ع ع ع

فريق التحقيقات – مراد عبد الجليل | ضياء عودة | أحمد جمال

ساحات وشوارع فارغة، وطوابير سيارات لمسافات طويلة على محطات الوقود، مشاهد يومية تعكس صورة الواقع ومعاناة المواطنين في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري، في ظل أزمة محروقات حادة، تقابلها وزارة النفط في حكومة النظام بشكر المواطنين “على حسهم الوطني وصبرهم” على العقوبات الاقتصادية باعتبارها “غيمة وبتمر”.

وبين انتظار المواطنين لانفراج قريب، وتخوفهم من تفاقم الأزمة وارتداد آثارها مستقبلًا على قطاع الصناعة وأسعار المواد الأساسية والغذائية، تتكرر وعود مسؤولي الحكومة “الخلبية” التي تموّه، خلف شعارات المقاومة والوطنية، حقيقة تفاقم الأزمة وانعدام البوادر لحلها بشكل نهائي.

وعلى الرغم من أن الأزمة ظاهرها اقتصادي تؤثر بشكل مباشر على المواطنين، إلا أن أهدافًا سياسية تقف وراءها، إذ تؤكد الولايات المتحدة الأمريكية أن هدف العقوبات هو تعطيل قدرة رئيس النظام، بشار الأسد، على تمويل حملته العنيفة ضد الشعب وإجباره على التنحي.

أما حلفاء النظام، روسيا وإيران، فيحاول كل منهما الاستفادة من الضائقة الاقتصادية التي يمر بها لدفعه إلى تقديم تنازلات تمكنهما من الحصول على مشاريع استثمارية سيادية لعشرات السنين، كما حصل مؤخرًا في استئجار روسيا لمرفأ طرطوس الاستراتيجي لمدة 49 عامًا.

تناقش عنب بلدي في هذا التحقيق أبرز المؤشرات التي تقف خلف أزمة المحروقات في سوريا، وطرق تأمينها من قبل النظام في ظل العقوبات الاقتصادية، إلى جانب الصراع السياسي بين الأطراف الدولية وعلاقته بالأزمة.

رجل في ريف الرقة أمام حفرة من الوقود – 15 نيسان 2013 (AFP)

أزمة حقيقية.. أمريكا تشدد والمواطنون “يضرسون”

في ظل وجود تجارب سابقة للنظام بافتعال أزمات تمس المواطنين لأهداف سياسية، اختلفت الآراء حول أسباب أزمة المحروقات الحالية، وذهب البعض لاعتبارها مقدمة لرفع الدعم عن المحروقات وبيعه بالسعر الحر.

لكن محللين اقتصاديين التقتهم عنب بلدي، اتفقوا على أن أزمة المحروقات حقيقية، تؤكدها عدة مؤشرات، أبرزها خروج آبار النفط من سلطة النظام خلال السنوات الماضية، وغياب خزان الثروة النفطية المتمثل بمنطقة شرق الفرات، الخاضعة حاليًا لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وتهديد الأخيرة بعدم تزويد النظام بالنفط عبر الشاحنات.

وذلك أدى إلى خسارة حجم إنتاج كان يصل إلى 385 ألف برميل يوميًا قبل 2011، أما الآن فيبلغ حجم الإنتاج النفطي من المناطق التي استعاد النظام سيطرته عليها جنوب نهر الفرات 24 ألف برميل يوميًا فقط، بحسب ما ذكرته صحيفة “الوطن”، المقربة من النظام في 17 من نيسان الحالي.

أما المؤشر الثاني فهو غياب الإمدادات الإيرانية وتوقف الخط الائتماني الذي وقعه النظام مع إيران في كانون الثاني 2017 بقيمة مليار دولار، خصص منه 500 مليون دولار لدعم استيراد المشتقات النفطية، ليستورد من خلاله 90% من احتياجاته النفطية، قبل أن يتوقف أواخر العام الماضي بسبب العقوبات الأمريكية على طهران، وتشديد الخناق على الطرق البحرية والبرية، بحسب ما أكده المحلل الاقتصادي، مناف قومان، لعنب بلدي.

وكان مدير عام شركة المحروقات (سادكوب) التابعة لوزارة النفط في حكومة النظام السوري، مصطفى حصوية، قال في مقابلة مع قناة “الإخبارية السورية”، عُرضت السبت 13 من نيسان الحالي، إن الخط الائتماني الإيراني الموقع مع الحكومة لتوريد النفط الخام من إيران إلى سوريا، متوقف منذ 20 من تشرين الأول الماضي، مضيفًا أن إيران كانت تورد إلى سوريا ميلوني برميل نفط شهريًا، ووصلت الكمية إلى ثلاثة ملايين برميل في بعض الأشهر، لكن منذ ستة أشهر لم تصل إلى سوريا أي ناقلة نفط من طهران.

سائقو سيارات الأجرة يدفعون سياراتهم التي نفد منها البنزين إلى محطة محروقات في العاصمة السورية دمشق – 16 نيسان 2019 (AFP)

أمريكا تشدد العقوبات

تشديد العقوبات الأمريكية لم يكن على طهران فحسب، وإنما شمل تحذيرات أطلقتها واشنطن ضد من يسهم في تزويد النظام السوري بالمحروقات، سواء كانوا أشخاصًا أو شركات ناقلة، إذ حذر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابعة لوزارة الخزانة (OFAC)، في بيان صادر عن مكتب الشؤون العامة لوزارة الخزانة الأمريكية وصل لعنب بلدي، في 26 من آذار الماضي، مجتمع شحن البترول البحري من المخاطر المرتبطة بنقل شحنات النفط إلى سوريا.

وأضاف البيان، وهو تحديث لتحذير سابق صادر في 20 من تشرين الثاني 2018، أسماء العشرات من الناقلات الجديدة المشاركة في شحنات نفط غير مشروعة، بما في ذلك 16 ناقلة تشحن النفط إلى سوريا.

التحذير الأمريكي المشدد جاء بعد تحايل النظام السوري وحلفائه على العقوبات عبر عدة طرق، وهو ما اعترفت به وزارة النفط في مكاشفتها لصحيفة “الوطن”، في 17 من نيسان الحالي، إذ أكدت الوزارة أنه بعد توقف الخط الائتماني الإيراني بدأت عملية البحث عن الحلول عبر التحايل على العقوبات الاقتصادية، عن طريق توقيع عقود توريد برية وبحرية وجوية عبر الدول المجاورة.

كما أكدت واشنطن جديّة العقوبات على الجهات والدول التي تمرر ناقلات نفط إلى سوريا مثل مصر عن طريق قناة السويس، والعراق التي تمرر ناقلاتها برًا، أو “قسد” التي تمرر كمية من الشاحنات، بحسب ما قال رئيس “مجموعة عمل اقتصاد سوريا”، أسامة القاضي، لعنب بلدي.

وكان رئيس الوزراء السوري، عماد خميس، قال في 8 من نيسان الحالي، إن قناة السويس المصرية تمنع منذ ستة أشهر عبور السفن المحملة بالنفط إلى سوريا، مضيفًا، “فشلت كل المحاولات والاتصالات في إقناع الجانب المصري بتمرير ناقلة واحدة”.

من جهته أكد المستشار في وزارة الاقتصاد الإيرانية، ميثم صادقي، بحسب صحيفة “الأخبار” اللبنانية، في 11 من نيسان، أن “مصر ترفض منذ فترة السماح لناقلات النفط بالمرور، التزامًا بالعقوبات الأمريكية”.

أربع طرق يستخدمها النظام  للتحايل على العقوبات

حددت وزارة الخزانة الامريكية أربع طرق كان النظام يتحايل بها على العقوبات الأمريكية، لاستيراد المحروقات، وهي:

– تزوير مستندات الشحن والسفن، إذ تلجأ الشركات التي تورد المحروقات للنظام إلى تزوير سندات الشحن وشهادات المنشأ والفواتير وقوائم التعبئة وإثبات التأمين، التي تصاحب عادة معاملة الشحن، بهدف حجب وجهة الشحنات البترولية.

– النقل من سفينة إلى سفينة أخرى (STS) وهي وسيلة لنقل البضائع بين السفن في أثناء وجودها في البحر بدلًا من الميناء، ما يمكن أن يخفي ذلك منشأ البضائع أو وجهتها.

– تعمد السفن التي تنقل المحروقات للنظام إلى تعطيل نظام التعرف التلقائي (AIS) وهو نظام تتبع أوتوماتيكي للسفن ويحدد هويتها وموقعها.

–  تغيير مالكي السفن واسم السفينة في محاولة للتشويش على أنشطتها غير المشروعة، لهذا السبب من الضروري البحث عن أي سفينة ليس فقط بالاسم، ولكن أيضًا عن طريق رقم المنظمة البحرية الدولية (IMO).

 

 

سيناريو كارثي

“نحن أمام سيناريو كارثي”، بهذه الكلمات وصف المحلل الاقتصادي، مناف قومان، آثار الأزمة في حال استمرارها وتمسك النظام بخياراته وممارساته، بسبب احتمالية ارتدادها على قطاعات مختلفة، أبرزها قطاع الزراعة.

وأضاف قومان في حديثه لعنب بلدي، “إذا منعت أمريكا قسد من إمداد النظام بشاحنات البترول، وتم استهداف أي شحنة نفط متوجهة إلى سوريا من إيران برًا أو بحرًا، لا يبقى لدى النظام سوى الحقول والآبار الخاضعة لسيطرته فقط، وهذه لا تكفي إلا النذر القليل من احتياجاته، وستشهد البلد ارتفاعًا كبيرًا بأسعار السلع الغذائية، وانخفاض في قيمة الليرة”.

وتحتاج السوق السورية يوميًا إلى ما لا يقل عن 4.5 مليون ليتر من البنزين، وستة ملايين ليتر من المازوت، وسبعة آلاف طن من الفيول، و1200 طن من الغاز، بحسب ما أكده رئيس “مجموعة عمل اقتصاد سوريا”، أسامة القاضي، لعنب بلدي.

ذلك يعني، بحسب القاضي، أن حكومة النظام تحتاج شهريًا إلى 200 مليون دولار أمريكي، بينما تمتلك احتياطيًا يقدر بحوالي 700 مليون دولار فقط، وهو ما يكفي لحوالي ثلاثة أشهر، إضافة إلى أن الإنتاج النفطي الحالي هو حوالي 20 ألف برميل، في حين تحتاج يوميًا إلى 136 ألف برميل، وبذلك يصل العجز في مادة المازوت إلى 90 يومًا، والبنزين إلى 108 أيام، والغاز إلى  45 يومًا.

وأشار القاضي إلى أن أزمة الوقود الأخيرة زادت من سوء الحالة المعيشية للمواطن السوري، الذي كان يعاني أصلًا من أوضاع معيشية متدنية جدًا، ومن ارتفاع مستوى البطالة، وسوء الخدمات، والتضخم الجامح، وانخفاض سعر صرف الليرة السورية، إضافة إلى رفع الأسعار، وتضاعف أجور النقل (سرافيس وسيارات الأجرة) لتعويض الخسائر المترتبة على إهدار الوقت من أجل الحصول على 20 ليترًا فقط التي خصصتها وزارة النفط لكل سيارة.

وكانت حكومة النظام بدأت مؤخرًا ببيع سعر ليتر البنزين بالسعر الحر عبر كازيات متنقلة في العاصمة دمشق، إذ وضعت محافظة دمشق، الثلاثاء 16 من نيسان، محطة متنقلة لتأمين البنزين نوع “أوكتان 95” في منطقة المزة وبسعر 600 ليرة سورية

وهي المرة الأولى التي تبيع فيها الوزارة البنزين بالسعر الحر، على اعتبار أنه من المواد المدعومة حكوميًا، ويصل سعر الليتر الواحد إلى 225 ليرة سورية فقط.

طرق يلجأ إليها النظام لإنهاء الأزمة

في ظل العقوبات الصارمة ومنع أي ناقلة نفط من الوصول إلى سوريا، لجأ النظام إلى توقيع عقود توريد برية وبحرية عبر الدول المجاورة مع عدد من موردي النفط، لكن تلك العقود تعثرت، إما لأسباب تتعلق بالإجراءات اللوجستية أو بسبب الجانب الفني الذي يعيق وصولها، بحسب ما نقلته صحيفة “الوطن” في 17 من نيسان، ما يعني أن النظام مضطر للبحث عن طرق أخرى لتأمين المشتقات النفطية.

رئيس مجموعة عمل اقتصاد سوريا، الخبير الاقتصادي، أسامة القاضي، يعتقد أن النظام سيلجأ إلى روسيا لإرسال سفنها عبر البحر الأسود ومن ثم مضيق البوسفور لتدخل ناقلاتها عن طريق تركيا، كما سيلجأ النظام إلى إيران للتوسط لدى تركيا من أجل إدخال النفط عبر أراضيها.

وذلك يعني أن تمر شحنات النفط من تركيا إلى مناطق النظام عبر ريف حلب الشمالي الخاضع لسيطرة فصائل المعارضة السورية المدعومة من تركيا والمحسوبة عليها، والتي افتتحت، في آذار الماضي، معبر أبو الزندين في الجهة الغربية لمدينة الباب، المؤدي إلى قرية الشماوية، التي تخضع لسيطرة النظام.

وكانت شحنات وقود عبرت من مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في شمال شرقي سوريا، إلى مناطق سيطرة النظام السوري عبر المعبر، قبل أن يصدر “الجيش الوطني” العامل في المنطقة قرارًا بمنع تصدير المحروقات عبر المعبر، “بناء على مقتضيات المصلحة العامة”، بحسب بيان صادر عنه، الأربعاء 17 من نيسان.

كما يعتقد القاضي أن النظام سيلجأ إلى “قسد” لتمرير صهاريج الوقود (عبر وسطاء مثل عائلة القاطرجي)، وهو ما أكدته وزارة النفط في حكومة النظام ضمن مكاشفتها لصحيفة “الوطن”، إذ قالت إنها تسعى لتوريد النفط من المنطقة الشمالية الشرقية.

وفي حال تمّ ذلك، فإنه يتيح لـ “قسد” فرض شروطها السياسية في تفاوضها مع النظام بعد محادثات ماراثونية بين الطرفين، خلال العام الماضي، لم تفضِ لأي اتفاق.

لكن القاضي يرى أن “قسد” مجرد أداة أمريكية في سوريا، ولا تستطيع الخروج عن الأوامر الأمريكية، وأن أي عملية تفاوض تجريها مع النظام يراقبها الأمريكيون عن كثب، وهذا اختبار لجدية العقوبات الاقتصادية للدفع بحل سياسي، بحسب تعبيره، مشيرًا إلى أن شريان الوقود من المناطق الشرقية الذي قد يخفف من الأزمة، هو ورقة يضغط بها الأمريكيون على النظام للقبول بالحل السياسي.

ويضيف القاضي أنه ورغم منع “قسد” من شحن الوقود لمناطق النظام، لكن هذا لا يمنع السماح بتمرير 100 صهريج وقود بين الفينة والأخرى كبادرة حسن نية، للدفع بالحل السياسي، على حدّ تعبيره.

ورغم ذلك، فإن كل هذه الحلول قد تحل الأزمة مؤقتًا عن طريق أحد الأطراف، إلا أنها ستبقى حلولًا “مكياجية”، بحسب القاضي، وسرعان ما تزول وتعود الأزمات الاقتصادية مرة أخرى ليعاني منها من يعيش داخل سوريا، “ما لم يقتنع النظام وحلفاؤه بضرورة البدء بحل سياسي حقيقي”.

بائع في دمشق يعرض أوراق العملة السورية – 2012 (رويترز)

“استراتيجية عزلة” لتقديم تنازلات سياسية

مع دخول عام 2019 انطفأت العمليات العسكرية في سوريا على الأرض، وتوجهت البوصلة للحديث عن الحل السياسي الذي لا يزال دون أي بوادر واضحة حتى اليوم، لكن ورغم ذلك، بدأت الدول الفاعلة في الملف السوري بتوجيه تحركاتها إلى الضفة السياسية، في سعي لحل القضايا العالقة بانخراط النظام والمعارضة السورية في العملية السياسية.

ويبدو أن ذلك لم يرق للنظام السوري، الذي أوصل عدة رسائل بتصريحاته التي يؤكد فيها على شرعيته للسيطرة على ما تبقى من الأراضي السورية، ورفض أي حل سياسي تكون فيه المعارضة السورية جزءًا فاعلًا فيه.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ لعب النظام على أوتار عدة، كان أبرزها التوجه لحليفه الإيراني، الذي يعتبر العقبة الكبرى التي تعيق أي تحرك سياسي في سوريا حاليًا، بحسب ما تؤكده مواقف الدول، بينها الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وروسيا من جهة أخرى، والتي تتطلع إلى حل سياسي ما في سوريا، يضمن تثبيت نفوذها الاقتصادي، لاسترداد ما تكلّفته منذ العام 2015.

وبحسب ما يفرضه الواقع الحالي، وبشكل أوضح منذ مطلع العام الحالي (2019)، ومع تعنت النظام السوري وعدم تقديمه أي تنازلات، كان على الدول الفاعلة وعلى رأسها أمريكا فرض أساليب ضغط من شأنها كسر الحالة التي يفرضها، تمثلت بتشديد العقوبات الاقتصادية ومحاصرة النظام بشكل كامل، ما خلف عدة أزمات تصدرتها أزمة المحروقات، بإغلاق جميع المنافذ التي من الممكن أم يمر عبرها الوقود.

وتتمثل العقوبات الاقتصادية بفرض مجموعة من القيود على التجارة الدولية مع البلد المستهدف (سوريا حاليًا)، بهدف الضغط عليه لتغيير سياساته أو تقديم تنازلات في مجال ما.

ومع تتابع الأعوام أصبحت العقوبات الاقتصادية إحدى أدوات السياسات الخارجية للدول الكبرى، تستخدمها في الوقت الذي تحتاجه، كبديل عن العمليات العسكرية التي تقوم بها، أو تتبعها في مرحلة من المراحل.

دون رصاص

عند الحديث عن الضغوط المفروضة على النظام السوري لتقديم تنازلات سياسية لا بد من التطرق إلى الوضع السياسي العام الذي تعيشه سوريا حاليًا، والذي يتمحور حول مسارين أساسيين، الأول هو اللجنة الدستورية، المعوّل عليها وضع دستور جديد، والتي أعلن عنها في مؤتمر “الحوار الوطني” بمدينة سوتشي الروسية، مطلع العام 2018.

لم تشهد اللجنة الدستورية أي تطور حتى الآن، سوى اختيار شخصيات من المعارضة والنظام مع خلاف تشهده قائمة المجتمع المدني، على خلفية رفض النظام لستة أسماء وضعتها الأمم المتحدة.

أما المسار الثاني فهو مسار جنيف، الذي تريد أمريكا تسيير الحل السياسي في سوريا من خلاله، كونه برعاية الأمم المتحدة وفق قرار مجلس الأمن 2254، وهو ما يرفضه النظام السوري ولا يعترف به، وحاول عرقلته على مدار الجولات التسع التي عقدت في السنوات الماضية، آخرها في كانون الثاني 2018.

وبالعودة إلى شهر أيلول من عام 2018، أعلن جيمس جيفري، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، أن الولايات المتحدة تعتزم تبني “استراتيجية عزلة” مع حلفائها تشمل عقوبات مشددة، إذا عرقل رئيس النظام السوري العملية السياسية الرامية لإنهاء الحرب المستمرة منذ سبع سنوات.

وقال جيفري حينها إن واشنطن ستعمل مع دول في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط على فرض عقوبات دولية مشددة إذا تقاعس نظام الأسد عن التعاون بخصوص إعادة كتابة الدستور تمهيدًا لإجراء انتخابات.

وأضاف، “إذا فعل النظام ذلك، نعتقد أن بوسعنا عندئذ ملاحقته بنفس الطريقة التي لاحقنا بها إيران قبل 2015، بعقوبات دولية مشددة”، مشيرًا إلى عقوبات فرضت على طهران بسبب برنامجها النووي.

وبحسب المسؤول الأمريكي، “حتى إذا لم يقررها (العقوبات) مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فسنفعل ذلك من خلال الاتحاد الأوروبي، سنفعله من خلال حلفائنا الآسيويين، ثم سيكون شغلنا الشاغل جعل الحياة أسوأ ما يمكن لهذا النظام المتداعي، ونجعل الروس والإيرانيين الذين أحدثوا هذه الفوضى يهربون منها”.

وتعطي تصريحات جيفري صورة واضحة للواقع الحالي الذي يعيشه النظام السوري، بعد العقوبات الاقتصادية التي شددت عليه، منذ مطلع عام 2019، فالتنازلات السياسية من جانبه لم تطبق، الأمر الذي وضع أسس “العزلة الاستراتيجية”، التي كانت أولى تبعاتها أزمة النفط، وسط توقعات بأزمات أخرى قد تطاله في الأيام المقبلة.

سياسة الولايات المتحدة الأمريكية بفرض العقوبات على النظام لم تقتصر على العقوبات الاقتصادية فقط، بل كانت إلى جانبها “عقوبات ذكية”.

ووضعت أمريكا سياسيين وعسكريين واقتصاديين سوريين على لائحتها السوداء، منهم مازن ترزي، الذي شملته لائحة العقوبات في 2015، وجمدت أصول ممتلكاته داخل أمريكا، وجورج الحسواني، الذي اتهمته بعقد صفقات مع تنظيم “الدولة الإسلامية” لشراء النفط منه في أثناء سيطرته على آبار دير الزور في 2015، إلى جانب شركة “القاطرجي” النفطية في سوريا بسبب لعبها دور الوسيط بين النظام وتنظيم “الدولة” عبر تسهيلها نقل شحنات نفطية بين الطرفين.

ويقول المحلل الاقتصادي مناف قومان لعنب بلدي، إن العقوبات المفروضة على النظام السوري، والتي أدت إلى أزمة النفط التي يعيشها، تأتي لجرجرته إلى التنازل والقبول بالتفاوض على القرارات الدولية حول الانتقال السياسي من جهة، وإبعاد إيران عن سوريا من جهة أخرى.

ويضيف قومان، “أمام النظام العزلة الدولية وفقدان الشرعية، ومعاقبة أي شخص أو كيان أو دولة تتعامل معه”، وبالتالي لا إعادة إعمار في سوريا، ولا عودة إلى ما قبل عام 2011، موضحًا أن “هذه كلها أهداف ورسائل من منع المحروقات على سوريا”.

وزير النفط السوري علي غانم برفقة محافظ حمص طالل برازي أثناء زيارة لحقل نفطي بريف حمص الشرقي تشرين الثاني 2018 (وزارة النفط والثروة المعدنية)

كسر الرابط الإيراني

في ذات السياق يبدو أن أمريكا جادة هذه المرة في تشديد المقاطعة ضد النظام وإيران وتحاصره برًا وبحرًا، داخل وخارج سوريا، ليس من أجل إسقاطه بل كي تدفعه للحل السياسي خاصة في حال تم التصديق على قانون “سيزر”، بحسب رئيس “مجموعة عمل اقتصاد سوريا”، الخبير الاقتصادي أسامة القاضي.

ويقول القاضي لعنب بلدي إن عبارة تعليق الحظر بالحل السياسي ذكرت بشكل صريح ببنود القانون، بحيث يتبين أن الدفع بالحل السياسي لا يمكن الالتفاف عليه من قبل النظام بدعم من إيران، والضغط سيشتد أكثر حتى يتخلى النظام السوري عن الحليف الإيراني، وهو أمر بالغ الصعوبة، بحسب الخبير.

ولا يستبعد الخبير الاقتصادي استمرار الحصار الخانق على إيران، وبالتالي على سوريا ثم القيام بعمل عسكري ضخم سريع وخاطف أمريكي- إسرائيلي ضد إيران وحليفها في لبنان، برضا روسي، كجزء من صفقة روسية- أمريكية في سوريا، من أجل إغلاق الملف السوري.

وينسجم ما سبق، وفق رؤية الخبير، مع المزاج الحالي للحكومة الروسية، بحيث تتخلص من إيران متمثلة برأس النظام الذي سيكون زواله دبلوماسيًا بالحل السياسي وتنتهي من الأزمة السورية بالغة التعقيد وتحافظ ما أمكن على علاقة مع إسرائيل وتركيا ومصر والخليج، وتبقى القواعد الروسية في سوريا كضامن للحل السياسي.

أين روسيا؟

على الرغم من أن العقوبات الأمريكية والحصار المفروض على النظام السوري، هي السبب الرئيسي لأزمة النفط الذي تعيشها سوريا، لكن روسيا، حليفة النظام الأبرز، لا يبدو أنها تبذل أي جهد لإخراجه من أزمته الحالية.

ويرى المحلل الاقتصادي، مناف قومان، أن ما لا يمكن تحقيقه بالضغط السياسي يمكن بالضغط الاقتصادي، فروسيا لها اليد الطولى لإنقاذ النظام من السقوط، ومن ثم هناك خلافات مع إيران على أكثر من صعيد، لذا لا تجد امتعاضًا كبيرًا في العقوبات الأمريكية على إيران ولا في ضرب إسرائيل لأهداف إيرانية بسوريا، ولا بإعادة ترتيب البيت الداخلي في سوريا عسكريًا بعيدًا عن أيادي طهران.

ويوضح قومان أن موسكو تريد بعد تدخلها العسكري في سوريا أن يتم التوصل لآلية انتقال سياسي تحصد بعده ثمار تدخلها في إعادة الإعمار والطاقة وغيرها، مشيرًا إلى أن روسيا استغلت العقوبات على إيران من جانب الضغط الممارس على النظام لترسخ بالعملية السياسية.

وكان بشار الأسد زار طهران بعد فرض العقوبات على إيران بالرغم من الأزمة التي يعيشها النظام، وبحسب قومان، “الروس لديهم مشروع في سوريا ويريدون تنفيذه بوجود النظام أو من دونه”

ومع غياب أي تصريح رسمي من جانب روسيا عن أزمة المحروقات التي يعيشها النظام السوري، نقلت وكالة “سبوتنيك” الروسية، في 18 من نيسان 2019، عن الخبير الاقتصادي الروسي المستقل، أنطون شابانوف قوله إنه ليست هناك إمكانيات تقنية وتجارية لتوريد النفط الروسي إلى سوريا، إذ لا توجد بنية تحتية برية لذلك (أنابيب أو نقل بري)، أما النقل البحري فسوف يجعل تكلفة الوقود تتضاعف بحوالي 20 مرة.

وقال شابانوف، “لا توجد خطوط أنابيب للنفط، والبنية التحتية (في سوريا) بأكملها بعد الحرب في حالة سيئة، والنقل الجوي مكلف للغاية، وكذلك عن طريق البحر أيضًا مكلفة (…) سيكون نفطًا ذهبيًا”.

وأضاف الخبير الروسي، “نعم، يمكن لروسيا أن توفر النفط والمنتجات النفطية، لكنها ستكلف 20- 30 مرة أكثر من متوسط ​​السعر في سوريا (…) من سيشتريها؟ والبيع بخسارة، هذا لم يعد تجارة”.

لكن ومن وجهة نظر الخبير أسامة القاضي فإن مهمة الحصار الخانق على النظام السوري هي إحراجه وإجباره على التخلي عن حليف ضعيف كطهران.

ويعتقد القاضي أن حصار النفط يتم برضا روسي، كي تصل رسالة واضحة لإيران، بأن روسيا هي الحليف الوحيد القوي وهي الآمر الناهي في سوريا، ومن أجل إحراج النظام أمام الموالين ومن تبقى من حاضنة شعبية له، مشيرًا إلى أن الحكومة الروسية “ممتعضة أكثر من أي طرف آخر من الوجود الإيراني في سوريا الذي ينافسها على التغلغل في المؤسسات السورية اقتصاديًا وعسكريًا وإداريًا”.

ويوضح، “هناك سباق محموم بين الطرفين (روسيا، إيران) على التحكم في مفاصل الاقتصاد السوري، ومن الضروري روسيًا أن تصل الرسالة لرأس النظام أن الحاكم الفعلي لسوريا هي موسكو وليست طهران، وأن أي تحرك أخرق من قبله باتجاه الأخيرة سيكلفه الكثير”.

مقالات متعلقة