ع ع ع

مراد عبد الجليل | ضياء عودة | محمد حمص

على منصة داخل مدينة غزة الفلسطينية، وخلال الذكرى الخامسة والعشرين لانطلاق حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في 8 من كانون الأول 2012، وقف رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، خالد مشعل، ورئيس المكتب الحالي، إسماعيل هنية، أمام حشد من المئات ورفعا علم الثورة السورية، ليكون إعلانًا واضحًا بقطع العلاقات مع النظام السوري والوقوف إلى جانب المتظاهرين السلميين.

مرت العلاقات السياسية بين حركة حماس والنظام السوري بتقلبات منذ تأسيسها، بدأت بمرحلة التردد بفتح أبواب دمشق أمامها في عهد الرئيس السابق، حافظ الأسد، في تسعينيات القرن الماضي، قبل تطور العلاقة بشكل تدريجي لتصل إلى مرحلة الازدهار ثم القطيعة في عهد بشار الأسد.

وقدم النظام السوري دعمًا بمختلف المجالات للحركة، أمّن استقرارها سياسيًا وتطورها عسكريًا، ومع اندلاع الثورة السورية في 2011، حاولت الحركة المحافظة على علاقة متوازنة مع النظام، لكنها لم تتمكن من ضبط مواقفها، وكثيرًا ما تخبطت في تصريحاتها.

ترصد عنب بلدي في الملف تحول العلاقة بين النظام السوري وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) خلال الثورة، والأسباب التي دفعت الحركة للخروج من سوريا وخسارتها أكبر داعم لها في المنطقة، إضافة إلى استشراف مستقبل العلاقة بينهما في ظل تضارب تصريحات “حماس” حول عودة العلاقات.

ضوء أخضر من الأب وخط أحمر من الابن

“حماس” في سوريا بين الأسدين

اتسمت العلاقة بين حركة حماس ودمشق بالبرود في الفترة التي تلت تأسيسها، وسط تطلعات ومحاولات لفتح مكاتب لها في العاصمة السورية، إلى أن عينت أول ممثل لها في دمشق، مصطفى اللداوي، منتصف العام 1991، الذي تقدم بطلب فتح مكتب رسمي للحركة، لم يحظَ بموافقة النظام السوري آنذاك، وطلب منه ممارسة عمله من مكتبه بعيدًا عن الإعلام.

أُسست حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) في 1987 على يد مجموعة من القادة يتقدمهم الأب الروحي للحركة، أحمد ياسين، الذي اغتالته إسرائيل في 2004، لتبدأ مرحلة البحث عن موطئ قدم لها في الدول العربية، فاستقبلت الأردن قادتها في تسعينيات القرن الماضي، وبقوا هناك حتى تدهورت العلاقة في 1999.

توالت الزيارات من “حماس” في التسعينيات إلى سوريا، وكانت أول زيارة رسمية لوفد من الحركة برئاسة رئيس مكتبها السياسي آنذاك، موسى أبو مرزوق، في كانون الثاني 1992، بحسب ما ذكره الباحث الفلسطيني، عبد الحكيم عزيز حنيني، في كتابه “منهجية حركة حماس في العلاقات الخارجية: سوريا نموذجًا 2000-2015”.

أما الزيارة الأهم فكانت لمؤسس الحركة، الشيخ أحمد ياسين، الذي وصل إلى دمشق في أيار 1998، وحظي باستقبال رسمي في مطارها، كما عقد خلال تلك الزيارة لقاءات مع شخصيات رفيعة في النظام، قبل أن تتوج بلقاء مع الرئيس، حافظ الأسد، الذي أعطى الضوء الأخضر للحركة للعمل في سوريا، وأكد حينها أنه أمر القيادة بفتح كل المجالات أمام الحركة والترحيب بها كحركة مقاومة ضد إسرائيل.

استمرت علاقة “حماس” مع النظام السوري في عهد بشار الأسد، الذي اتخذ منذ تسلمه السلطة في العام 2000 شعار الاستمرار في نهج والده في الشؤون الخارجية و”دعم المقاومة لتحرير فلسطين والجولان”، لتبدأ مرحلة الازدهار في العلاقات بين الطرفين.

العلاقة بين الطرفين سارت على أساس المنفعة المتبادلة، إذ استفادت الحركة من النظام السوري بفتح مقرات لها في دمشق، ما حقق لها استقرارًا سياسيًا نسبيًا إضافة إلى الدعم العسكري. في المقابل رسخ النظام السوري من خلال دعمه للحركة تبنيه لمشروع “المقاومة والممانعة” لإسرائيل، إلى جانب إيران و”حزب الله” اللبناني، وقدم نفسه للشعوب العربية مدافعًا عن القضية الفلسطينية.

قادة في حركة حماس الفلسطينية – 2016 (حماس)

مع الشعب أم مع السلطة

اتخذت “حماس” منذ تأسيسها سياسة خارجية تقوم على النأي بالنفس عن الصراعات الداخلية لأي بلد، وتجنب النزاعات والخلافات العربية، لتبقى قضية فلسطين هي المحور الأول والقضية الأساسية للحركة.

لكن مع اندلاع الثورة السورية في 2011 وانتهاج النظام السوري الحل العسكري في مواجهة المظاهرات السلمية، زادت الضغوط على الحركة للخروج بموقف واضح، إما الوقوف بجانب النظام ومخالفة مبادئ المقاومة ونصرة الشعوب، أو الانحياز إلى جانب الشعب السوري، وبالتالي خسارة أكبر داعم سياسي لها في المنطقة.

في حديث لعنب بلدي مع المحلل السياسي الفلسطيني، عماد أبو الروس، قال إن “حماس” وقعت بين أمرين، الأول أنها “حركة تحترم الشعوب وخياراتها، أما الآخر فهو طبيعة العلاقة مع النظام السوري الذي احتضن حماس في أوقات أغلقت الأبواب في وجهها، وشمل الاحتضان الجانبين السياسي والعسكري، بل أخذ أبعادًا أخرى في تمييز حركة حماس داخل سوريا ليصبح لها وزن كبير”.

ومع ازدياد الضغوط على الحركة، أصدرت أول موقف لها من الأحداث الجارية بعد قرابة 15 يومًا من اندلاع الثورة، إذ أكدت في بيان لها، في 2 من نيسان 2011، وقوفها إلى جانب سوريا شعبًا وقيادة، قائلة، “ما يجري في الشأن الداخلي يخص الإخوة في سوريا، إلا أننا انطلاقًا من مبادئنا التي تحترم إرادة الشعوب العربية والإسلامية وتطلعاتها، نأمل تجاوز الظروف الراهنة؛ بما يحقق تطلعات وأماني الشعب السوري، وبما يحفظ استقرار سوريا وتماسكها الداخلي، ويعزِّز دورها في صفِّ المواجهة والممانعة”.

عقب ذلك الموقف، بدأت العلاقة بين النظام السوري و”حماس” تأخذ منحىً أكثر حديّة، إذ هاجم التلفزيون السوري، في تشرين الأول 2012، رئيس المكتب السياسي، خالد مشعل، بشكل لاذع، ووصفه بـ “المقاوم المشرد واليتيم الذي كان يبحث عن ملجأ يأويه قبل أن تفتح دمشق أبوابها”، كما وصفه بـ “الطاعون الذي كانت الدول تتهرب منه باستثناء سوريا”، إضافة إلى اتهامه بأنه “باع المقاومة بالسلطة”.

كما اقتحمت الأجهزة الأمنية التابعة للنظام جميع مكاتب الحركة في دمشق وأقفلتها بالشمع الأحمر، بما فيها مكتب مشعل في منطقة المزة، وصادرت محتوياته، بحسب بيان للحركة في 7 من تشرين الثاني 2012.

في المقابل أعلن مشعل دعمه للثورة السورية وتأييدها بشكل علني وواضح، عندما رفع علم الثورة السورية خلال الذكرى الخامسة والعشرين لانطلاق ”حماس” التي أقيمت في مدينة غزة في 8 من كانون الأول 2012.

وفي مقابلة مع القناة البريطانية الرابعة، في 1 من تموز 2013، أكد مشعل أن الحركة غادرت دمشق عندما فشلت جهودها بإقناع النظام باتخاذ نهج آخر غير النهج العسكري، وقال إن “النظام حاول ممارسة ضغوط لاستقطاب الحركة إلى جانب الموقف الرسمي ودعم سياسته العسكرية، لكن تمسك حماس بمبادئها جعلها تغادر”.

ويقول المحلل السياسي الفلسطيني، طلال نصار، إن “حماس” وقفت بموقفها الحيادي الإيجابي في بداية الثورة السورية، من مبدأ “من أعاننا على الحق لا نعينه على الباطل”، ولكون “مطالب الثورة السورية محقة”.

ويؤكد نصار لعنب بلدي أن الحركة تعرضت لبعض الضغوطات، “لكن لديها مبادئ وثوابت، ولا يمكن أن تبقى شاهدة زور على القتل وسفك الدماء، من أجل ابتزازها بموقف سياسي في ظل بقائها في داخل سوريا”، مشيرًا إلى أنه “عندما كان هناك ضغوطات للخروج بموقف سياسي آثرت الحركة الصمت والخروج بكرامتها”.

مواقف متقلبة

مع تطور الأحداث على الساحة السورية واستمرار النزاع، بدأت تقلبات الحركة حيال الملف السوري بالظهور إلى العلن أكثر، وبدا ذلك واضحًا من خلال التصريحات التي صدرت من مسؤولي الحركة، إذ اعتبر رئيس المكتب السياسي للحركة، خالد مشعل، في تشرين الأول 2013، أن من حق الشعب الانتفاض من أجل حقوقه لكن يجب أن يتم ذلك بوسائل سلمية، طالبًا من الجماعات المقاتلة في سوريا توجيه البندقية نحو فلسطين، وصولًا إلى وصف الثورة السورية بـ “الفتنة”، على لسان رئيس المكتب السياسي الحالي، إسماعيل هنية، الأمر الذي اعتُبر تقربًا من النظام في محاولة لعودة العلاقات.

وفي المقابل استغلّ مسؤولو النظام السوري ورئيسه الأحاديث الإعلامية لتخوين حركة حماس واتهامها بمساندة “جبهة النصرة” في سوريا و”الإخوان المسلمون”، إذ قال الأسد في لقاء مع صحيفة “اكسبرسن” السويدية في نيسان 2015، إن “الأحداث أثبتت أن جزءًا من حماس، التي كانت بدورها جزءًا من الإخوان المسلمين، يدعم جبهة النصرة داخل مخيم اليرموك”.

كما قال في مقابلة مع صحيفة “الوطن” المقربة من النظام في كانون الأول 2016، “كنا ندعم حماس ليس لأنهم إخوان، كنا ندعمهم على اعتبار أنهم مقاومة، وثبت في المحصلة أن الإخونجي هو إخونجي في أي مكان يضع نفسه فيه (…) يبقى من الداخل إخونجيًا إرهابيًا ومنافقًا”.

لكن بعد انتخاب الهيئة السياسية في “حماس” عام 2017 وصعود الجناح العسكري فيها، تبنّت الحركة موقفًا قائمًا على إعادة ترتيب العلاقات بما ينسجم مع مصالحها، بحسب المحلل السياسي عماد أبو الروس، الذي يعتقد أن الحركة سعت، بعد عودة متدرجة للعلاقة مع إيران، إلى ترميم العلاقة مع النظام مرة أخرى، “ولكن يحتاج الأمر الكثير من الوقت”، وفق ما قاله في لقاء مع عنب بلدي.

وفي ظل انتشار أنباء عن وجود محادثات لعودة العلاقات بين النظام والحركة بوساطة إيرانية، نفى النظام السوري ذلك عبر إعلامه الرسمي، الجمعة 7 من حزيران الماضي، ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (سانا)، عن مصدر إعلامي قوله إن “موقف سوريا من هذا الموضوع موقف مبدئي بُني في السابق على أن حماس حركة مقاومة ضد إسرائيل، إلا أنه تبين لاحقًا أن الدم الإخواني هو الغالب لدى هذه الحركة عندما دعمت الإرهابيين في سوريا وسارت في المخطط نفسه الذي أرادته إسرائيل”.

“حماس” نفت وجود أي محادثات مع النظام، وقال القيادي في الحركة، نايف الرجوب، في تصريحات لموقع “الخليج أونلاين“،في 8 من حزيران الماضي، إن العلاقات مع سوريا “لن تعود” في ظل وجود النظام الحالي برئاسة بشار الأسد، مضيفًا أن أي تقرب من النظام “سيكون على حساب الشعوب الحية”، معتبرًا أن “النظام السوري الحالي لم يعد له أي وزن أو قيمة، ومن الخطأ التعويل عليه أو التقرب منه”، مضيفًا، “الملف السوري استُهلك تمامًا، وأصبح رهانًا خاسرًا”.

عناصر من كتائب القسام في قطاع غزة – 2016 (حماس)

“أكناف بيت المقدس”

فصيل “حمساوي” في المعارضة المسلحة

رغم عدم انخراطها بشكل مباشر في الثورة السورية، أفرزت “حماس” جناحًا عسكريًا في مخيم اليرموك عرّف عن نفسه بمسمى “كتائب أكناف بيت المقدس”، يقوده محمد زعموت، المعروف بـ “أبو أحمد المشير”، وهو أحد وجوه حركة حماس في مخيم اليرموك، وعمل مرافقًا لمدير المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل.

لكن الحركة تبرأت من الفصيل، المشكل في الفترة الممتدة ما بين كانون الثاني وآذار من عام 2013.

وارتبط تأسيس “الأكناف” بسلسة من المتغيرات التي عصفت بمخيم اليرموك، الذي يحتضن اللاجئين الفلسطينيين جنوبي دمشق، أولها سلسلة من الحصارات المتتالية التي فرضتها قوات الأسد وجيش التحرير الفلسطيني الذي يقوده، أحمد جبريل، بدءًا من 26 من كانون الأول من عام 2012.

لكن الناشط الإعلامي عمار القدسي، المطلع على شؤون مخيم اليرموك، قال في حديثه لعنب بلدي، إن السبب المباشر لتشكيل جناح عسكري لفلسطينيي المخيم بشكل خاص وريف دمشق بشكل عام، هو مجزرة نفذتها قوات النظام بمخيم اليرموك، حين استهدفت تجمعًا للنازحين من الأحياء الجنوبية لدمشق الذين لجؤوا إلى مخيم اليرموك في 16 من كانون الأول من عام 2012، بحجة استهداف “إرهابيين”.

اعتبر القدسي أن هذه المجزرة هي بداية لتوجه نحو تشكيل “أكناف بيت المقدس”، مشيرًا إلى أن الجبهة الشعبية- القيادة العامة بدأت باستفزازات في المنطقة، مضيفًا أن تشكيلًا فلسطينيًا سبق “الأكناف” وهو “لواء العهدة العمرية” الذي كان نشاطه بمناطق الجوار.

أغلق المخيم مرة أخرى جزئيًا في مطلع 2013 ثم أغلق بشكل كامل، وتركز حينها وجود “الأكناف” في القطاع الشرقي من مخيم اليرموك، بقيادة القائد العسكري نضال أبو العلا المعروف باسم “نضال أبو همام”.

تضاربت الرواية حول تشكيل “الأكناف” من حيث تكوينه، ويؤكد القدسي أن أكثر عناصر التشكيل من حركة حماس، ولكن مصدرًا مطلعًا (طلب عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية) قال إن هناك عناصر فلسطينية تركت فصائلها بعد أن رفضت تشكيل وحدات لحماية المناطق الفلسطينية، في ظل الحرب التي بدأت في سوريا.

وتواصلت عنب بلدي مع قائد الفصيل، محمد زغموت، والقائد العسكري، نضال أبو العلا، للحصول على معلومات أكثر حول الفصيل لكنهما رفضا التعليق على الموضوع.

برزت في مسيرة “الأكناف” عوائق عدة، تجلى أبرزها في سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” على اليرموك في نيسان عام 2105، حين حوصر الفصيل بين التنظيم وقوات الأسد، الأمر الذي دفع الفصيل لترتيب اتفاقية مع قوات الأسد تسمح بإخراجه إلى بلدة ببييلا جنوب دمشق، بحسب ذات المصدر.

لم يقتصر وجود الفصيل على المناطق الجنوبية لدمشق، بل امتد إلى ريفي دمشق الشرقي والغربي، إذ نشط التشكيل في خان الشيح بالغوطة الغربية وكان ضمن غرفة عمليات “تحالف اليد الواحدة”، كما امتد الفصيل، ولكن على نطاق أضيق، في الغوطة الشرقية واقتصر حضوره على مجموعة من المقاتلين والقياديين.

نقلت “أكناف بيت المقدس” خبرتها القتالية إلى بعض فصائل المعارضة في بداية انطلاقها، لا سيما على صعيد الصناعة المحلية للصواريخ بالإضافة لطرق التحصين والتنقل التي اعتمدها الفصيل أساسًا في حربه مع إسرائيل.

وبحسب ما علمت عنب بلدي من مصدر إعلامي من الغوطة الغربية (رفض نشر اسمه لأسباب أمنية) فإن الفصيل أسهم بحفر عدة أنفاق في الغوطة الغربية، أبرزها نفق زاكية.

وبحسب القدسي فإن لـ “أكناف بيت المقدس” كوادر “كبيرة”، سواء من وحدات الهندسة أو المقاتلين ذوي الخبرة والمدربين، بالإضافة إلى خبرة في الصناعة العسكرية الذاتية والتعامل مع المتفجرات.

وأشار القدسي إلى أن الفصيل اعتمد، في مخيم اليرموك حيث كان يسيطر على الحي الشرقي منه، على الأنفاق في التنقل والتصدي لحملات قوات الأسد المتكررة لاقتحام المخيم.

واتهم النظام السوري قيادة الفصيل مع بداية أحداث الثورة السورية، بالدعم اللوجستي وتقديم التدريب بالتنسيق مع “حماس” لـ “الجيش الحر”، لكن الحركة كررت روايتها النافية لأي تنسيق مع الفصيل أكثر من مرة.

ووفق القدسي فإن “حماس” قدمت دعمًا للفصيل على الصعيد اللوجستي بشكل غير معلن.

وفي حديثه لعنب بلدي أشار وائل علوان، الذي كان يشغل منصب المتحدث الرسمي لفصيل “فيلق الرحمن” وفصيل “الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام”، في غوطة دمشق الشرقية، إلى أن العلاقة بين “الأكناف” بمسماها الحالي تعود إلى ما قبل انطلاق الثورة السورية، وخلال سنوات الثورة عمل عناصر من الفصيل على تدريب مقاتلي الغوطة على فنون القتال القريب والدفاع، بداية من فصيل “شباب الهدى” وصولًا إلى “فيلق الرحمن”، الذي كان يحوي عناصر فلسطينيين.

وعمل عناصر الفصيل في الحماية الشخصية لقيادة “الفيلق” بالإضافة لاختبار وتدريب عناصر الحماية والمرافقة، بحسب علوان، مشيرًا إلى أنهم بقوا مع “الفيلق” حتى خروجه من الغوطة إلى الشمال السوري، في آذار من عام 2018، لينضموا إلى عناصر “أكناف بيت المقدس” المنضوين تحت فصيل “فيلق الشام” بالشمال السوري.

ونفى علوان الرواية حول تقديم الفصيل الفلسطيني المساعدة والخبرة في حفر أنفاق الغوطة الشرقية، مشيرًا إلى أن هناك تحريًا من الفصائل العاملة في الغوطة، وتواصلًا من المسؤولين عن حفر الأنفاق مع حركة حماس، بشكل مباشر.

رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل مع رئيس النظام السوري بشار الأسد – (رويترز)

وساطة أم ضغط..

هل تعبّد إيران الطريق بين “حماس” والنظام السوري

بعد الموقف المتحفظ الذي اتخذته حركة حماس من النظام السوري وإخلاء مقرها في دمشق، تصدعت العلاقة التي كانت تربطها مع إيران، والتي كانت تقدم لها دعمًا سخيًا مكّنها من تطوير بنيتها العسكرية وإرساء حكمها في قطاع غزة، الأمر الذي انعكس بشكل سلبي عليها، إذ عانت من أزمة مالية خانقة، انسحبت تداعياتها وآثارها على مختلف القطاعات الحيوية التي تديرها.

ورغم تآكل العلاقة بين الطرفين، لم تنقطع بشكل كامل، بل استمرت بالحدود الدنيا، التي حاولت الإبقاء عليها كتائب عز الدين القسام (الجناح العسكري لحماس) والعديد من قيادات الحركة في الدخل والخارج، وراوحت بذلك المسار لعدة سنوات بعد اتخاذ الموقف من النظام السوري، وصولًا إلى مطلع عام 2017 لتدخل العلاقة في مرحلة جديدة لم تتضح انعكاساتها، أسستها قيادة “حماس” الجديدة، التي برزت إلى الواجهة وأمسكت بالمشهد والقرار.

ومنذ أن انتُخب قائدًا لـ”حماس” في قطاع غزة في شباط 2017، أدلى يحيى السنوار بعدة تصريحات حول علاقة الحركة مع إيران، والدعم الذي تقدمه لـ “المقاومة الفلسطينية”، بينها الحوار الذي أجراه مع قناة “الميادين” الفضائية، في أيار 2017، وأكد فيه أن علاقة حركة حماس مع “حزب الله” اللبناني في أحسن أحوالها، ويجري التنسيق والعمل المشترك معه ضمن اتصالات شبه يومية بين الطرفين.

وأكد السنوار أيضًا على قوة العلاقة مع قيادة “الحرس الثوري” الإيراني وقاسم سليماني قائد “فيلق القدس”، مشددًا على أن “إيران لم تقصر في دعم الحركة بكل أشكال الدعم منذ العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2014”.

وفي سياق المرحلة الجديدة زار وفد من “حماس” العاصمة الإيرانية طهران، في تشرين الأول 2017، كان على رأسه نائب رئيس المكتب السياسي، صالح العاروري، الذي قال في تصريحات خلال مؤتمر صحفي، “نحن هنا في إيران لنؤكد تمسكنا بخيار المقاومة لمواجهة المشروع الصهيوني، وتمسكنا بكل بالعلاقات التي تدعم خيار المقاومة لمواجهة الاحتلال حتى زواله”.

وقال مستشار المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي أكبر ولايتي، “نريد أن نثبت للاحتلال الصهيوني أن العلاقات بين إيران وحماس وحركة الجهاد لم تنقطع مطلقًا”.

رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس”، اسماعيل هنية مع المرشد الأعلى للثورة الإيرانية – (afp)

هل تعبّد إيران الطريق

بعد أن أحدثت تغييرًا في بنيتها السياسية، مع مطلع عام 2017، تعبر “حماس” في الوقت الحالي طرقًا معبّدة إلى طهران، الأمر الذي يطرح تساؤلات عما إذا كانت هناك فجوة قد تسلك من خلالها طريق العودة إلى دمشق.

البروفيسور خطار أبو دياب، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة باريس والخبير والباحث في الجيوبولوتيك، يقول إنه ومنذ فترة رأينا بيانًا من قبل “حماس” يستنكر الضربة الإسرائيلية التي حصلت ضد إيران في سوريا ومواقع عسكرية معينة تتبع لها، وهذا الأمر يقودنا إلى أن “حماس” تأمل أن تصل إلى إعادة التطبيع تحت عنوان “تجميع محور المقاومة”.

ويضيف أبو دياب في حديث لعنب بلدي أن “حماس” في الوقت الحالي بحاجة إلى سوريا، لأنها ترى أنه في حال حصول أي ضغط في الساحة اللبنانية، تبقى الساحة السورية مكانًا آمنًا لها، لذلك حتى اللحظة تريد البقاء في سوريا.

ولم تحصل أي قطيعة بين إيران و”حماس”، بحسب أبو دياب، موضحًا أن طهران عتبت على قيادة “حماس”، بسبب الموقف الذي اتخذته في بداية حراك الثورة السورية في سوريا.

وحتى اللحظة تستقبل إيران حركة حماس، رغم أن الإسهامات المالية التي تتلقاها منها غير سخية كما كانت في الماضي، وبحسب أبو دياب، “يمكننا القول إنه لا يُستبعد إذا وجدت إيران من مصلحتها أن يكون هناك وجود لحماس في سوريا، أن تضغط على النظام السوري، وهو أمر يمكن أن يتم بشكل غير علني”.

وكان موقع “المونيتور” نقل عن مسؤول إيراني قوله، 3 من نيسان 2019، إن إيران تتوسط بين النظام السوري و”حماس” منذ مطلع عام 2017، مشيرًا إلى أن العديد من الاجتماعات جمعت قادة إيران و”حماس” لتحقيق هذا الهدف.

وأضاف المسؤول الإيراني أن النظام السوري يواصل إدراك خروج قادة “حماس” من دمشق في عام 2012، واستقرارهم في قطر وتركيا، وتصريحات بعض قادة الحركة المؤيدة للثورة كانت بمثابة طعنة في الظهر.

ومع ذلك أوضح المسؤول أن الوساطة الإيرانية ووساطة “حزب الله” اللبناني خففت من موقف دمشق تجاه “حماس”.

الروس على الخط

لا يمكن تجاهل اللاعب الروسي في أثناء الحديث عن الدور الذي تلعبه إيران في عودة العلاقات بين “حماس” والنظام السوري، خاصة أنه وبعد أكثر من أربع سنوات من التدخل في سوريا، أصبحت لاعبًا أساسيًا في جميع التطورات التي تشهدها الساحة، لا سيما المتعلقة بإسرائيل، والمخاوف التي تبديها من توسع النفوذ الإيراني في المنطقة.

ويرى أبو دياب أن “حماس” لها علاقة مع روسيا، وهناك رأي لروسيا في موضوع عودة العلاقات مع النظام السوري، خاصة أن موسكو تتباين مع طهران في بعض المواضيع المتعلقة بإسرائيل، ويمكن أن تعتبر وجود “حماس” معرقلًا للقضايا المشتركة التي تعمل معها بصورة مشتركة مع إسرائيل.

وكانت موسكو استضافت، في شباط الماضي، لقاءً موسعًا للفصائل الفلسطينية، بينها “حماس”، دون إحداث اختراق حقيقي في ملف المصالحة، ونقلت وكالة “معًا” الفلسطينية، في 10 من تموز 2019، عن مصدر مسؤول في “حماس”، بغزة أن وفدًا من الحركة برئاسة نائب رئيس المكتب السياسي للحركة، موسى أبو مرزوق، سيصل إلى العاصمة الروسية موسكو الأسبوع المقبل، لعقد جلسة مباحثات مع وزير الخارجية سيرغي لافروف، وعدد من المسؤولين في الخارجية الروسية.

وفي إطار ما سبق يرى أبو دياب أنه من غير المعلوم مقدار وساطة إيران وأيضًا “حزب الله” اللبناني لعودة العلاقات بين “حماس” والنظام السوري.

ويقول إن جميع محاولات “حماس” لتطبيع العلاقة باءت بالفشل حتى الآن، مشيرًا إلى أن “الأبواب موصدة بوجه حماس حتى اللحظة”.

هل ستعود “حماس” إلى دمشق

عولت حركة حماس كثيرًا على الثورات العربية ونجاحها واستمرارها وتشكيل محور يتبنى القضية الفلسطينية، لكن سرعان ما أُجهضت تلك الثورات، وخاصة في مصر، وتعالت الأصوات المطبعة داخل الأنظمة العربية وخاصة الخليجية، بحسب المحلل أبو الروس، الذي أكد أن “حماس” تحاول تشكيل أو التوافق مع محور مناوئ لمحور التطبيع، يمتد من إيران إلى سوريا ولبنان وتركيا، لذلك عادت إلى تعزيز علاقتها مع إيران، معتقدًا أن الحركة لا تلام لأي مواقف وردية تجاه نظام سوريا أو إيران أمام حلقات الاختناق التي تحيط بها.

وحول الحديث عن عودة العلاقات بين “حماس” والنظام السوري مستقبلًا، اعتبر أبو الروس أن الحركة عليها أن تدرك أن أي عودة في العلاقات مع أي طرف يجب أن تكون ضمن محورين: الأول المنفعة التي ستجنيها من عودة العلاقة، والمحور الثاني موقف الطرف الآخر من القضية الفلسطينية.

وأشار أبو الروس إلى أن من يتحكم بسوريا ومقدراتها حاليًا هما إيران وروسيا، المتحكمان الفعليان، لذلك فإن النظام السوري لن يستطيع تقديم أي منفعة لحركة حماس، فليس له أي وزن سياسي أو عسكري ترتكز إليه “حماس” في العلاقة، لذلك إبقاء العلاقة مع روسيا وإيران يغني “حماس” عن أي علاقة متبادلة مع النظام، الذي يعتقد أن “حماس” طعنته في ظهره، ويرى أن “حماس” متقلبة في سياستها تجاهه، ولن يستفيد بالعلاقة مع الحركة، خاصة بعد توطيد علاقته بالسلطة الفلسطينية، “لديه علاقات مع فصائل أخرى ساندته”، بحسب قوله.

من جهته تساءل المحلل السياسي، طلال نصار، عن الفائدة التي ستجنيها “حماس” في حال عادت إلى دمشق، واعتبر لعنب بلدي أن النظام السوري انتهى وفقد شرعيته ولا يملك القرار على الأراضي السورية.

وتوقع نصار عدم عودة “حماس” إلى سوريا على الإطلاق إلا بعد زوال النظام لأمرين، الأول كون النظام متهالكًا ومستنفذًا ماديًا واقتصاديًا وليس لديه شيء يقدمه للحركة، والأمر الثاني أن “حماس” في حال عودتها إلى سوريا ولقائها بالأسد ستخسر الحاضنة العربية والإسلامية، معتبرًا أن “حماس” ستصبر على الحصار الخانق وتنسجم مع نبض الشارع السوري.

عناصر من كتائب القسام الجناح العسكري لحماس في قطاع غزة – (سوا)

استطلاع رأي

من خلال استطلاع للرأي أجرته عنب بلدي عبر صفحتها في “فيس بوك” تقاربت آراء المشاركين حول إمكانية عودة العلاقة بين النظام و”حماس”.

النسبة الأكبر (53%) من المشاركين في الاستطلاع، الذين بلغ عددهم أكثر من 1700 توقعوا عودة العلاقات بين الطرفين، إذ اعتبر “شاكر نسيم” أن “حماس” ستعيد العلاقة مع النظام طالما تتلقى دعمًا من إيران (التي تدعم النظام السوري أيضًا) في الوقت الحالي.

أما “إياد البرازي” فأيد عودة العلاقات، التي لم تنقطع بالأصل، كون النظام و”حماس” مدعومين من قبل طهران، في حين اعتبر “نزار المردود” أن “حماس” لم تقطع صلتها بالنظام، لكن في البداية عندما شعرت بزوال النظام تظاهرت بقطع صلتها ولكن سرعان ما عادت المياه لمجاريها.

أما نسبة 47% من المشاركين فاعتقدوا بأن القطيعة بين الطرفين سوف تستمر، ولن تكون هناك عودة للعلاقات، واعتبر “أحمد جيمي” أن “حماس” ستسقط في حال سلمت على الأسد.

كما دافع “توفيق يوسف قدور” عن علاقة “حماس” بإيران وإصرارها على تلقي الدعم منها بعد تخلي الدول العربية، لكنه اعتبر أن “حماس” لن تعيد العلاقة مع النظام لأن الحركة تعلم أن هذا النظام “لا عهد له ولا دين”.

شاركنا رأيك..أين ترى مستقبل العلاقة بين حركة "حماس" والنظام السوري؟

Gepostet von ‎جريدة عنب بلدي Enab Baladi‎ am Sonntag, 7. Juli 2019

English version of the article

مقالات متعلقة