ع ع ع

نور عبد النور | حباء شحادة

في مدارس فارغة ومقرات حكومية سابقة وبعض المدرجات الجامعية، نشأت عملية التعليم العالي في مناطق سيطرة المعارضة شمالي سوريا، كقطاع داخلي، بقي منذ البداية بعيدًا عن الدعم والاهتمام الدوليين.

ففي ظلّ الحاجة إلى كيانات تعليمية توازي الجامعات التي تديرها وزارة التعليم العالي في حكومة النظام، أخذت الجامعات الأكاديمية في مناطق سيطرة فصائل المعارضة خطواتها الأولى في الشمال السوري عام 2015، تلبية لحاجة الطلاب الذين انقطعوا عن تعليمهم منذ انطلاق الثورة عام 2011.

ومع إقبال الطلبة على التسجيل في مؤسسات التعليم العالي الأولى (جامعتي حلب الحرة وإدلب)، انتشرت سريعًا جامعات جديدة ذات ملكية خاصّة وفّرت مكانًا مناسبًا لبعض الطلاب السوريين لدعم استمرار تعليمهم.

وكغيره من القطاعات في مناطق سيطرة المعارضة، تأثر التعليم العالي إلى حدّ كبير بالواقع السياسي وتوازنات القوى العسكرية المحلية على الأرض، إذ تتنازعه اليوم حكومتان، وتتغير مواقع مؤسساته وفقًا للقوة المسيطرة.

تسلط عنب بلدي في هذا الملف الضوء على واقع مؤسسات التعليم العالي، وترصد أبرز المشاكل التي يعاني منها، ومدى رضا الطلاب عن العملية التعليمية فيها، كمؤشرات تدعم احتمالية استمرارية عملها، كما تحاول استشراف مستقبل هذه الجامعات في مرحلة ما بعد الحرب في سوريا.

مبنى جامعة حلب الحرة في الشمال السوري – 2019 (صفحة الجامعة على فيس بوك)

جامعات الشمال السوري..

أزمات ذاتية وموضوعية ترسم شكل المستقبل

تشكل جامعتا حلب الحرة وإدلب الكيانين التعليميين الأكثر ثقلًا في الشمال السوري، من ناحية الفروع العلمية المتوفرة وعدد الطلاب والكادر التدريسي والإداري القائم عليهما.

تُشرف على جامعة حلب الحرة وزارة التعليم العالي في الحكومة السورية المؤقتة، بينما ترتبط جامعة إدلب بمجلس التعليم العالي المرتبط بـ “حكومة الإنقاذ”، الذي أجبر بدوره الجامعات الخاصة في المنطقة على الانضواء فيه والحصول على الترخيص منه.

وبذلك تتقاسم حكومتا المعارضة، المؤقتة والإنقاذ، قطاع التعليم العالي في الشمالي السوري، وتتحملان مسؤوليته، في ظل غياب دولي عن دعم التعليم الجامعي في مناطق سيطرة المعارضة، على حساب دعم التعليم الأساسي والثانوي.

ويعاني قطاع التعليم العالي مشاكل عدّة، تختلف طبيعتها بين جامعة حلب الحرة، وجامعة إدلب، والجامعات الخاصّة في المنطقة، وتلعب دورًا أساسيًا في استشراف مستقبل العملية التعليمية فيها على المدى القريب، وفي حال انتهاء الصراع في سوريا والتوصل إلى حلّ سياسي.

“حلب الحرة”.. أزمات إدارية ولوجستية وعلمية

مع بداية تأسيسها عام 2015، توزعت مقرات فروع وكليات جامعة حلب الحرة بين ريف إدلب، وريف حلب الشمالي والغربي، وبعد سيطرة حكومة الإنقاذ التابعة لـ “هيئة تحرير الشام” عام 2017 على إدلب وأجزاء من ريف حلب الغربي، وبدئها بفرض ضغوط على مؤسسات الحكومة المؤقتة، وجدت جامعة حلب الحرة نفسها أمام خيارين، إما الذوبان في مجلس التعليم العالي المرتبط بحكومة الإنقاذ، أو نقل مقراتها.

ونتيجة ذلك، بدأت جامعة حلب الحرة في آذار الماضي بنقل مقراتها من المدن والبلدات الخاضعة لسيطرة “هيئة تحرير الشام” إلى مدينتي أعزاز ومارع في ريف حلب الشمالي، الأمر الذي ترتب عليه أزمات لوجستية وإدارية وتعليمية عدّة.

ويشير الطبيب مازن السعود، المدرّس في كلية الطب بجامعة حلب الحرة، إلى وجود عدّة أزمات تواجهها الجامعة مرتبطة بانتقال مقراتها، وأبرزها ما يتعلّق بالناحية المادية والمواصلات، إذ يضطر قسم كبير من الطلاب المنتقلين إلى السفر بين مدنهم وقراهم في ريف إدلب، إلى مقرات الجامعة الجديدة، وهو ما تترتب عليه أعباء مادّية كبيرة.

ويشير السعود إلى وجود “صعوبات من الناحية اللوجستية، وبالنسبة لاستيعاب الطلاب”، موضحًا، “نحن في كلية الطب تركنا مختبراتنا في جامعاتنا وانتقلنا إلى مختبرات صغيرة في مارع. هناك نقص ونسعى لترميمه”.

ويلفت إلى وجود أزمات من الناحية الإدارية، مؤكدًا أنّ “رئاسة الجامعة غير متفاعلة مع الحدث كما يجب، ومجلس التعليم في الجامعة لا يبذل الكثير في مواجهة المصاعب التي تتعرض لها”.

وبينما يؤكد وزير التعليم العالي في الحكومة المؤقتة، عبد العزيز الدغيم، على وجود مشاكل لوجستية في جامعة حلب، ينفي انعكاسها على الناحية الإدارية، إذ يقول لعنب بلدي إن “جامعة حلب تعرضت لهزات كبيرة من خلال الاستيلاء على الكليات والمعاهد في الأتارب وكفر تخاريم، لكن هذا الأمر تحسن من الناحية الإدارية، إذ جُمعت الكليات في مدينة أعزاز ما عدا كليتي الطب والصيدلة في مدينة مارع، وبذلك أصبحت الإدارة أكثر حيوية وارتباطًا بالطالب والموظف وعضو هيئة التدريسية”.

أما من الناحية العلمية، فيشير الدغيم إلى وجود نقص حاد في الكوادر التدريسية، إذ “لم نستطع أن نستوعب أعضاء هيئة تدريسية في كليات الهندسة المدنية والعمارة والحواسيب، وفي كليات الطب البشري والصيدلة وطب الأسنان لدينا نقص هائل، إضافة إلى نقص في كليات اللغة الإنكليزية والعربية”.

مجلس التعليم العالي.. دور تسلطي أم تنظيمي

أُنشئ مجلس التعليم العالي عام 2017 باتفاق بين عدة جامعات أبرزها “جامعة إدلب” و”أوكسفورد سوريا”، وسط رفض للحكومة المؤقتة و”جامعة حلب الحرة”.

وفي 12 من كانون الثاني الفائت أصدر المجلس قرارًا بإيقاف العملية الامتحانية في عدد من الجامعات الخاصّة في الشمال السوري، وهو ما نتج عنه إغلاق جامعات “سمعان”، و”شمس القلوب”، و”الجامعة السورية الطبية”، و”آرام”، و”الجامعة السورية التطبيقية العلمية”، و”جامعة مينيسوتا”، وأكبرها “جامعة الإنقاذ الدولية” التي كانت تملك 52 فرعًا وتضم 1127 طالبًا وطالبة.

ويشير رئيس مجلس التعليم العالي، مجدي الحسني، إلى أن “فشل العديد من الجامعات بالنهوض بمستواها الأكاديمي ومواكبة التطور هو سبب تعرضها للإغلاق من قبل المجلس”.

إذ انتشرت الجامعات بـ “فوضى وعشوائية”، على حد تعبيره، ولم تكن محققة لشروط الترخيص القائم على أسس القانون رقم 31 عن وزارة التعليم العالي التابعة لحكومة النظام، والذي تم اعتماده مع القليل من التعديلات المتناسبة مع ظروف المنطقة لغياب قوانين بديلة لتنظيم العمل.

وكانت عنب بلدي سلطت الضوء في تقرير سابق على ظروف إغلاق الجامعات الخاصة، والتقت عميد كلية الطب في “جامعة الإنقاذ” سابقًا، الذي أوضح أن قرارات الإغلاق كانت “تعسفية وفوضوية”، ولها اعتبارات غير علمية.

لكن الحسني أكّد لعنب بلدي أن سياسة المجلس لم تقم على إغلاق الجامعات، ولكن بالعمل على دمجها وضبط انتشارها، وقال إن جميع التراخيص الممنوحة تسري لفترة مؤقتة وأي خلل بشروطها قد يؤدي لإغلاق المؤسسة أو إيقاف العملية التعليمية فيها حتى تستكمل المعايير الأساسية للتعليم.

وكانت جامعة حلب الحرة تعرّضت لضغوطات كبيرة من قبل المجلس، قبل انتقال مقراتها، وشملت الضغوطات اعتداءات لعناصر من “هيئة تحرير الشام” على مقرات جامعة حلب سابقًا، وثقتها مقاطع فيديو نُشرت على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وسط اتهامات للمجلس بالسعي لاحتكار عملية التعليم العالي في الشمال السوري.

وبينما أربكت تحركات المجلس جامعة حلب، ومجموعة من الجامعات الخاصة، لم تواجه جامعة إدلب، التي تشكل أساس مجلس التعليم العالي، مصاعب أمنية أو إدارية كبيرة، وهو ما أكده أكاديمي مستقل مطلع على سير عملية التعليم العالي في الشمال (رفض الكشف عن اسمه لأسباب تتعلق بحساسية الموضوع)، لافتًا إلى أن “جامعة إدلب تحمل كل صفات الجامعة أكاديميًا وإداريًا وتنظيميًا”.

أزمة اعترافات عامة

بينما تتفاوت الأزمات الداخلية للجامعات في مناطق سيطرة فصائل المعارضة في الشمال السوري، تشترك الجامعات (حلب الحرة، إدلب، الجامعات الخاصة)، في أزمة الاعتراف الدولي بشهاداتها، وهو ما قد ينعكس سلبًا على مستقبل الطلاب لناحية أهلية الشهادات الحاصلين عليها.

ولم تتمكن تلك الجامعات من الحصول على اعترافات كاملة، في حين حصلت بعض الكليات أو المعاهد التابعة لجامعتي حلب الحرة وإدلب على تصنيفات دولية أو اعترافات من بعض الجهات الأكاديمية.

ويتفق رئيس مجلس التعليم العالي، مجدي الحسني، ووزير التعليم العالي في الحكومة المؤقتة، عبد العزيز الدغيم، على أنّ الاعتراف هو قرار سياسي، يعزّ على مؤسسات المعارضة التي لا تملك اعترافًا سياسيًا بسلطتها ووجودها القانوني، وله متطلبات عديدة، إذ تدخل في تحديده نسبة أعداد الطلاب وحملة الدكتوراه والماجستير، وعدد منافذ الأمان، وكيفية وضع الأسئلة، وعدد المخابر والتقسيمات الإدارية.

وتسعى “الحكومة المؤقتة” إلى الوصول لاتفاقات مع جامعات تركية لتوأمة جامعة حلب مع بعض الجامعات، بحسب الدغيم، لاعتماد شهادتها دوليًا، لكنهم يصطدمون مرارًا بأنّ “قضية الاعتماد مدخلها سياسي وقانوني وليس أكاديميًا”.

كما أشار الحسني، إلى أنّ الاعتراف باب واسع من المعايير المطلوب توافرها في كل مؤسسة تعليمية، ومن الممكن أن تساعد خصوصية المنطقة على تخفيض هذه الشروط، لافتًا إلى أن جامعة إدلب رغم دخولها التصنيف العالمي للجامعات، لم تحصل على الاعتراف دوليًا حتى الآن.

طلاب وكادر كلية التربية في جامعة إدلب يقفون تكريمًا لأحد الطلاب الشهداء (صفحة الجامعة في فيس بوك)

عملية تعليمية “جيدة” وأفق ضيق..

وجهة نظر طلابية حول جامعات الشمال السوري

رصدت عنب بلدي آراء مجموعة من طلاب جامعتي حلب الحرة وإدلب، على اعتبار أنهما أبز كيانين تعليميين على مستوى التعليم العالي في مناطق سيطرة المعارضة، إضافة إلى آراء مجموعة من طلاب الجامعات الخاصة، للوقوف على أبرز المشاكل والتحديات التي تواجههم في تعليمهم.

رضا طلابي عن التعليم والمدرّسين

أجمع عشرة طلاب في جامعات ضمن مناطق سيطرة فصائل المعارضة، التقتهم عنب بلدي، على أنّ العملية التعليمية “جيدة” وأبدوا رضاهم عن الجامعات التي يدرسون فيها من الناحية العلمية.

محمد طماع، طالب سنة ثانية في معهد الإعلام التابع لجامعة إدلب، أكّد لعنب بلدي أن الوضع التدريسي في جامعته يشهد تطورًا ملحوظًا، بعد أن استجابت الجامعة لشكاوى الطلاب حول قلة المادة العملية مقارنة مع النظرية، لافتًا إلى أنّ مستوى المعلمين “مقبول”، وهم “أفضل الأكاديميين الموجودين في المنطقة”.

ويدرس طلاب معهد الإعلام مناهج مقتبسة عن التي تُدرس في كلية الإعلام بجامعة دمشق، إضافة إلى مواد مأخوذة عن مناهج مصرية، بحسب محمّد.

الطالبة في كلية الطب بجامعة إدلب، حنان حاج حميدي، ترى أيضًا أنّ “الوضع التدريسي ممتاز، ومستوى الأطباء جيد من حملة الماجستير والدكتوراه والاختصاصيين والمدرسين ذوي الكفاءة”، مشيرةً إلى أنّ المناهج التي تُدرس تقوم على ترجمة مراجع حديثة، أما الأرضية فهي مقررات جامعة دمشق.

وأكدت حنان أنها في حال تخرجها ستكون قادرة على معاينة مرضى ومعالجة حالات مرضية، لأن معلوماتها ومعرفتها الطبية المتحصلة من دراستها تؤهلها لذلك، على حد تعبيرها.

عبد الوهاب محمد، وهو طالب سنة ثانية في كلية الشريعة بجامعة حلب الحرة، وصف العملية التعليمية والكارد التعليمي بأنهم “ممتازون”، ويرى أنّ إيجابيات الجامعة كثيرة وتسير نحو الأفضل.

وأكّد طالبان التقتهما عنب بلدي من جامعة “أوكسفورد” الخاصة التي تتركز مقراتها في ريف إدلب، على جودة التدريس فيها، ومنهما الطالبة مايا أحمد قزيز (علم اجتماع سنة ثانية)، التي أشارت إلى أن وضع جامعتها جيد من الناحية التدريسية والعلمية، مؤكدةً أن المدرسين “ممتازون” رغم أن “طابع الإلقاء التقليدي يغلب على بعضهم”.

“العلم لأجل العلم”

بينما ترضي الجامعات في الشمال السوري الفضول العلمي لدى طلابها، تؤثر قضية عدم الاعتراف بشهاداتهم على أملهم المرجو منها، أو على طبيعة تخطيطهم للمستقبل.

الطالب محمد طماع، أكد لعنب بلدي أن قضية عدم وجود اعتراف دولي بجامعة إدلب هي “نقطة ضعف وسبب للهم والتعب، فبعد أن يدرس الطالب أربع سنوات، يحصل على شهادة غير معترف بها”، واصفًا الأمر بأنه “محبط للمعنويات”.

وأضاف أنّ الأمل بالحصول على الاعتراف والإصرار على التعلم يدفعان الطلاب لإتمام دراستهم حتى بجامعات غير معترف بها.

وائل جمعة، طالب هندسة معلوماتية سنة ثانية، في جامعة حلب الحرة، يؤكّد أيضًا أهمية الاعتراف الدولي بالشهادات، لكنه لا يعتبره شرطًا للحصول على التعليم، ولا أساسًا لإيجاد فرص العمل “لن تمانع أسواق العمل في الخارج بتوظيف خريجي جامعات مناطق سيطرة المعارضة”.

أما الطالبة مايا أحمد قزيز، فأشارت إلى أنّ مستقبل جامعتها (أوكسفورد) مجهول على المدى القريب، الأمر المرتبط بعدم استقرارها واحتمالية إغلاقها، بينما يطمئن الطلاب، من وجهة نظرها، ترخيص الجامعة من قبل مجلس التعليم العالي، ما يعني إمكانية الحصول على وظائف في محافظة إدلب عقب التخرج.

مهند اليماني، خريج معهد الإعلام في جامعة إدلب، قال إنه قد يكون هناك أمل بنسبة 10% لحصول جامعة إدلب على اعتراف دولي، مؤكدًا أن “العلم ينفع ولا يضر، وأن الخريجين درسوا لأن شهادتهم معترف بها في المناطق المحررة”.

ورغم أنّ يمان لا يعمل بشهادته حاليًا، لكنّه يرجع سبب ذلك إلى المحسوبيات في التوظيف ضمن سوق العمل الإعلامي، حسب تعبيره، رغم أن “ما درسه في المعهد يؤهل الطلاب للعمل في أفضل المؤسسات”.

هل أصبحت جامعات الشمال مراكز علمية موثوقة؟

على الرغم من حداثة إنشائها، استقطبت الجامعات في مناطق سيطرة المعارضة أعدادًا كبيرة من الطلاب، وتصدرت واجهة المشهد التعليمي في المناطق غير المستقرة أمنيًا في سوريا.

ورغم الظروف الذاتية والموضوعية التي تعيق هذه الجامعات، تسعى بشكل كبير لوضع بصمة تعليمية، وتحافظ على استمرارية التعليم العالي في شمال سوريا.

وللوقوف على مدى موثوقية هذه الجامعات بالنسبة للسوريين، أجرت جريدة عنب بلدي استطلاعًا للرأي، موجهًا لمتابعي صفحتها على “فيس بوك”، وطرحت السؤال التالي: “برأيك.. هل أصبحت الجامعات في مناطق المعارضة السورية مؤسسات تعليمية يمكن للطلاب الوثوق بها؟”.

55٪ من المشاركين في الاستطلاع، والذين وصل عددهم إلى 3500، أجابوا بـ “لا”، بينما أبدى 45٪ من المشاركين ثقتهم بهذه الجامعات.

بعض المشاركين في الاستطلاع  برروا آراءهم من خلال تعليقات على منشور الاستطلاع، فالمتابع عبد الرحمن الهوس يدعم الخيار “لا”، وذلك بسبب “عدم وجود اعتراف دولي” بالجامعات في مناطق سيطرة المعارضة، و”عدم وجود معايير تعليمية في افتتاح الجامعات، وقلة الكوادر التعليمية وضعفها، وتوزعها بين الجامعات الخاصة والعامة”.

ويشدد المتابع يوسف أوغلي على موضوع الاعتراف بالشهادت، إذ يرى أنه “لا يوجد حتى الآن قبول استكمال تحصيل عالٍ في جامعات الغرب للمتخرجين، والشركات الخاصة لن تعيرها أي اهتمام لانعدام تاريخها”.

أما عبد الله العدل فيشير إلى أن جامعات الشمال السوري أفضل من الجامعات في مناطق سيطرة قوات النظام، من ناحية الكادر التعليمي والرقابة وحتى المخابر العلمية.

ويوافقه رفعت عبد القادر السعيد الرأي، “لعدم وجود غش ورشوة”، ويعتقد المستخدم حسن فارس أنه “رغم الحرب والدمار والظروف القاسية استطاعت تلك الجامعات بناء صرح علمي كبير”.

أبرز الجامعات في مناطق سيطرة المعارضة في سوريا

جامعة إدلب

جامعة عامة، تغطي إدلب وريفها والمناطق القريبة، تضم 20 اختصاصًا موزعًا في 16 كلية وأربعة معاهد، يبلغ عدد طلابها 13553 طالبًا في مدينة إدلب، ومع بقية الطلبة في كليات الطب البشري وطب الأسنان، بالإضافة إلى كليات معرة النعمان يكون العدد 15 ألفًا، بحسب رئيس مجلس التعليم العالي، مجدي الحسني.

انطلقت أواخر عام 2015، ثم انضوت تحت سلطة مجلس التعليم العالي مع سيطرة حكومة الإنقاذ على إدلب عام 2017.

تخرج فيها مع نهاية عام 2018، حسبما ذكرت شبكة “إباء الإخبارية”، 1800 طالب وطالبة من أقسام مختلفة، وضمت 172 من طلبة الدراسات العليا.

أدرجت كلية الطب البشري في الجامعة بالتصنيف العالمي للتعليم الطبي في آب الماضي، بعد أن افتتحت في العام الدراسي 2016/2017. ولكن الجامعة لم تحصل على الاعتراف الدولي بعد.

جامعة حلب الحرة

جامعة عامة، تشرف عليها وزارة التعليم العالي في الحكومة السورية المؤقتة، تضم إحدى عشرة كلية، وأربعة معاهد.

يقوم على الجامعة 45 من حملة شهادة الدكتوراه في الهيئة التدريسية لجامعة حلب الحرة، وحوالي 80 من حملة شهادة الماجستير، بحسب وزير التعليم العالي في الحكومة المؤقتة، عبد العزيز الدغيم.

افتتحت نهاية 2015، وأعلنت في آذار الماضي نقل كلياتها من المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة الإنقاذ إلى مناطق ريف حلب الشمالي، تضم الآن 5200 طالب، وتتراوح أقساطها ما بين 50 و75 دولارًا أمريكيًا، للمعاهد المتوسطة، وما بين 125 و250 دولارًا لكلياتها.

جامعة حلب الشهباء

الجامعة العامة الثانية التابعة لمجلس التعليم العالي، تضم ست كليات ومعهدًا واحدًا، عُرفت بداية باسم “جامعة النهضة” وأقيمت في المباني التي كانت تشغلها جامعة “حلب الحرة”.

انطلقت بداية العام الدراسي 2018/2019، مركزها في الدانا في إدلب ولها فرع في سرمدا والأتارب، بحسب معرفاتها الرسمية.

جامعة الشمال

جامعة خاصة، عبارة عن دمج لجامعتي “أوكسفورد سوريا” و”رومة”، تضم سبع كليات وأربعة معاهد.

يعود تاريخ افتتاح كلا الجامعتين لعام 2015 في إدلب، وتم دمجهما تحقيقًا لشروط التراخيص المطلوبة من مجلس التعليم العالي بداية العام.

تعتبر جامعة “أوكسفورد سوريا” فرعًا لجامعة أوكسفورد اليمنية للعلوم والتكنولوجيا، الحاصلة على اعتراف وزارة التعليم اليمنية وجامعة الدول العربية واليونسكو، لها أفرع في تركيا والسعودية. تبلغ رسوم التسجيل فيها 950 دولارًا للتعليم التقليدي و500 دولار للتعليم المفتوح.

أما جامعة “رومة”، التي سميت نسبة لبئر رومة في المدينة المنورة، فكانت كلفة التسجيل فيها تتراوح ما بين 800 دولار للصيدلة و600 دولار لبقية الأقسام.

جامعة ماري

جامعة خاصة، أنشئت في مرسين عام 2015، تضم سبع كليات، وافتتحت فرعًا لها في مدينة إدلب بريف سراقب عام 2017.

لديها اتفاقيات وشراكات مع عدد من الجامعات، بهدف الحصول على الاعتراف من قبل إحدى وزارات التعليم العالي العربية أو الأجنبية، ولها صلات بجامعات في السعودية والسودان والأردن وتركيا وليبيا، بحسب موقعها الرسمي.

تتراوح رسوم التسجيل فيها ما بين 1500 و4500 دولار.

جامعة العثمانية

جامعة خاصة، أنشئت في اسطنبول عام 2016، وهي فرع لجامعة ماليزيا ولها اعتراف حكومي في اليمن، ولديها اتفاق مع جامعة شرق لندن، وتضم سبعة اختصاصات.

كان لها كليات في تلبيسة والرستن والحولة، وانتقلت إلى إدلب بعد تقدم قوات النظام عام 2018.

أكاديمية العلوم الصحية

جامعة خاصة غير ربحية، تعمل منذ عام 2011، مدعومة من الجمعية الطبية السورية للمغتربين (سيما)، حصلت مؤخرًا على الاعتراف من قبل معهد الاعتراف والترخيص وضمان الجودة الألماني.

يقع مقرها الرئيسي في بلدة أطمة في ريف إدلب، ولها أفرع وعدة مدارس تدريبية في إدلب، تضم ثلاثة معاهد، التمريض والعلاج الفيزيائي وطب الطوارئ.

جامعة الحياة للعلوم الطبية

جامعة خاصة غير ربحية، تعمل منذ عام 2016، مركزها في معرة النعمان، تضم كليات التمريض والقبالة والمعالجة الفيزيائية والتخدير.

جامعة الزهراء

جامعة خاصة، افتتحت عام 2014 في مدينة غازي عينتاب، تضم سبع كليات، ولها فرع في إدلب وافتتحت بداية العام الدراسي 2018/2019 في جرابلس في ريف حلب، لها ثلاثة أقسام هي الدراسات الإسلامية، والتربية، واللغة العربية.

الأكاديمية السورية للطاقة البديلة والعلوم

افتتحت بداية العام الدراسي 2018/2019 في منطقة دير حسان، تضم قسمين، قسم هندسة الطاقة البديلة الذي تستمر فترة الدراسة فيه خمس سنوات، ومعهد الطاقة البديلة بمدة دراسة تصل إلى سنتين.

مؤشرات الواقع وتفاصيل الحل..

ما مستقبل التعليم العالي في الشمال؟

تتأثر عملية استشراف مستقبل مؤسسات التعليم العالي في مناطق سيطرة المعارضة بعاملين أساسيين، يتعلق الأول بطبيعة أزماتها الداخلية التي قد تعيق استمرار عملها، وبتفاصيل الاتفاقات والتسويات التي قد تلي مرحلة الحرب في سوريا، لكون تلك الجامعات جزءًا من مؤسسات المعارضة.

وعلى اعتبار أنّ التفاصيل التي يمكن أن تلي أي حلّ للصراع في سوريا، لا يمكن الجزم بها حاليًا، اعتمدت عنب بلدي في استشراف مستقبل الجامعات على الأسباب الحالية التي يمكن أن تكون مؤشرًا على استمرار عمل هذه الجامعات وشكله، وعلى استطلاع الخطط التي تمتلكها الحكومتين المعارضتين في الشمال لتحقيق هذا الاستمرار.

ومن خلال المقابلات التي أجرتها عنب بلدي مع أكاديميين مستقلين ومرتبطين بالجامعات في الشمال السوري، فإن جامعة حلب الأساسية، التي تتبع حاليًا لوزارة التعليم العالي في حكومة النظام، قد تكون الجامعة الأم التي يمكن أن تستوعب جامعتي حلب الحرة وإدلب.

رغم ذلك، تملك كل من وزارة التعليم العالي في الحكومة المؤقتة ومجلس التعليم العالي المرتبط بحكومة الإنقاذ خططًا خاصة ومختلفة لاستمرار عملهما، وتأمين اعترافات بشهاداتهما.

“حلب الحرة” تنشد التوأمة مع مؤسسات تركية

يشير وزير التعليم العالي في الحكومة المؤقتة، عبد العزيز الدغيم، إلى أن “مستقبل جامعة حلب مرتبط بمصير الشعب السوري وثورته فهي من مؤسسات الثورة السورية”.

أما في حال التسوية السياسية “فسيتم تقديم كادرنا التدريسي والإداري على أنهم يعملون في جامعة حرة، ولهم الحق في المتابعة بجامعات الدولة القادمة وسيتم اعتماد شهادات من تخرج منهم للعمل في مؤسساتها”.

أما المدرّس في كلية الطب بجامعة حلب، مازن السعود، فيؤكد أن الجامعة تحارب على جبهتين، “الأولى مع النظام الذي واجه من طالب بالحرية، والأخرى مع هيئة تحرير الشام التي خربت المشاريع القائمة في جامعة حلب حين كانت مقراتها في ريف إدلب”، وهو ما قد يؤثر على مصير الجامعة.

وأشار إلى أنّ جامعة حلب الحرة هي “صورة طبق الأصل عن جامعة حلب في مناطق النظام، وخلال مفاوضات الحل في سوريا لا بد أن يكون هناك حديث عن ملف التعليم والتسويات المتعلقة به”.

وأضاف السعود أنّ المفاوضات قائمة مع الجانب التركي بهذا الصدد، وتابع، “قد يكون هناك تعاون أو توأمة مع جامعات تركية، وهناك بعض الجامعات المتفاعلة. وعلى المستوى القريب نريد البحث عن جهات داعمة لتحسين ظروف الجامعة”.

مستقبل الجامعات الخاصة بيد “المجلس”

يتحكم مجلس التعليم العالي بمصير الجامعات السورية الخاصة في الشمال السوري، على اعتبار أنه يمنحها التراخيص ولديه السلطة لإيقاف عملها أو اعتمادها.

رئيس مجلس التعليم العالي، مجدي الحسني، أكد وجود سبع جامعات خاصة مرخصة لدى المجلس، كانت قائمة قبل تشكيله، لافتًا إلى إغلاق باقي الجامعات التي لم تحصل على تراخيص.

ويفرض المجلس على الجامعات تأمين كفالات، وتوفير معايير يحددها، تتعلق بالخطة الدراسية والتجهيزات والكوادر التي سيتم التعاقد معها، لمنح التراخيص.

وأوضح الحسني لعنب بلدي أن الجامعات الخاصة الموجودة في مجلس التعليم العالي على قسمين، الأولى التي تقوم على أقساط الطلاب بالإضافة إلى المالكين، مثل جامعتي “ماري” و”الشمال”، اللتين تخضعان لمعايير علمية وأكاديمية مشددة، وهناك قسم آخر، وهو الجامعات المجانية مثل “جامعة الحياة” و”أكاديمية العلوم الصحية”، المدعومة من منظمات وجهات أخرى.

وأضاف، “بطبيعة الحال هذه الجامعات لديها ترخيص مؤقت، فأي خلل بشروط الترخيص قد يؤدي إلى إغلاق الجامعة أو إيقاف العملية التعليمية فيها ريثما تستكمل الإجراءات”.

فرص الاستمرار أكبر لجامعة إدلب

من وجهة نظر الحسني، فإن “الجامعات أبقى من الحكومات”، و”طالما أُسست جامعة إدلب بشكل صحيح وتمت هيكلتها ضمن عمل مؤسساتي ستستمر سواء بقيت حكومة الإنقاذ أو ذهبت”.

وأضاف، “في حال تم انتقال سياسي، فأنا أضمن استمرار هذه الجامعة، كونها تقوم على أقساط الطلاب وعلى كاهلهم وعلى الكوادر الموجودة فيها، ولا تتبع أي مال سياسي قذر”.

مصدر أكاديمي مطلع (رفض كشف اسمه لأسباب تتعلق بحساسية الموضوع)، أكّد لعنب بلدي أن “مصير العملية التعليمية في جامعة إدلب مرتبط بمصير الشمال المحرر”، ويرجّح أن “تستمر العملية التعليمية فيها كفرع من جامعة حلب، في حال حصل اجتياح للمنطقة”.

بالمقابل لا يرى المصدر، المواكب لسير الجامعات في الشمال السوري، أن هذا المصير سينطبق على جامعة حلب، التي “ليس لها فرص للاستمرار على الإطلاق نتيجة السياسة التي اتبعتها حكومة الإنقاذ تجاهها”.

طالب أثناء تقديمه االمتحانات في جامعة إدلب الحرة 2018 (صفحة الجامعة على فيس بوك)

 التعليم العالي عمود لمستقبل سوريا..

دعوة لإدراج الملف في مفاوضات الحل

لم ينل ملف التعليم العالي في مناطق سيطرة المعارضة السورية، اهتمامًا دوليًا من المنظمات المعنية بدعم التعليم عمومًا، وذلك رغم أهميته وتأثيره في مستقبل سوريا، بل تُرك كملف داخلي يقوم على الجهود الذاتية، ويتأثر بشكل كبير بتغير القوى العسكرية والانقسامات السياسية وما تفرضه من تخبطات إدارية.

وبحسب ما قاله رئيس مجلس الأمناء في منظمة “تعليم بلا حدود” (مداد)، عزّام خانجي، لعنب بلدي فإنّ نسبة ما تم تقديمه لدعم التعليم في سوريا عام2018   لم يتعدَّ 2% من كامل الدعم الإنساني المقدم للسوريين.

أما بالنسبة التعليم العالي، “فغالبية المنظمات الدولية، إن لم نقل جميعها، تعتبر التعليم العالي أمرًا غير طارئ، بينما ترى أنّ التعليم للأطفال أهم”، وفق خانجي، الذي يبدي استغرابه من هذا التوجه، معتبرًا إهمال ملف التعليم العالي وحرمانه من الدعم يمهدان السبيل لعشرات الآلاف من الشباب نحو الانحراف والجريمة والتطرف، ويؤديان إلى إضعاف البلد وإفقاده ثرواته الأساسية المتمثلة بالشباب.

ويدعو خانجي السياسيين إلى أن يضعوا ملف التعليم العالي كأحد أهم بنود التفاوض في أي حل سياسي قادم، وأن يبذلوا جهودًا لتأمين الاعتراف بالشهادات التي تعتمد حاليًا في مناطق سيطرة فصائل المعارضة، سواء في التعليم الجامعي أو ما قبل الجامعي.

ويرى رئيس مجلس الأمناء في منظمة “مداد” أنّ ملف التعليم العالي من أهم وأخطر الملفات على الصعيد الوطني السوري، وهو مرتبط بشكل مباشر بإعداد الكوادر لبناء مستقبل سوريا، “فكل أستاذ وطالب جامعي كنز وطني والتفريط به هو تفريط بثروة وطنية، وأي طالب سوري يشغل مقعدًا جامعيًا هو نصر للسوريين”.

English version of the article

مقالات متعلقة