fbpx
× الرئيسية أخبار وتقارير اقتصاد مجالس ومنظمات رأي وتحليل ناس في العمقملتيميديا رياضة ثقافة سوريون في الخارج مارس النسخة الورقية

“طب القاطع”.. أن يكون هناك مسرح في إدلب

ع ع ع

نبيل محمد

سيصرخ بعضهم بكلمات غير مفهومة تمامًا، وبلغة عربية ركيكة، وسيلقي بعضهم شعرًا ضعيف البناء مباشرًا، وسيغني أحدهم أغنية من تأليفه ربما، وسيجلس ممثل على ديكور مهترئ فتتساقط قطع من الكرسي، وسيلعبون طاولة النرد بلا حجار نرد، سيجتمع عشرون ممثلًا على خشبة واحدة أغلبهم يخوض تجربته الأولى، وسيقدمون عرضًا مسرحيًا لا تخفى على أحد مكامن ضعفه الفنية الكثيرة، لكن الجمهور سيصفق، سيصفق بقوة، سيصفّر ويصرخ، سيحب كل شيء هنا. على خشبة المركز الثقافي في إدلب.

“طَبْ القاطع” عرض مسرحي جمع مجموعة شباب من إدلب أمام جمهور المدينة المحكومة بفصيل عسكري جهادي (هيئة تحرير الشام)، لم يكد يخلو يوم من تسجيل انتهاك له بحق المدنيين، وأحكام أصدرها أدت إلى قمع أي سلوك فردي أو جمعي محرم في عقيدة الفصيل القاعدي، وبالطبع قمع أي محاولة لبناء أي مشروع فني أو ثقافي. لكن مساحة ما قدر هؤلاء الشباب على أخذها في خشبة المركز الثقافي وسط المدينة، ليحكوا قصصهم اليومية غير الخاضعة لإعداد واضح. لم يستخلصوا من لغة الشارع ما يمكن تقديمه بشكل عرض مسرحي أبدًا، بل نقلوا اللغة ذاتها حرفيًا غير مضبوطة بقالب أو معيار، انطلاقًا من الكلمة الأكثر تكرارًا في حياتهم اليومية “طب القاطع” التي تشير إلى انقطاع التيار الكهربائي.

مشتتة أحاديثهم وقصصهم، وغير مكتملة مشاهدهم، وضعيف تركيزهم جميعًا، لكنهم صادقون بكل ذلك، ظهروا تمامًا كما تفعل الكهرباء بهم، وبحياتهم اليومية، حيث تقطع مشاهدتهم للتلفاز، وتمنعهم من استكمال أي نشاط إنساني من دون إزعاج، وتعيد بانقطاعها المكرر سردية يومية لمشكلاتهم كلها، بدءًا من الازدحام أمام مؤسسة توزيع أسطوانات الغاز، وصولًا إلى حرب لا تنتهي.

صراخ جمعي بين الجمهور والممثلين، غير منتظم وغير مؤطر، بإمكان أي فرد من الجمهور ارتقاء الخشبة والمشاركة بأي حديث يدور فيها ببساطة دون أن يؤدي ذلك إلى أي خلل في العرض. فالعرض هو ابن اليوم المعاش، وما يقدمه ليس عملًا فنيًا يهدف للإمتاع أو الإفادة، إنما هو إطلاق صرخة واحدة في مكان واحد يكرر فيه الجميع همه اليومي الشخصي والعام بشكل مشترك مع الآخر، بمعنى أن ما قُدم على الخشبة هو دعوة للجميع لمشاركة لحظات “طب القاطع” والقصف، وقلة الغذاء، وضعف الخدمات، وقلة المختصين والفنانين ربما، والمصير المجهول للمدينة والوطن. هذه التفاصيل التي لا يمكن أن تكون دراما افتراضية على خشبة مسرح يعيش كل من فيه المعاناة ذاتها سواء كان من الجمهور أو الممثلين. هم فقط ينقلون ما في بيوتهم وشوارعهم إلى هنا ليغنوا معًا “بكتب اسمك يا بلادي” ويعودوا إلى بيوتهم التي يقترب منها القصف يومًا بعد يوم، بعد أن غادرها مدةً لم تطل كثيرًا.

أن تفتح أبواب المركز الثقافي في إدلب، وتكون هناك خشبة وديكور وممثلون وجمهور، هذا يشكّل عرضًا مسرحيًا متكاملًا ببنائه وقيمه أمام المدينة ككل، بكل من فيها، من حكام ومحكومين، أما العرض على الخشبة أمام جمهور قاعة العرض فهو تفصيل صغير لم يعره حتى القائمون على العمل اهتمامًا كبيرًا. لم يملأ أحد أوعية الطعام بطعام حقيقي في مشهد الطعام، ولم يأت أحد بكرسي حلاق حقيقي في مشهد صالون الحلاقة، ولم يدَّعِ أحد خبرته في المسرح كتابةً أو إخراجًا أو تمثيلًا. جميعهم يعرفون أنهم يتحركون على الخشبة بملء إرادتهم ومن دون تنظيم مسبق جدّي. جميعهم يعرفون أنهم جزء من العرض المسرحي الأكبر، العرض الحقيقي لبوابة ثقافية وفنية تفتح في مدينة كإدلب اليوم، ويأتي الجمهور إليها بفئات عمرية مختلفة، ذكورًا وإناثًا، يحيط بكل ذلك جيش من الملثمين، وتغلفه سماء طائراتها الحربية أكثر من طيورها، وأبنية تضم سكانًا من كل سوريا قادتهم الباصات الخضراء إلى هنا، وهم على يقين تام أن الرحلة لم تنتهِ بعد.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة