الاتفاق، خاصة ما يتعلق بخروج المعتقلين وتسوية أوضاع المنشقين والمطلوبين وإيقاف الملاحقات والبلاغات الأمنية بحق أصحاب التسويات، وعودة المؤسسات الحكومية والموظفين إلى عملهم، بحسب عضو لجنة المفاوضات المركزية في درعا، المحامي عدنان المسالمة.

ما هي لجنة المفاوضات المركزية ومَن تمثل؟

شُكلت اللجنة المركزية عقب سيطرة النظام السوري على محافظة درعا في حزيران 2018، ونتج عن تحركاتها تسوية أوضاع آلاف السكان من المطلوبين بتهم مختلفة في خطوة لإعادة الهدوء إلى درعا.

وتتألف اللجنة من شخصيات معارضة بعضهم قياديون في “الجيش الحر” وبعض الناشطين المدنيين والمشايخ والحقوقيين، أمثال: المحامي عدنان مسالمة، الشيخ فيصل أبازيد، الشيخ أحمد بقيرات، أبو مرشد البردان، المهندس يعرب أبو سعيفان، مصعب البردان.

ويتركز عمل اللجنة في مدينة درعا البلد ومناطق طفس وحوض اليرموك بريف المحافظة، وهذه المناطق خارجة بشكل جزئي عن قبضة النظام.

ويشمل دورها الاجتماع مع قياديين في النظام السوري وروسيا باعتبارها الضامنة للاتفاق، لنقل مطالب الأهالي المتمثلة بوقف الاعتقال ورفع القبضة الأمنية وحل قضية المعتقلين والمنشقين.

وتحظى اللجنة بتأييد شعبي وثوري من الأهالي والمعارضة متمثلة بالقياديين السابقين في “الجيش الحر”، والذي عبر عنه القيادي السابق أدهم الكراد عبر “فيس بوك”، في بيان موقّع من قبل عدد من القياديين والناشطين.

جندي روسي على عربته المدرعة يراقب المعارضين لاتفاق التسوية في أثناء إجلائهم من مدينة درعا- 15 من تموز 2018 (AFP)

انقلاب على بنود التسوية؟

يقول المسالمة، في حديث إلى عنب بلدي، “جرى توقيع ورقة تسوية تلغى بموجبها جميع البلاغات والمطالبات بحق كل من أجرى التسوية وتضمن عدم ملاحقة أصحابها، إلا أن هناك خرقًا لهذا البند من قبل بعض الأجهزة الأمنية وعدم تنفيذ الالتزامات بهذا الخصوص”.

ويضيف المسالمة أن “مؤسسات الدولة لم تدخل بشكل فعلي وحقيقي إلى مناطق التسوية في درعا بسبب وجود جهاز بيروقراطي فاسد يرأسه محافظ يجاهر بعدائه لنا”، بحسب تعبيره.

ورغم الوعود الكثيرة التي تتلقاها اللجنة، إلى جانب عدم معالجة ملف عودة الموظفين بجميع اختصاصاتهم إلى وظائفهم، يقول عضو لجنة المفاوضات إن ملف الموظفين والمهنيين لم يعالج “بسبب كثرة الأجهزة الأمنية التي تدرس وتتدخل بهذا الملف وعدم وجود قرار ملزم من الأمن الوطني بعودتهم إلى أعمالهم”، مضيفًا أنه “في حال حصلت الموافقة يتم تعطيل عودة الموظفين والمهنيين بجميع السبل البيروقراطية، إذ إنه لم يستطع أي محام أو دكتور أو مهندس أو موظف العودة إلى الخدمة حتى الآن إلا ما ندر وبسبب ظروف خاصة”.

يرى محافظ درعا السابق الذي كان يشغل المنصب في أثناء سيطرة المعارضة، المحامي علي الصلخدي، أن النظام السوري غير قادر على الالتزام بعهوده وتنفيذ بنود الاتفاقيات التي يوقعها، إلى جانب فقدان السيطرة على القرار بسبب التدخل الروسي والإيراني في المنطقة.

ويقول الصلخدي، في حديث إلى عنب بلدي، إن لجان المفاوضات في محافظة درعا تطالب النظام بشكل دائم بتنفيذ بنود الاتفاق وإعادة الموظفين والمحامين وغيرهم إلى وظائفهم، لكن الأخير لا يستجيب لجميع المطالب، وما زال يستمر بحملات الاعتقالات التي طالت النساء، الأمر الذي زاد حدة الاحتقان الشعبي وأدى إلى اندلاع مظاهرة شعبية في درعا.

اعتقالات وسَوق إلى الخدمة

بالنسبة للمنشقين ومستحقي السَوق إلى الخدمة الإلزامية من أبناء المحافظة، بقي هذا الملف دون معالجة ودون تطبيق يتناسب مع الاتفاق، فالمدة التي أعطاها الاتفاق للمنشقين والمطلوبين لم يتم الالتزام بها، إذ زجهم النظام في الصفوف الأولى للمعارك ومنع أهاليهم من إقامة العزاء لهم، بحسب محافظ درعا السابق، علي الصلخدي، مؤكدًا أن مئات العناصر من أبناء حوران يقاتلون اليوم في صفوف قوات النظام في الشمال السوري.

ويرى المسؤول السابق في المعارضة أن النظام اعتمد سياسته القديمة في درعا بعد الاتفاق مع المعارضة، وذلك بإعادة قبضته الأمنية التي اعتقل بموجبها معظم أبناء المحافظة من أصحاب التسويات بتهم ومذكرات مختلفة، وصلت إلى إعدام البعض في معتقلاته، وفق قوله.

وضع ضبابي في عدة قطاعات

لا يزال الشلل يحكم قطاعات خدمية وتعليمية واقتصادية في درعا، إلى جانب الفلتان الأمني المتمثل بهجمات متواصلة تطال القوات العسكرية والأمنية، وعمليات الاغتيال المتكررة ضد شخصيات وقياديات مدنية وعسكرية، الأمر الذي يشير إلى فشل النظام بإدارة المنطقة ويؤكد على استمرار الحراك الشعبي الرافض لتلك السياسات، بحسب المحامي الصلخدي.

ولا يزال مستقبل الطلاب معلقًا بعد رفض وزارة التربية الاعتراف بشهادات الطلاب التي حصلوا عليها من مؤسسات المعارضة، لتفرض عليهم بذلك إعادة الدراسة مجددًا، وهذا ما يرى فيه الصلخدي تهديدًا لمستقبل طلاب المنطقة.

كما أن النظام عاد إلى تمجيد رموزه وإعادة التماثيل الخاصة بها ورفع شعاراته الحزبية في درعا بعد السيطرة عليها، مقابل إهمال الواقع الاقتصادي بشكل ملحوظ، لتشهد المنطقة فسادًا أمنيًا ومؤسساتيًا وخدميًا، تجلى في أزمات المياه والكهرباء، والخبز الذي تضاعف سعره مع الكثير من المواد الأساسية ما أرهق سكان المحافظة، وفقًا للصلخدي.

ويرفض النظام عبر مسؤوليه الإفراج عن معتقلي درعا في الأفرع الأمنية، وهذا ما أكده رئيس المخابرات الجوية السابق، جميل الحسن، خلال زيارته إلى المحافظة في تشرين الثاني 2018، بربطه ملف المعتقلين بمحادثات “أستانة”، التي تناقش الملف السياسي لسوريا، ومطالبته الأهالي بأن ينسوا المعتقلين حتى الانتهاء من المحادثات السياسية.

ويقول الصلخدي إن جميل الحسن أطلق تهديدات في أثناء زيارته إلى درعا، وطالت التهديدات بصر الحرير وناحتة بشكل خاص، لتحميل البلدتين مسؤولية مقتل عسكريين من قوات النظام في وقت سابق.

ومع كل المعطيات السابقة التي سجلتها درعا خلال عام على اتفاق “التسوية”، فإن مستقبل المنطقة ما زال غير واضح في رؤيته السياسية والأمنية، الأمر الذي يصفه عضو لجنة المفاوضات في درعا، المحامي عدنان المسالمة، بـ “الوضع الضبابي”.

ويضيف المسالمة، “حقيقة الوضع ضبابي لا يمكن التكهن بما ستؤول إليه الأمور بسبب غياب المصداقية وفقدان الثقة بين جميع الأطراف والتدخلات بالشأن السوري الذي يتجاوزنا نحن كسوريين”.

مقاتل في الجيش الحر في درعا (AFP)

هل فشل النظام في السيطرة على درعا؟

عمر الحريري

بعد عام كامل على اتفاقية “التسوية” التي وُقعت في محافظة درعا، بات واضحًا أن سيطرة قوات النظام عليها هشة للغاية، عمليات الاغتيال لا تتوقف والفوضى الأمنية والهجمات المسلحة تتصاعد يومًا تلو الآخر، لترسم هذه الحالة مشهدًا استثنائيًا في جميع اتفاقيات “التسوية” التي أبرمها النظام سواء في دمشق ومحيطها أو في حمص وريفها، والتي نجح فيها في إحكام قبضته الأمنية و”النجاة” من أي عمليات مقاومة مسلحة ضده، إلا أنه فشل في درعا بشكل ذريع، فما الأسباب؟

يجب في البداية أن نفهم أن اتفاقية درعا تختلف في كثير من البنود الجوهرية عن الاتفاقيات الأخرى، فقد أوجدت قوة موالية لروسيا تسيطر على مساحة مهمة من ريف درعا الشرقي لا يستطيع النظام دخولها على الإطلاق، الحديث هنا عن الفيلق الخامس المؤسس من “قوات شباب السنة” الذي يسيطر على بصرى الشام ومحيطها، كما أن الاتفاقية أتاحت للنظام الدخول بشكل جزئي إلى محيط درعا البلد في مدينة درعا وبلدة طفس في ريفها الغربي، أي أن كلا المنطقتين، وغيرهما، ما زالتا خارج السيطرة المباشرة لقوات النظام عمليًا.

بالإضافة إلى ذلك فإن النظام فتح الأبواب بشكل واسع لعمليات تجنيد مقاتلي “فصائل التسوية” والمطلوبين للخدمتين الإلزامية والاحتياطية، الآلاف التحقوا بقوات النظام وأفرعه الأمنية بعد حصولهم على وعود بعدم مشاركتهم في أي معارك خارج المحافظة، الأمر الذي مهد لحالة استطاع فيها آلاف المقاتلين السابقين الحفاظ على أسلحتهم، والحصول على بطاقات أمنية أو عسكرية تسهل لهم حركتهم، دون إغفال أن من بين هؤلاء قياديين سابقين أيضًا.

بهذا أصبحت درعا أمام مشهد يتكون من مناطق خارجة عن السيطرة الكاملة وانتشار واسع للسلاح المتفلت، لتضاف إليها الانتهاكات التي ارتكبها النظام وعمليات الاعتقال والتنصل من الوعود بتعزيز الخدمات والإفراج عن المعتقلين، ما عزز من حالة الاحتقان وظهور المجموعات التي تتملكها الرغبة بـ “إزعاج” النظام و”أذيته” في درعا، دون إغفال الحديث المتكرر عن تعدد الولاءات بين الأطراف المسلحة المختلفة. معادلة كاملة الأركان لظهور الفوضى المسلحة وعمليات الاغتيال التي تشهدها درعا اليوم.

هذه المقدمات كان من الطبيعي أن توصل إلى النتيجة الحالية، بل إن كثيرين توقعوا منذ اللحظة الأولى لإقرار الاتفاقية أنها لن تصمد طويلًا. درعا تحولت إلى كومة من الرماد المتستر تحت القش القابل للاشتعال في أي لحظة، ولعله يشتعل تدريجيًا الآن. ليُطرح السؤال: هل تقصد النظام الوصول إلى هذه النتيجة منذ توقيع الاتفاقية أم أن خياراته كانت محدودة؟

بالعودة إلى المعركة التي مهدت للوصول إلى اتفاقية “التسوية”، فإن قوات النظام اجتاحت ريف درعا الشرقي بشكل شبه كامل، لتدفع بمئات الآلاف من المدنيين للنزوح نحو محافظة القنيطرة، ولتحصر عشرات آلاف المقاتلين معهم أيضًا. الانهيار السريع وغير المتوقع لجبهات فصائل المعارضة سواء بالسقوط العسكري كما حصل في بصر الحرير أو بالاتفاقيات المنفصلة كما حصل في داعل وغيرها، دفع بالمعارضة للرضوخ للتفاوض ومحاولة إيقاف الهجمة العسكرية بأقل الخسائر الممكنة.

النظام أيضًا كان يبحث عن إيقاف المعركة رغم رجحان كفتها عسكريًا لصالحه، لأن استمرارها والوصول إلى مرحلة المواجهة مع المحاصرين في القنيطرة قد يضع النظام تحت ضغط عسكري من المحاصرين أنفسهم وتحت ضغط سياسي من المحيط الإقليمي الذي يرى حدوده تشتعل بالنازحين والمعارك. بالإضافة إلى أن النظام كان سيربح من إيقاف الهجمة عسكريًا والانتقال للحلول البديلة، بإيقاف نزيفه البشري وخسائره المادية، والحصول على فرصة لتجنيد الآلاف من الشباب بدل دفعهم للتهجير شمالًا والانضمام للمعارضة هناك.

هي معادلة جديدة كان كلا الطرفين رابحين في بعض بنودها وخاسرين في أخرى، وإن كان النظام الأكثر ربحًا آنذاك والأكثر خسارة الآن. المعطيات السابقة لم تتوفر في أي من اتفاقيات التسوية في المناطق الأخرى، لذلك فإن درعا تميزت بهذه النتيجة عكس ما جرى في تلك المناطق.

المشهد الحالي يجعل من الصعب توقع ما قد يجري في المستقبل القريب، تصاعد العمليات وكثافتها قد تدفع النظام لاتخاذ حلول لحماية قواته وتغيير أركان اتفاقية “التسوية”، ليُفتح الباب مرة أخرى للحديث عن عمليات عسكرية أو أمنية أو ربما اتفاقية جديدة، لكن أيًا من هذه الحلول لا يبدو قريبًا مع انشغال النظام الكامل في شمال سوريا، ما يضع المبادرة في يد الطرف الآخر الذي يناوش النظام هنا وهناك.

فشل النظام في السيطرة على درعا، رسمته معادلات تزامنت مع اللحظة التي وُقعت فيها الاتفاقية نفسها، ومع رؤية النظام وتحليله لقواته آنذاك ولمستقبل درعا فيما بعد، لتبقى علامة الاستفهام الأكبر هي الدور الدولي والإقليمي في رسم هذه النتيجة.

استطلاع رأي: سلاح المعارضة قلل سطوة النظام في درعا

أجرت عنب بلدي استطلاعًا للرأي طرحت فيه على متابعيها السؤال التالي، برأيك.. لماذا لم يتمكن النظام السوري من إحكام السيطرة على درعا بعد التسوية؟

ومن ضمن سببين طرحتهما عنب بلدي، رجّح المشاركون في الاستطلاع، الذين وصل عددهم إلى 689، أن يكون امتلاك فصائل التسويات في درعا للسلاح بعد التسوية، هو السبب في عدم إحكام النظام قبضته على درعا كما في مناطق أخرى خضعت لتسويات مشابهة.

وصوّت لهذا الخيار 59٪ من المشاركين، مقابل 41٪ اعتبروا أنّ الدور الروسي في المحافظة قلل من السيطرة الأمنية للنظام.

المشارِك “أبو خالد”، الذي علّق على منشور الاستطلاع، اعتبر أنّ “السبب هو أن بنود التسوية التي سمحت للثوار بالاحتفاظ بأسلحتهم، مقابل السماح للنظام بالسيطرة على المعابر الحدودية، ووقف القصف”.

أما “إياد مقداد” فيرى أن “بقاء السلاح (بيد الفصائل) هو ما سيقضي على ما تبقى من معارضة”، وأضاف أن “عمليات الاغتيال إن كان للمدنيين أو للعسكريين لا تدخل بحسابات الدولة، ولا تؤثر عليها، حتى لو تم اغتيال أكبر الشخصيات بالجنوب، بل سيتم استغلالها مستقبلًا للسيطرة المطلقة”، معتبرًا أن “عامل الوقت لصالح الدولة”.

بينما ذهب المشارِك “أحمد أبو العز” إلى رأي ثالث، مشيرًا إلى أنّ “إرادة أبناء درعا ورفضهم للذل” قللا سطوة النظام، وأيده في هذا الرأي المشارِك أحمد راشد، والمشارِك “أحمد نبنب” الذي اعتبر أنّ “وجود الشرفاء في درعا سينصر الشعب على الطغاة”.

برأيك.. لماذا لم يتمكن النظام السوري من إحكام السيطرة على درعا بعد التسوية؟إذا كانت لديك تعليقات وأسباب أخرى شاركنا إياها في التعليقات

Gepostet von ‎جريدة عنب بلدي Enab Baladi‎ am Montag, 29. Juli 2019

فوضى أمنية في درعا.. “اسألوا الروس”

شهدت بعض مناطق محافظة درعا فوضى أمنية خلال النصف الأول من عام 2019، تمثّلت في الاغتيالات المتكررة، وخاصة في شهر تموز الماضي، الذي بلغت فيه عدد عمليات ومحاولات الاغتيال 30 حالة، أدت إلى مقتل 16 شخصًا وإصابة 11 آخرين ونجاة ثلاثة بحسب مكتب توثيق الشهداء في درعا، وهو ما أثار كثيرًا من علامات الاستفهام حول دور روسيا في المنطقة، التي كانت راعية لاتفاق التسوية في الجنوب.

وعملت روسيا جاهدة على تفادي الصدام العسكري مع الفصائل المقاتلة، وتوجهت إلى نظام المصالحات على غرار المناطق الأخرى مثل الغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي، وقدمت تعهدات عديدة للمدنيين ومقاتلي الفصائل مقابل قبولهم بالتسوية وتجنب القتال.

كما عملت على إيجاد قوى موالية لها في درعا تحت اسم “الفيلق الخامس”، الذي تم تشكيله في نهاية 2016 بأوامر روسية ليكون ذراعًا لها على الأرض، بقيادة القائد السابق لفصيل “أسود السنة” في درعا، أحمد العودة.

يقول عضو هيئة التفاوض السوري، العميد إبراهيم جباوي، إن روسيا نفضت يدها من اتفاق التسوية في درعا ولم تمنع دخول قوات النظام إلى المدن والبلدات وسحب الشباب إلى الخدمة الإلزامية.

ويعتبر جباوي في حديث لعنب بلدي أن الوضع في الجنوب قد ينبئ بانفجار عنيف، إذا لم تستدرك روسيا الأمر وتعود إلى التزاماتها، “وهذا يرعب النظام ويقلق راحة روسيا”، مشيرًا إلى ضرورة تدخل الروس لمنع سَوق الشباب إلى الخدمة الإجبارية ورفع الحواجز وإدخال المساعدات.

روسيا في درعا.. فشل أم تجاهل؟

انقسمت المناطق في درعا بعد التسوية إلى قسمين، مناطق تحت الجناح الروسي المتمثل في “الفيلق الخامس” والذي ينتشر في مدينة بصرى الشام وبعض القرى القريبة منها في ريف درعا الشرقي، ومناطق خارج السيطرة تمامًا وانتشار السلاح فيها كما في مناطق الريف الغربي.

وبالنظر إلى الحوادث الأخيرة فإن جميعها وقعت في مناطق درعا والريف الغربي، في حين خلت مناطق “الفيلق الخامس” من أي عمليات اغتيال أو اعتقالات أو انتهاكات أو دخول لقوات النظام إلى المنطقة خلال عام من التسوية، ما أثار إشارات استفهام حول الأمر وعدم محاولة الروس التدخل في باقي المناطق.

وتوجهت عنب بلدي بالسؤال حول ما يجري في المنطقة والموقف الروسي منها، إلى النائب السابق لرئيس الهيئة العليا السورية للمفاوضات، خالد محاميد، الذي لعب دورًا كبيرًا في اتفاق التسوية في درعا، إلا أنه رفض الحديث كونه “خارج المعادلة”، بحسب تعبيره، واكتفى بالقول “الأفضل أن تسأل الروس”.

في حين يعتبر مصدر مطلع في درعا لعنب بلدي، طلب عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، أننا أمام عدة تجارب في درعا منها ما فشل فيها الروس “فشلًا ذريعًا” كما يحصل الآن في بعض المناطق، ومنها نجحوا فيها وخلت من أي عمليات أو انتهاكات كما في المناطق الخاضعة لسيطرة “الفيلق الخامس” الموالي لروسيا، والذي نجح في ضبط مناطق نفوذه بالكامل، لافتًا إلى أن الحاضنة الشعبية الموجودة في مناطق الفيلق “مرتاحة” على عكس باقي المناطق.

ويشير المصدر إلى أنه بالنظر إلى باقي المناطق التي شهدت تسويات مثل ريف حمص الشمال والغوطة الشرقية، فإن هناك نية متعمدة باتباع نظرية الفوضى في درعا وترسيخ وجودها من قبل بعض الأطراف، خاصة وأن النظام السوري ليس عاجزًا عن اقتحام بعض المناطق وضبطها أمنيًا، كما أن روسيا ليست عاجزة عن تكرار تجربة “الفيلق الخامس” في مناطق أخرى.

ويوضح المصدر أن محاولات لإنشاء فيلق في الريف الغربي فشلت سابقًا، معتقدًا أن موسكو رسمت للفيلق دائرة ممنوع الخروج منها وإطلاق يده في كل كامل درعا، لكن هدفها من ذلك غير واضح حتى الآن.

في حين يرى عضو لجنة مفاوضات درعا، عدنان المسالمة، أن هناك من يعمل على خلط الأوراق وزعزعة الأوضاع بالجنوب، من قبل المعارضين لاتفاق التسوية سواء من بعض أجهزة النظام أو من المعارضين.

أفراد من الشرطة العسكرية الروسية عند معبر نصيب الحدودي مع الأردن في محافظة درعا- 7 من تموز 2018 (AFP)

أين إيران؟

وبالحديث عن ملف درعا، لا يمكن إغفال الجانب الإيراني، خاصة أن إسرائيل اشترطت على روسيا انسحاب القوات الإيرانية مقابل السماح لقوات الأسد بالسيطرة على الحدود الجنوبية، فبحسب ما قاله المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا، ألكسندر لافرينتيي، في آب العام الماضي، فإن القوات الإيرانية انسحبت من مواقعها جنوبي سوريا لمسافة 85 كيلو مترًا بناء على طلب إسرائيل، وبغية عدم إزعاج القيادة الإسرائيلية.

لكن الأحداث الأخيرة في درعا أعادت الحديث عن تغلغل إيراني في المنطقة ووجود ميليشيات لها، وسط غض الطرف من قبل روسيا عن الأمر، بحسب عضو هيئة التفاوض السوري، العميد إبراهيم جباوي، الذي يعتبر أن موسكو غضت الطرف عن التغلغل الإيراني من أجل دفع إسرائيل لضرب مواقع إيرانية في سوريا، كونها تعتبر منافسة لها في سوريا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.

ويرى جباوي أن لإيران نفوذًا كبيرًا في المنطقة الجنوبية وتسعى إلى تغيير ديموغرافي في المنطقة من خلال تشييع عدد أكبر من أبناء المنطقة، من خلال تقديم إغراءات مادية تمنحها لهم، لكنه أكد أن ثقافة أبناء الجنوب لن تسمح بالتمدد الإيراني.

وعملت إيران خلال السنوات الماضية على عدم الاعتراف رسميًا بوجودها في سوريا، وإنما تقول إنها تدعم النظام بمستشارين فقط، في حين أنه لا يمكن التأكيد على وجود قواعد عسكرية إيرانية في الجنوب خاصة أنه في حال وجودها ستصبح هدفًا للطائرات الإسرائيلية كما يجري في عدة مناطق بسوريا مثل حمص وأطراف دمشق، واكتفت بتجنيد عناصر محليين تابعين لها.

أبرز الهجمات التي طالت قوات النظام بعد تسوية درعا

استهداف القوات الروسية للمرة الأولى

تعرضت القوات الروسية إلى أول محاولة تفجير بعبوة ناسفة من قبل مجهولين في الريف الشرقي لدرعا، في 13 من تموز الماضي، لم تلحق بها أي أضرار.

وقال رئيس مركز المصالحة الروسي في سوريا، اللواء أليكسي باكين، “تم تفجير عبوة ناسفة بدائية الصنع في طريق دورية للشرطة العسكرية الروسية في محافظة درعا، على الطريق الواصل بين بصرى الشام وبلدة السهوة” حسبما نقلت عنه وكالة “سبوتنيك”.

واعتبر باكين أن الهدف من التفجير هو محاولة زيادة حدة الأوضاع.

أعنف هجوم ضد قوات النظام

قتل خمسة ضباط برتبة ملازم أول وأصيب 16 عنصرًا آخرين في استهداف حافلة مبيت تابعة لـ “الفرقة الرابعة” بعبوة ناسفة، على طريق درعا الغربي بين المفطرة وبلدة اليادودة في 17 من تموز الماضي، نسب لـ”إرهابيين” حسبما ذكرت وسائل الإعلام الحكومية.

وقال مراسل عنب بلدي في درعا، حينها، إن المعلومات تشير إلى أن المبيت يضم ضباطًا وعناصر تسوية من ريف دمشق، ولحقه هجوم آخر خلال ساعات استهدف ضابطًا مع زوجته وابنه، قرب قرية الشيخ سعد غربي درعا، نسب أيضًا لمسلحين مجهولين، قامت قوات النظام إثر ذلك بإغلاق الطريق المؤدي للمنطقة الغربية في درعا.

التنظيم يعود إلى الواجهة

فجر “انتحاري” نفسه بحزام ناسف، في 27 من تموز الماضي، مستهدفًا قوات النظام في بلدة مليحة العطش بريف درعا، وتباينت الأنباء حول عدد القتلى والجرحى، إذ ذكرت وكالة الأنباء الرسمية (سانا) أن الهجوم أوقع عددًا من الجرحى، في حين ذكرت شبكة “أخبار درعا” على “تلغرام”، أنه أسفر عن ستة قتلى.

وأعلن تنظيم “الدولة الإسلامية” مسؤوليته عن التفجير، ونقلت وكالة “أعماق” عن مصدر أمني قوله إن الحادثة أوقعت ثمانية قتلى وعشرة جرحى.

وكانت تلك العملية الثانية التي تبناها التنظيم منذ أن تمكنت قوات النظام من السيطرة على مناطق نفوذه في المحافظة في آب من العام الماضي، إذ أعلن في 4 من حزيران الماضي، عن استهداف آلية لقوات الأسد على الطريق بين نامر وخربة غزالة شمال شرقي درعا، بتفجير عبوتين ناسفتين سببتا مقتل ثلاثة عناصر.

فوران الصنمين

شهدت الصنمين اشتباكات متصاعدة بين مسلحين من المدينة وبين عناصر قوات النظام، منذ أيار الماضي حتى اليوم، وبدأت إثر اعتقال شقيق قيادي سابق في المعارضة مع ابن عمه بعملية مداهمة راح ضحيتها عنصرين للنظام وأصيب رئيس مفرزة الأمن الجنائي.

وشهدت المدينة بعد ذلك حصارًا استمر لمدة ثمانية أيام، منع خلالها دخول المواد الغذائية والخدمية، إلى جانب تفتيش أمني دقيق على الحواجز، لينتهي الحصار بضغط روسي قبل انزلاق الأمور نحو المواجهة المباشرة.

وتعرض “سرفيس” يحمل عنصرين يعملان في مشفى الصنمين العسكري إضافة إلى السائق للخطف من قبل مجهولين واقتيدوا إلى جهة مجهولة، ثم توالت الاشتباكات مع حواجز قوات النظام التي ردت بإطلاق النار على الأحياء السكنية في 18 من تموز، متسببة بمقتل طفلين.

وحسبما نقل مراسل عنب بلدي في 31 من تموز الماضي، فقد شهد حاجزا السوق وقيطة في المدينة اشتباكات وسط أنباء عن سقوط قتلى وجرحى من القوات الحكومية، دون إعلان من النظام السوري حول الحادثة وخسائر قواته.

جنود من قوات النظام يرفعون علامة النصر بجوار العلم في تل الحارة في أعلى تل في محافظة درعا الجنوبية الغربية- تموز (AFP)

English version of the article

مقالات متعلقة