ع ع ع

فريق التحقيقات – ضياء عودة | نينار خليفة

على مدار سبع جولات من محادثات “أستانة” فشل المجتمعون بالتوصل إلى اتفاق حول قضية المعتقلين في سجون النظام السوري، وبقي قرار الإفراج عنهم مؤجلًا، لتخرج الجولة الثامنة، كانون الأول 2017، باتفاق على تشكيل “مجموعة عمل” بخصوص المعتقلين والمفقودين، والذين لم ترَ عائلاتهم حتى اليوم بصيص أمل يوصلهم إلى معرفة مصيرهم.

أكدت تصريحات “الدول الضامنة” (تركيا، روسيا، إيران) بمجملها، عقب الجولة الثامنة، على أن “مجموعة العمل” من شأنها أن تعطي دفعًا باتجاه الإفراج عن المعتقلين، وبينما اعتبرت تركيا أن هذه الخطوة ستبني الثقة بين الأطراف المعنية، قالت روسيا عبر وزارة خارجيتها إن ملف المعتقلين له أهمية كبيرة لدى المعارضة فهي تتحدث عن قوائم بعشرات آلاف المعتقلين، وكذلك الأمر لدى النظام السوري.

ثلاث جولات من “أستانة” أعقبت ما تم الاتفاق عليه، ليُعلَن عن أولى خطوات “مجموعة العمل”، لكن على خلاف المتوقع، فالإفراج عن المعتقلين تبدلت صيغته إلى عمليات أو صفقات تبادل أسرى، في عملية اختصرت قضية المعتقلين لدى النظام السوري من قضية إنسانية، تثبت جرائم تشمل الاعتقال التعسفي ثم الإخفاء القسري فالتعذيب والمعاملة اللاإنسانية والانتهاكات الجنسية، إلى مسألة مشابهة لتبادل أسرى الحرب.

“صفقات التبادل” بلغ عددها ثلاثًا منذ شهر تشرين الثاني 2018 حتى 22 من نيسان 2019، أي خلال خمسة أشهر، لكن لم تتضح آلية وضع أسماء المفرج عنهم من الطرفين، والمعايير التي يتم من خلالها وضع الأسماء، وما إذا كانت تعتمد مبادئ أولوية إطلاق سراح “الأكثر ضعفًا” كالأطفال والنساء والمرضى، أم أنها تختار قادة عسكريين ومقاتلين وشخصيات “مهمة” وأقارب للمسؤولين عن عمليات التبادل.

تفاصيل كثيرة لم تعرض للسوريين، وخاصة أهالي المعتقلين الذين يتابعون ما تعلن عنه وكالة “سانا” وما تعرضه المواقع الإخبارية من قوائم عقب كل صفقة تبادل، علّ أسماء أبنائهم أوبناتهم موجودة ضمنها.

تناقش عنب بلدي في هذا الملف آلية صفقات التبادل التي أجريت والتي من المخطط أن تستمر بين النظام السوري والمعارضة، برعاية “الدول الضامنة”، ومعايير اختيار أسماء المفرج عنهم من الطرفين، ومدى تأثير عملية التبادل على قضية المعتقلين، والتي تعتبر محط جدل في المحادثات الدولية الباحثة عن حل سياسي، وسط مطالب بتحييدها وإبعادها عن أي تسويات سياسية.

سجناء مفرج عنهم في صفقة تبادل بين النظام والمعارضة بريف حلب – تشرين الثاني 2018 (afp)

المعارضة.. تخفي الحقائق أم أنها خارج المشهد؟

جاء في البند العاشر من البيان الختامي للجولة الـ 11 من محادثات “أستانة” 28 و29 من تشرين الثاني 2018 الترحيب بـ “التجربة الناجحة” لإطلاق سراح المعتقلين والمخطوفين في إطار عمل “مجموعة العمل”، وتسليم الجثث وتحديد المفقودين.

الأسير والمعتقل والسجين في القانون الدولي
الأسير: هو من يقع في قبضة العدو من أفراد القوات المسلحة المعادية أو الأفراد التابعين لها.المعتقل: هو الشخص المدني الذي يقع في قبضة العدو على ألا يكون مشاركًا في العمليات العسكرية.

وغالبًا ما يتم الخلط بين أسير الحرب والمعتقل بالرغم من اختلاف التعريف والوضع القانوني والحقوق التي يتمتع بها كل منهما.

السجين: هو كل من ارتكب مخالفة قانونية أو جنحة أو جريمة أيًا كانت، وأمره يعود إلى قوانين بلاده.

واعتبر البيان أن إطلاق سراح معتقلين في 24 من تشرين الثاني 2018 (الصفقة الأولى للتبادل) شكل تقدمًا في معايير بناء الثقة بين الأطراف السورية، للإسهام في دعم العملية السياسية وتطبيع الواقع على الأرض، مع التأكيد على الالتزام بتقدم مستمر في جهود “مجموعة العمل”.

أجريت الصفقة الأولى في معبر أبو الزندين بريف حلب الشرقي، الواصل بين مناطق النظام السوري والمعارضة، إذ أطلق النظام السوري سراح 20 معتقلًا من سجونه مقابل استلام عشرة أسرى لدى المعارضة.

وصفت وكالة الأنباء الحكومية السورية (سانا) التبادل، حينها، بأنه “تحرير عشرة مختطفين كانوا محتجزين لدى التنظيمات الإرهابية التكفيرية في ريف حلب الشرقي”، بينما قال المتحدث باسم وفد المعارضة إلى “أستانة”، أيمن العاسمي لعنب بلدي، آنذاك، إن العملية هي “اختبار لفتح قضية المعتقلين بشكل عملي، وهي عملية إطلاق سراح بالتزامن وليست عملية تبادل لأننا نرفض عملية تبادل المعتقلين”.

لم يتوقف الأمر على الصفقة المذكورة، بل تبعتها صفقتان، الأولى في 12 من شباط 2019 والثانية في 22 من نيسان 2019، وخرج بموجبها أشخاص من الطرفين بينهم نساء، مع غموض معايير تحديد الأسماء، والتي لم تكشف هوية البعض منها سوى في الصفقة الثانية.

وفيما يتعلق بسير العملية التي أجريت بها الصفقات فإنها جاءت بصورة مفاجئة، ولم يعلن وفد المعارضة بشكل مسبق عنها، كما لم تنشر القوائم الاسمية بشكل دقيق للمفرج عنهم، والذين غاب ظهورهم عن الإعلام بعد إتمام الصفقات التي خرجوا بموجبها.

واللافت في عمليات التبادل التي أجريت أنها حملت صيغة “تبادل مختطفين” بين الطرفين، كخطوة تبتعد بالظاهر عن قضية المعتقلين في سوريا، وتشكل اختصارًا لها بتبادل أسرى الحرب، وهو ما أكد عليه النظام السوري في أثناء تغطياته في ريف حلب، في أثناء إتمام العمليات.

حاولت عنب بلدي التواصل مع إحدى النساء المفرج عنهن في الصفقة الثانية، شباط 2019، إلا أنها لم تجب عن الأسئلة، بينما قال أحد المقربين منها لعنب بلدي إنها خرجت إلى تركيا على الفور بعد خروجها بموجب الصفقة، مضيفًا أن أشخاصًا من المفرج عنهم والذين وصلوا إلى مناطق المعارضة طلبوا العودة إلى مناطق النظام خلال أيام، كونه لا توجد قضايا أمنية متعلقة بهم، واعتقلوا بـ “تهم عابرة” على الحواجز الأمنية.

فيما يخص المعارضة السورية، تحدثت عنب بلدي مع رئيس وفد المعارضة إلى “أستانة”، أحمد طعمة، ولم يجب عن الأسئلة المطروحة، والمتعلقة بآلية اختيار الأسماء، واعتبر أنها “محرجة”، وإلى جانبه قال العقيد، أحمد عثمان، قائد فرقة “السلطان مراد”، والمشارك في المحادثات، إنه غير مطلع على صفقات التبادل، ولا توجد لديه أي إجابة عن الأسئلة المذكورة سابقًا.

نائب رئيس “الائتلاف السوري” المعارض، بدر جاموس، لم يعطِ أي رد أيضًا، بعد أن تواصلت عنب بلدي معه للحديث عن ملف المعتقلين.

وفد المعارضة إلى أستانة 12 – نيسان 2019 (الأناضول)

إطلاق سراح مشروط

بالتزامن مع تنفيذ صفقات التبادل الثلاث بموجب محادثات “أستانة”، كانت فصائل “الجيش الوطني” حاضرة على الطرف المقابل لمعبر أبو الزندين، وتركز عملها حول التنسيق، بعيدًا عن تنفيذ تفاصيل الآلية الدقيقة والمخطط لها، والتي تمسكها “الدول الضامنة”، وبشكل أساسي الجانبين التركي والروسي.

يوضح المتحدث باسم الجيش الوطني، يوسف حمود، أن عمليات التبادل التي أجريت يُطلق عليها اسم “إطلاق سراح مشروط”، ولا تدخل في ملف المعتقلين.

ويقول حمود لعنب بلدي، إن “الجيش الوطني” كان له دور في الصفقة الأولى والثانية لتبادل المعتقلين والأسرى، من خلال وضع أسماء المفرج عنهم من سجون النظام السوري، بينما لم يكن له أي دور في الصفقة الثالثة، التي أجريت في نيسان الماضي، مشيرًا إلى أن النظام السوري تهرّب عدة مرات، وأرسل أسماء من غير المطلوبين، محاولًا “تمييع” القضية، بحسب تعبيره.

تجرى الصفقات تحت إشراف تركي- روسي، بحسب حمود، الذي يقول إن الأسماء الخاصة بالمعارضة السورية توضع بدراسة مع الجانب التركي، إذ توجد شروط تخص وضع المعتقل للتأكد من أنه على قيد الحياة أم لا وفي أي معتقل أمني موجود، في خطوة لـ”وضع النظام السوري تحت الأمر الواقع”.

ويضيف المتحدث باسم “الجيش الوطني”، أن التبادل الأخير، في 22 من نيسان 2019، يعتبر فاشلًا، لأن النظام السوري لم يفرج عن الأسماء المتفق عليها، لأسباب تندرج في إطار التهرب والمراوغة، لكن الصفقة الأولى والثانية تختلف، إذ كان فيها معتقلون لأربع وخمس سنوات، وآخرون سنة وأقل.

الرائد محمد أيوب، مدير معبر أبو الزندين، تحدث لعنب بلدي عن آلية صفقات التبادل التي أجريت، موضحًا أن وفدًا من الأتراك والروس يلتقون قبل إتمام العملية، وبالتزامن مع ذلك تحضر فصائل المعارضة الأسرى، وكذلك النظام السوري، وتتم عملية التبدل ضمن تفاهمات “أستانة”.

وبحسب القيادي العسكري أعلن عن ثلاث صفقات تبادل فقط، ولم تسبقها أي صفقات غير معلنة.

من معتقلين إلى أسرى حرب

في مقالة للحقوقي والصحفي منصور العمري نشرتها عنب بلدي في تشرين الثاني 2018، قال إن التبادل الذي أجري بين النظام السوري والمعارضة يعتبر اختصارًا لمسألة المعتقلين، في تشويه يحولها إلى مسألة مشابهة لتبادل أسرى الحرب، كجزء من العملية السياسية في سوريا حسب بيان أستانة، بما يسقط كل تلك الجرائم عن النظام في سوريا وعن خاطفي المدنيين غير المشاركين في أعمال قتالية على يد الجماعات المناهضة لنظام الأسد.

ويضيف العمري أن التبادل يفرض على الضحايا المطالبة بحقوقهم خارج سوريا، والنتيجة رمزية ونظرية في هذه الحالة، لأنه لن تكون هناك محاسبة فعلية للمرتكبين من نظام الأسد طالما بقي حاكمًا لسوريا.

وعلى العكس تمامًا، فبحكم القانون الوطني السوري والمادة (3) المشتركة بين اتفاقيات جنيف، يحق لنظام الأسد ملاحقة “الأشخاص الذين احتجزوا لمشاركتهم في العمليات العدائية” جنائيًا، وهو ما بدأ به بالفعل في المناطق التي فرض سيطرته عليها بالقوة بعد تهجير أهلها وعقد اتفاقات ما يسمى بالمصالحة مع من بقي فيها، بحسب العمري.

ويوضح الحقوقي أن “صفقات تبادل المحرومين من حريتهم تُسقط جرائم الاعتقال العشوائي والتعسفي والإخفاء القسري والتعذيب التي ارتكبها نظام الأسد ولا يزال، والاختطاف والتعذيب الذي ارتكبته فصائل مناهضة للأسد ولا تزال، وتعتبر جريمة بحق المعتقلين لدى الأسد بمختلف فئاتهم”.

قيادي عسكري كان مشاركًا في محادثات “أستانة 6″ و”أستانة 7” (طلب عدم ذكر اسمه) قال لعنب بلدي إن النظام السوري أفرج في صفقة التبادل الأخيرة (نيسان 2019)، عن أشخاص اعتقلهم قبل شهرين من إتمام الصفقة، بينهم شاب اعتقل في أثناء استخراجه لجواز سفر من إدارة الهجرة والجوازات، وتمت مبادلته مع الأسرى.

وأضاف القيادي أن صفقات التبادل، “تجري كما يريد النظام السوري وحليفته روسيا”، مضيفًا أن “ربط التبادل بمحادثات أستانة ضحك على اللحى، وهي عبارة عن شيء لا نملكه”.

وبشأن آلية اختيار أسماء المفرج عنهم من جانب النظام السوري، أوضح القيادي أن الاتفاق يجري بشكل سريع بين النظام السوري والمعارضة، دون حسم الأمور من جانبهم، للعودة إلى الطرفين الروسي والتركي، معتبرًا أن النظام السوري له غاية من تبادل الأسرى لإظهارها على الملأ العام، كي يضع الطرف الآخر (المعارضة) على أنه بنفس السوية فيما يخص المختطفين والمعتقلين والأسرى، في “تصفية مستمرة لملف المعتقلين”.

المعتقلون.. هل يجب تسييس الملف؟

في ظل الضبابية التي تسود مشهد عمليات تبادل الأسرى تُطرح الكثير من التساؤلات، خاصةً فيما يتعلق بمسار أستانة، فهل هو الطريق الذي سيوصل إلى انفراجة في قضية المعتقلين العالقة؟ أم أن الصفقات التي تمت كانت بمثابة التفاف من قبل الجهات الراعية لهذا المسار؟

مسؤولة قسم المعتقلين في “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، نور الخطيب، اعتبرت في حديثها لعنب بلدي أن قضية المعتقلين والمختفين هي مسؤولية مجلس الأمن، والجمعية العامة للأمم المتحدة، والأمين العام للأمم المتحدة، كما أنها مسؤولية الأطراف المتفاوضة في “جنيف” و”أستانة”.

لكنها استدركت أنه في الأصل يجب عدم تسييس ملف المعتقلين، ورفض حصره تحت مسمى “تبادل الأسرى والمخطوفين”، بل الحفاظ على إنسانيته، وعدم طرحه كورقة ضغط في اجتماعات المعارضة والنظام، والتركيز على جعل ملف المعتقلين منوطًا بالأمم المتحدة، وإن كان خارج مسار “جنيف”.

وأشارت الحقوقية إلى أن المسؤولية تُلقى على عاتق “المبعوث الدولي إلى سوريا”، والذي يتوجب عليه مصارحة المجتمع السوري بالأسباب الحقيقية لفشل جولات التفاوض حتى الآن في الكشف عن مصير المختفين قسريًا، أو الإفراج عن النساء والأطفال المحتجزين، وكذلك عليه تحديد مسؤولية الدول الراعية لمسار “أستانة”، وبشكل خاص روسيا وإيران، كونهما حليفين للنظام السوري المتسبب في 87% من حالات الإخفاء القسري، وما يتبعها من تعذيب للمختفين، وموت بسبب التعذيب.

ولفتت إلى أنه على جميع الأطراف أن تعي، وتضع في حسبانها أنها كلما تأخرت في إنشاء آليات فعالة لمعالجة مسألة المعتقلين، كلما ضعف احتمال الحفاظ على حياتهم وحمايتهم وإعادتهم إلى أسرهم سالمين.

 

القرارات الأممية لم تُطبّق

وأضافت الخطيب أن النظام يتعامل مع ملف المعتقلين ضمن إطار “تبادل الأسرى” فقط، وذلك على الرغم من أن غالبية المعتقلين لديه تم اعتقالهم على خلفية الرأي، ولا يندرجون ضمن مصطلح “الأسرى”.

كما أن النظام يرفض تطبيق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بقضية المعتقلين كالقرارين رقم (2041) و(2042) في نيسان لعام 2012، والقرار رقم (2139) في شباط لعام 2014، والذي أكد على الوقف الفوري لممارسات الإخفاء القسري، وأدان ممارستها بعبارات صارخة، وكذلك البند (12) من القرار رقم (2254) كانون الأول لعام 2015، فجميع هذه القرارات بقيت مجرد حبر على ورق، ولم تنجح في كشف مصير أي مختفٍ أو مفقود، ولا في الإفراج عن النساء والأطفال، أو معتقلي رأي أو سياسيين.

وإلى جانب ذلك فشلت المعارضة العسكرية التي تولت عقد صفقات التبادل، في الإفراج عن المعتقلين والمختفين قسريًا من الناشطين البارزين، وعن الأطفال والنساء، وكذلك عن المعتقلين الذين يخضعون لمحاكم الميدان، أو الذين قاربت سنوات اعتقالهم الثماني سنوات.

القوائم بعيدة عن المنظمات المعنية

وأوضحت الخطيب أن المفرج عنهم في صفقات التبادل التي تمت حتى الآن عادة ما يكونون من أقارب قادة في الفصائل، أو ممن اعتُقلوا لأسباب لا تتعلق بالرأي، أو من الذين تم اعتقالهم لمدة قصيرة.

وبيّنت أنه غالبًا ما يقوم النظام السوري باختيار المفرج عنهم ورفض القائمة التي تقدمها المعارضة، والتي جُمعت بالأصل بطريقة غير واضحة، دون أن يتم التواصل فيها مع المنظمات الحقوقية المعنية والمطّلعة على توثيق قضايا المعتقلين.

وأشارت إلى أنهم في “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” دائمًا ما يدعون إلى وضع آلية لتبادل المعلومات وقوائم المعتقلين، وعدم حصر ذلك بفصائل المعارضة “كما درجت عليه العادة”، لما يحمله ذلك من خطر حصر القوائم الاسمية في فئة معينة من المعتقلين، كما يجب تجنب القوائم غير معروفة المصدر لما تحمله من ضعف في دقة المعلومات، أو احتمالية دس قوائم وهمية لإضعاف الملفات المقدمة من المعارضة، إضافةً إلى ضرورة صياغة شروط تضمن سلامة وحماية المعتقلين الواردة أسماؤهم في ملفات التفاوض.

وأكدت الخطيب أنه تتوفر لدى “الشبكة” آلية ومنهجية واضحة لمشاركة البيانات، وأنها سبق وأن قدمت الاستشارة، وطرحت رؤيتها حول عمليات تبادل الأسرى لمن طلبها منها من المسؤولين عن ملف المعتقلين في وفد “أستانة”.

إشكاليات تشوب صفقات تبادل

المدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، أشار من جانبه إلى أنه، ومن حيث المبدأ، فإن الإفراج عن أي مواطن سوري مدني، على أي بقعة سورية، تم اعتقاله بشكل تعسفي دون وجه حق، من قبل أي طرف كان، هو بالتأكيد “خطوة إيجابية”.

لكنه أشار إلى أن ما يجري حاليًا من صفقات تبادل تشوبها الكثير من الإشكاليات، إذ إن الهدف الأساسي غير المعلن عنها هو بالأساس تبادل ضباط أو مقاتلين أو قادة من الطرفين، ويتم خلالها إدراج بعض أسماء المدنيين من باب التغطية على الصفقة.

فالصفقات التي تمت لم يكن هدفها المعتقلين المدنيين، بل إنها في معظمها تمت لتبادل قادة أو أناس معينين، أما من يُفرج عنهم من المدنيين فيكونون ممن تم خطفهم أو اعتقالهم دون وجه حق، إذ إن النظام وعندما تصل إليه معلومات عن وجود صفقات تبادل قريبة يعمد إلى اعتقال أشخاص على خلفية انتمائهم لهذه الطائفة أو تلك، أو في أثناء تنقلهم بين المناطق، أو لقيامهم بنشاطات سلمية، كما تقوم المعارضة أيضًا باعتقالات تعسفية، ثم يقوم الطرفان بتبادل هؤلاء الأشخاص، وهذه الحقيقة لا يتم إعلانها.

ولفت الأحمد إلى أن تكرار ما يجري يجعل الأمور تدخل في دوامة خطيرة ومعقدة، إذ إننا لا نتحدث عن صفقة بين طرفين عسكريين يكون من المعروف أنه سيتم من خلالها تبادل عسكريين، وما يزيد الوضع خطورة هو أن أعداد المعتقلين من الطرفين ليست متساوية، “فالقصة ضبابية على نحو كبير وتفاصيلها ليست معروفة أمام عامة الناس”.

وبيّن الأحمد أنه ومن خلال إنجاز منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” لتقرير حول تبادل الأسرى حمل عنوان: “تبادل المقاتلين لا يحل أزمة عشرات آلاف المعتقلين والمفقودين في سوريا” تبيّن لهم أن الآليات التي تمت بها معظم الصفقات التي قاموا بمتابعتها كانت لها علاقة بأشخاص معينين أو قادة أو أشخاص قريبين من قادة معينين.

كما لعبت المحسوبيات والوساطات دورًا كبيرًا في تحديد الأشخاص الذين تمت المبادلة عليهم، فعندما كان يتم الحديث عن قرب صفقة أو مبادلة ما، كانت تنشط “السوق السوداء” المرافقة للعملية، إذ كان الأهالي يسارعون إلى دفع مبالغ نقدية كبيرة من أجل وضع أسماء أبنائهم في الصفقة، ورافقت العديد من عمليات التبادل سلسلة من عمليات الابتزاز المالي لأهالي المعتقلين والمفقودين، خاصةً من قبل أشخاص كانوا يدّعون أنهم يستطيعون الإفراج عن أبنائهم وبناتهم بمجرّد وضع اسمهم في قوائم التبادل.

وفي أحيانٍ أخرى لعبت صلة القرابة والمعرفة دورًا في تحديد الأشخاص الذين سيتم الإفراج عنهم، وكان يتم الزج ببعض الأسماء لمدنيين عاديين من أجل التغطية على أسماء مهمة أخرى في الصفقة.

فلا توجد شفافية واضحة بهذه الصفقات، يتضح من خلالها من هم هؤلاء الأشخاص المفرج عنهم؟ ولماذا تم اعتقالهم؟ وهل فعلًا كان يوجد سبب لاعتقالهم أم أن ذلك قد تم بشكل تعسفي؟ بحسب الأحمد.

الصفقات تفتح باب المتاجرة بالملف

وأكد الأحمد على أن موضوع صفقات التبادل خطير وهو بحاجة إلى حذر، إذ “لا يمكننا القول إننا ضد هذه الصفقات على الإطلاق، لأنه يتم خلالها الإفراج عن بعض الأشخاص، لكن المشكلة أننا لا نتحدث عن صفقات طبيعية بعدد أشخاص معينين من الطرفين يتم الإفراج عنهم”.

ويتابع، “تفتح هذه الصفقات الباب أمام الأطراف للمتاجرة بهذا الملف، والدفع من أجل المحاكمات، أو تحقيق مكاسب سياسية وعسكرية من خلالها، مع ما ينجم عن ذلك من الإفراج عن بعض الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا متورطين بجرائم حرب، فالمشكلة بملف صفقات التبادل تكمن في التفاصيل”.

وأشار الحقوقي إلى أن ذلك يؤكد على ضرورة وجود عملية واضحة برعاية أممية، بدلًا مما يجري من متاجرة بمعاناة المدنيين بشكل سيئ للغاية.

معتقلين أفرج النظام السوري عنهم في صفقة تبادل بريف حلب – شباط 2019 (الأناضول)

استطلاع رأي: صفقات التبادل لا تصب في مصلحة قضية المعتقلين

أظهر استطلاع للرأي أجرته عنب بلدي عبر صفحتها على “فيس بوك” عدم ثقة أغلب المتابعين بعمليات تبادل المعتقلين بين النظام والمعارضة بموجب محادثات أستانة.

إذ وجد 66٪ من المشاركين في الاستطلاع، والذين وصل عددهم إلى 480، أن تلك الصفقات لا تساعد في دعم قضية الإفراج عن المعتقلين، مقابل 34٪ أبدوا تفاؤلًا تجاهها.

واعتبر المستخدم، علاء مختار، أن تلك الصفقات شخصية، فكل طرف “يطلب أقاربه” دونًا عن باقي المعتقلين، بينما يرى عمّار نعمان، أن تلك العمليات تنهي معاناة المعتقلين لدى الطرفين.

أما المستخدم نور الدين، فتساءل عن فائدة وجود معتقلين للنظام لدى المعارضة، معتبرًا أن الإفراج عنهم مقابل إخراج معتقلين في سجون النظام أفضل.

منظمات حقوقية تستشعر خطر “مجموعة العمل”

في 20 من كانون الثاني عام 2018، اجتمعت 11 منظمة حقوقية، عقب شهر من الإعلان عن “مجموعة عمل” بخصوص المعتقلين التي أقرتها الجولة الثامنة من “أستانة”، والتي أحدثت تخوفًا لديها، بسبب ربط القضية الخاصة بالمعتقلين بالمسار السياسي.

وحضر الاجتماع ممثلون عن جهات مختلفة، هي “صوت المعتقلين”، “منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، “المركز السوري للإحصاء والبحوث”، “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، منظمة “نقطة بداية”، ومنظمة “أورنمو للعدالة وحقوق الإنسان”.

إضافة إلى “حملة أنقذوا البقية”، “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير”، “بصمات من أجل التنمية”، “الجمعية السورية للمفقودين ومعتقلي الرأي”، و”رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا”.

وفي حديث لعنب بلدي قالت ياسمين الخالد، عضو حملة “أنقذوا البقية”، حينها، إن رسالة سلمت لرئيس وفد المعارضة إلى “أستانة”، أحمد طعمة، تضمنت محددات وطروحات حول آلية العمل في الملف، وسط تخوف من استغلاله من قبل روسيا.

وجاء في أبرز المحددات التي احتوتها الرسالة الدعوة إلى فصل الملف عن المسار السياسي، والحفاظ على طابعه الحقوقي الإنساني، كما تنص القرارات الدولية، كما أكدت على ضرورة تجنب “الانجرار إلى فخ قوائم أسماء المعتقلين”، الذي ثبتت آثاره السلبية وعدم جدواه بالتجربة العملية في مفاوضات “جنيف 2″، وفق الخالد، إلى جانب إسناده إلى أصحاب الخبرة الفنية الحقوقية والقانونية وإشراك ممثلي منظمات المجتمع المدني المختصة.

وتضمنت الرسالة تحذيرات من تحويل الملف إلى مبادلات، “بل التمسك بضرورة الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين، والأهم من هذا كله أن يعالج الملف في ظل رعاية دولية محايدة ومتعددة الأطراف بما يضمن حمايته من التجاذبات السياسية والمصلحية”.

ووصلت المنظمات إلى نتيجة أنه “لا يمكن التعامل مع قوائم بأسماء المعتقلين، لأن الأمر أثبتت أنها مقاربة فاشلة، يستطيع النظام التلاعب بها واستغلالها”، مؤكدةً “نحن غير مستعدين لتقديم القوائم بل يجب الضغط على النظام لتسليم القوائم لديه”.

وبعد صدور آلية تشكيل “مجموعة عمل”، حاولت المنظمات التواصل مع رئاسة الوفد، بحسب الخالد، ولفتت إلى أن التخوف يكمن في فكرة مفادها “أن تقود روسيا الملف بشكل أساسي، وأن تأخذه المعارضة إلى أستانة وتعطيه شرعية، دون معرفة إلى أين سيصل، ما يعرض المعتقلين للخطر”.

ودعت الخالد إلى نقاش الملف بشكل محايد وتحت رعاية دولية، إلى جانب إشراك المجتمع المدني والمنظمات المختصة، “التي تعرف كيف تتعامل مع حساسية الأمر”، مؤكدة أن “تشكيل مجموعة العمل أثار مخاوفنا ولم يعطنا الأمل إطلاقًا”.

وكما أوضحت عضو الحملة، فإن طعمة “رحب بالطرح وكان منفتحًا خلال الحوار ووعد بدراسة الرسالة بعمق وآلية العمل ضمن المحادثات”، إلا أنها تحدثت عن غياب أي ضمانات، فالمسار حوله علامات استفهام أبرزها: ما الأدوات للتأكد من مآلات الملف.

سجناء مفرج عنهم في صفقة تبادل بين النظام والمعارضة بريف حلب – تشرين الثاني 2018 (afp)

 صفقات التبادل التي أجريت بموجب “أستانة”

“أول اختبار”

أولى عمليات التبادل أجريت في يوم 24 من تشرين الثاني 2018، إذ أطلق النظام السوري سراح 20 معتقلًا من سجونه مقابل استلام عشرة أسرى لدى المعارضة، بموجب عملية تبادل في مدينة الباب بريف حلب الشرقي.

وقال المتحدث الإعلامي لوفد المعارضة إلى “أستانة”، أيمن العاسمي، حينها، إن العملية هي “اختبار لفتح قضية المعتقلين بشكل عملي، وهي عملية إطلاق سراح بالتزامن وليس عملية تبادل لأننا نرفض عملية تبادل المعتقلين”.

وأضاف العاسمي لعنب بلدي، أن المفرج عنهم من قبل النظام هم من المدنيين والعسكريين، ولا يرتبطون بمجموعة بعينها.

صفقة تبادل في شباط

صفقة التبادل الثانية جرت بعد ثلاثة أشهر من “عملية الاختبار” الأولى، في 12 من شباط 2019، إذ أطلق النظام السوري سراح 20 معتقلًا من سجونه مقابل استلام أسرى له لدى فصائل المعارضة.

وأفاد مراسل عنب بلدي في ريف حلب، حينها، أن من بين المعتقلين عشر نساء بينهن خمس نساء من حمص ومعتقلتان مع أبنائهما.

وبحسب ما نقل المراسل عن مصادر مطلعة على عملية التبادل فإن من بين أسماء المعتقلات المفرج عنهن: هيام حلواني، آلاء حاج حسن، أميرة حبيجان، بشيرة حبيجان، نعمة عجم.

“تبادل أسرى” للمرة الثالثة

صفقة التبادل الثالثة كانت، الاثنين 22 من نيسان 2019، إذ أجرت فصائل من المعارضة وقوات الأسد، عملية تبادل أسرى في منطقة دير قاق بريف حلب الشرقي، قبيل الجولة الثانية عشرة من محادثات “أستانة”.

وأوضح مراسل عنب بلدي أن العملية تمت بتبادل تسعة أشخاص من طرف المعارضة، مقابل تسعة من قوات الأسد، وذلك بحضور وفد من الأمم المتحدة والجانب التركي.

عملية تبادل الأسرى لدى فصائل المعارضة بمعتقلين لدى قوات النظام في معبر “أبو الزندين” (الأناضول)

مقالات متعلقة