ع ع ع

مراد عبد الجليل | رهام الأسعد | محمد حمص | حباء شحادة

تخصص منظمات سورية ودولية عاملة في سوريا برامج خاصة للصحة النفسية والدعم النفسي- الاجتماعي، ورغم ظروف غير عادية يعيشها السوريون وتضعهم في عين شريحة المستهدفين من برامج الأمم المتحدة في هذا المجال، إلا أن نقاشًا مستمرًا يشهده قطاع الرعاية الصحية في سوريا عن ترتيب أولويات الدعم وهرم احتياجات المواطنين الذين لا يزالون يعانون من الآثار المباشرة للحرب.

أثار تخصيص منظمة الصحة العالمية (WHO) مبلغًا مقداره 5.5 مليون دولار أمريكي مناصفة لتمويل العلاج الفيزيائي والصحة النفسية في سوريا جدلًا واسعًا في قطاع الرعاية الصحية، وسط انقسام في الآراء بين من يرى أن ثقافة الدعم النفسي- الاجتماعي ونشرها بين المواطنين هي أولوية بسبب الحرب وما نتج عنها من أزمات نفسية، وأنه يجب تخصيص مبالغ مالية من أجل تقديمها للمواطنين على مستوى الفرد والجماعة، وبين من يرى أن المبالغ المخصصة للدعم النفسي- الاجتماعي يجب أن تذهب لدعم احتياجات الإنسان الأساسية، من تأمين المكان الآمن والمأوى والحاجات الغذائية والنظافة والمرافق الصحية والمياه الصحية وخاصة في المخيمات.

الجدل بدأ عندما قدم منسق القطاع الصحي لدى اتحاد منظمات الرعاية والإغاثة الطبية (UOSSM)، الدكتور ضياء الدين الزامل، استقالته من العمل الإنساني والقطاع الصحي عبر “فيس بوك”، في 2 من آذار الحالي، احتجاجًا على تخصيص منسق قطاع الصحة التابع لمنظمة الصحة العالمية المبلغ لتمويل الصحة النفسية.

واعتبر الزامل أن المبلغ، المخصص من صندوق التمويل الإنساني (HPF)، يجب أن يذهب لدعم المشافي ومراكز الرعاية الصحية الأولية، قائلًا “آلاف الجرحى والمرضى ليسوا أولوية لدى السيد منسق القطاع، خورخي كاستيلا، وبالرغم من محاولات بعض الإخوة الأحبة ثنيه عن هذه الكارثة إلا أنه يبدو مصرًا وسيقوم بإتلاف مبلغ كبير يحتاجه آلاف الجرحى والمرضى بالداخل”.

صندوق التمويل الإنساني هو صندوق دولي تم إنشاؤه من قبل الأمم المتحدة عام 2014، استجابة لحجم وتعقيد الأزمة السورية والحاجة لطرق جديدة لإيصال المساعدات الإنسانية إلى سوريا.

الزامل لم يقتصر على الاستقالة، وإنما دعا جميع العاملين في القطاع الإنساني والصحفيين لمؤازرته في اعتصام مفتوح أمام منظمة الصحة العالمية، وسط تقديم عدة مطالب منها أن يكون التخصيص الآن ودومًا تبعًا للأولويات التي تضعها المنظمات المشاركة في القطاع وفق آليات واضحة وشفافة، لكن الاعتصام الذي كان مقررًا في 4 من آذار الحالي، تم تأجيله لعدم الحصول على ترخيص.

وأوضح الزامل، في حديث إلى عنب بلدي، أنها ليست المرة الأولى، فقد “تم وضع الأولويات بغض النظر عن احتياج الأرض وبغض النظر عن رأي الشركاء”، مع حديثه عن الحاجة الماسة لهذا الدعم “لسد فجوات مهمة” بالنسبة لعشرات المشافي والمراكز، منتقدًا إلغاء منظمة الصحة العالمية لمنصب الرئيس المشارك المحلي، الذي كان يعكس ما تريده المنظمات الوطنية ومديريات الصحة، معتبرًا أن آليات صنع واتخاذ القرار في القطاع الصحي “غير معروفة”.

حاولت عنب بلدي التواصل مع مديرة مكتب غازي عنتاب في منظمة الصحة العالمية، ومع منسق قطاع الصحة، ولكن لم تتم الاستجابة.

إلا أنه وفق تقرير الأمين العام لمجلس الأمن حول تنفيذ القرارات المتعلقة بتقديم المساعدات الإغاثية، خلال الشهر الأخير من عام 2018 والشهر الأول من عام 2019، تم إنشاء فرق للاستجابة في المخيمات التي تعمل على استقبال النازحين حديثًا وتحديد أكثرهم ضعفًا لتقديم المساعدة العاجلة لهم، من دعم طبي وحماية وإحالة الحالات الطبية الحرجة إلى المستشفيات القريبة لتلقي العلاج.

وتم توسيع نطاق مناطق المساعدة الصحية من خلال المراكز الصحية الجديدة والعيادات المتنقلة والقيام بحملة تلقيح لجميع الوافدين الجدد وتوفير التغذية والدعم النفسي- الاجتماعي لهم.

وذكر التقرير السنوي لمنظمة الصحة لعام 2018 أنه تم توفير 1909 أطنان من المعدات الطبية لحوالي 100 مشفى، وتقديم قرابة 10 ملايين دواء في أنحاء سوريا، وتلقى 2.6 مليون طفل اللقاح ضد شلل الأطفال، و2.6 مليون طفل تلقوا لقاح الحصبة، وتمت إعادة تأهيل خمسة مراكز طبية، مع تدريب 30865 من الطواقم الطبية ضمن مجالات متنوعة.

لكن المنظمة لم توضح عبر موقعها خريطة توزع هذه النشاطات أو المبالغ المرصودة لها.

حملة التوعية الصحية الخاصة بالنظافة الشخصية في مدارس ريف حلب الغربي- 4 آذار 2019 (منظمة الأطباء المستقلين فيس بوك)

الحاجات الصحية للسوريين المتضررين

وفقًا للتقرير السنوي لمنظمة الصحة العالمية لعام 2018، انخفض متوسط الأعمار في سوريا من 75.5 سنة عام 2012 إلى 63.8 سنة عام 2018.

وهناك أكثر من 13 مليونًا بحاجة للمساعدات الإنسانية، منهم 5.2 بحاجة ملحة لها، وفي العام الماضي نزح حوالي 1.5 مليون شخص من مناطق الغوطة وريف حمص ودير الزور، كما توفي عشرات الأطفال في مخيمي الهول والركبان بسبب نقص الرعاية الصحية، مع تعرض العديد من مخيمات النازحين في المنطقة الشمالية الشرقية والشمالية الغربية لسيول عارمة أسفرت عن تدمير الخيام ونزوح ثان لأشخاص هم بالفعل من أشد الفئات ضعفًا.

ويقع ثلثا السوريين تحت خط الفقر، و35% لا تصلهم المياه النظيفة، بسبب الاستهداف المتعمد لشبكات المياه، ما أدى إلى تفشي الإسهال الدموي الحاد وحمى التيفوئيد والتهاب الكبد.

وتضاعفت أعداد المصابين بالحصبة عام 2018 عن العام الذي سبقه وارتفعت كذلك أعداد المصابين بمرضى السل.

كما أدى استمرار الصراع، وعدم التمكن من الحصول على الرعاية الطبية، مع نقص الخدمات، وانتشار الأوساخ والركام، إلى تفشي مرض الحصبة واللشمانيا، ورغم الحملات الروتينية للتلقيح إلا أن معدلاته لا تزال منخفضة، حسبما ذكر التقرير.

وذكرت المنظمة أيضًا أن حوالي 15% من السوريين عانوا من إعاقات بسبب الصراع، ونصفهم تقريبًا سيعانون على الأرجح من اعتلالات تتطلب دعمًا اختصاصيًا، 12% لديهم مرض السكري، و20% يعانون من ضغط الدم العالي، مع التحذير من أن هذه الأمراض قد تؤدي إلى النوبات القلبية، وقد توفي عدد غير معروف من السوريين من نقص الحصول على الأدوية التي كانوا يتلقونها سابقًا.

وأدى نقص المعدات الطبية والضغط الذي تعاني منه المراكز الصحية وقلة المختصين إلى نقص حاد بالجراحات الترميمية لضحايا الحروق، وتأخر العمليات الجراحية الضرورية، كما لم يكن بإمكان آلاف الجرحى الحصول على إعادة التأهيل الفيزيائي.

متطوعو الهلال الأحمر العربي السوري في حلب ينقلون المحتاجين للمساعدة الطبية عبر الخطوط الأمامية – 2017 (الهلال الأحمر)

برامجه والفئات المستهدفة

ما هو الدعم النفسي- الاجتماعي؟

منظمة الصحة العالمية أولت أهمية كبيرة لبرامج الصحة النفسية، بما فيها برامج الدعم النفسي- الاجتماعي، واضعة على قائمة أهدافها نشر هذه الثقافة وتطبيقها في البلدان الفقيرة بمواردها، حيث يتعرض غالبية السكان هناك للكوارث والحروب، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.

وفي إطار ذلك، سعت الجهات المعنية إلى اعتماد تعريف عالمي وبرامج محددة لتكون معيارًا تطبقه الجهات والأفراد المعنيين بتقديم الدعم النفسي- الاجتماعي، محددةً الفئات المستهدفة من كل برنامج.

عنب بلدي حصلت على بحث خاص من منظمة “إحياء الأمل”، المتخصصة في الدعم النفسي- الاجتماعي للسوريين المتضررين من الحرب، حول التعريف العالمي للدعم النفسي- الاجتماعي وبرامجه والفئات المستهدفة منه، بالاستناد إلى مراجع عدة أبرزها، “دليل الضوابط الإرشادية للدعم النفسي الاجتماعي والعافية” التابع للجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات “IASC”، و”دليل الدعم النفسي الاجتماعي” الصادر عن الاتحاد الدولي للهلال والصليب الأحمر.

طفلان سوريان في مخيمات لبنان – 2017 (سامز)

المتعرضون للحروب والكوارث.. الأكثر حاجة

وعرف البحث، الذي أعده الاختصاصيون النفسيون في منظمة “إحياء الأمل” لعنب بلدي، وهم: بهاء جباوي وأيهم الحواري وصلاح الدين هاشم، الدعم النفسي- الاجتماعي بأنه مجموعة من الأنشطة والاستجابات والتدخلات التي تلبي حاجات الفرد والأسرة والمجتمع النفسية الاجتماعية وتعزز العافية.

وأشار البحث إلى أنه سمي نفسيًا- اجتماعيًا كونه يستهدف الفرد وجوانب عافيته المختلفة ومنها الجانب الاجتماعي.

وأضاف أن الشريحة التي تحتاج للدعم النفسي بشكل أساسي، هي التي تضم أفرادًا تعرضوا لظروف غير اعتيادية، مثل الحروب أو الكوارث أو الأزمات الفردية، مشيرًا إلى أن الأمر يختلف بحسب درجة التأثر وحاجة الفرد أو الجماعة للخدمة.

وتُعتبر الفئات الأشد ضعفًا في المجتمع أكثر حاجة للدعم النفسي- الاجتماعي بمستوياته المختلفة، مثل فئة الأطفال، والمراهقين، وذوي الإعاقة، والنساء الوحيدات والمعيلات لأسرهن، والناجين من التعذيب والعنف الجنسي، والأفراد الذين يعانون اضطرابات نفسية مشخصة سابقًا.

وبحسب “منظمة الصحة العالمية” فإن الفئات المستهدفة من برنامجها للصحة النفسية تشمل أولئك المعرضين لعوامل الكرب الشديدة مثل: اللاجئين، والنازحين، والمهجرين، وضحايا الكوارث والإرهاب والحروب أو الإبادات الجماعية.

أربعة مستويات للدعم النفسي- الاجتماعي.. تعرف إليها

بحسب الضوابط الإرشادية التي وضعتها “اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات” (IASC)، وهي وكالة تم إنشاؤها عام 1991 من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة تعنى بالإغاثة الإنسانية، فإن أنواع ومستويات الدعم النفسي- الاجتماعي هي:

ثقافة غائبة

الموروث الاجتماعي وراء اختفاء ثقافة الدعم النفسي

يعتبر تقديم الدعم النفسي- الاجتماعي حاجة طبيعية وضرورية للمجتمعات التي عانت وما زالت من أزمات وحروب لسنوات طويلة مثل الحالة السورية، وتكمن أهميته انطلاقًا من حاجة الإنسان للعافية النفسية التي تمكن الشخص من الإنجاز في الحياة اليومية، بحسب ما قالت الاختصاصية النفسية سماح سالمة لعنب بلدي، إذ إن الشخص عندما يكون متضررًا بإحدى نواحي العافية لا يملك القدرة على الإنجاز وتصبح لديه إعاقة وظيفية في دوره بالمجتمع.

لكن ثقافة الدعم النفسي- الاجتماعي غير منتشرة وغائبة عن المجتمع السوري، لأن الناس يعتقدون أنه فقط دعم نفسي وأن الشخص مصاب بمرض أو اضطراب نفسي، بحسب الاختصاصية النفسية الأردنية، رزان عبيد.

وأكدت عبيد، العاملة مع منظمات مدنية سورية في جوانب الدعم النفسي، لعنب بلدي، أن الدعم النفسي- الاجتماعي متكامل وشامل لكل جوانب حياة الفرد ويغطي كل احتياجاته من تقديم المساعدة للشخص إن كانت مادية أو طبية أو غيرها، مشيرة إلى أن الإنسان عندما يتأثر في أي حادث يتأثر نفسيًا وجسديًا وعقليًا، والتقاطع في هذه الدوائر الثلاث هو الدعم النفسي- الاجتماعي.

وترى أن الدعم النفسي- الاجتماعي من الأولويات الكبيرة ويجب تقديمه مع الخدمات الأخرى لأن الشخص  غير السوي والمضطرب لن يستطيع أن يأكل أو ينام أو يعمل.

واعتقدت عبيد أن نظرة الدول العربية إلى هذه الثقافة أصبحت “وصمة”، بأن الشخص إذا خضع لجلسات دعم نفسي- اجتماعي فهو مريض نفسيًا، ويأتي ذلك “نتيجة ثقافات تربينا عليها ونتيجة الأفلام والميديا التي كانت تصور بأن الطبيب النفسي هو مجنون، فالمجتمع الذي نعيش به ووسائل الإعلام لها تأثير كبير على انتشار هذا المصطلح”.

من جهتها اعتبرت سالمة أن ثقافة الدعم النفسي- الاجتماعي غير موجودة في مجتمعنا، وأصبح انتشارها، خلال وقت الحرب والأزمات والظروف الراهنة، أكثر صعوبة لأن أولوية المواطنين تحولت إلى تأمين الخدمات الأساسية من تعليم وصحة وإغاثة وخدمات أكثر من الدعم النفسي- الاجتماعي.

وأشارت سالمة إلى أن الأشخاص يعيشون الدعم في حياتهم لكن بشكل غير واعٍ، مثلًا من الأصدقاء وفي المناسبات الاجتماعية، لكن عند وضعه في إطار علمي ومهني يؤدي إلى خوف الأشخاص منه بسبب الموروث التقليدي الذي لا يسمح بالخروج من دائرة أن الدعم النفسي- الاجتماعي ليس مرضًا نفسيًا وإنما مساعدة للفرد، مؤكدة أنه ضرورة بسبب تفكك الشبكة الاجتماعية وفقدان الدور وتبدل الأدوار، فعلى سبيل المثال فقدت المرأة زوجها وأصبحت تحمل دورين، دور الأم ودور الأب معًا.

التوعية والإعلام.. خطوات لنشر ثقافة الدعم النفسي

ومن أجل نشر ثقافة هذا النوع من الدعم بين المواطنين لا بد من اتخاذ عدة خطوات، أولاها تقع على عاتق الاختصاصيين النفسيين أنفسهم، فهم مسؤولون عن تطوير وتأهيل وتدريب أنفسهم واعتماد أسلوب مهني من أجل مساعدة الشخص، بحسب سالمة، إضافة إلى فكرة الخصوصية والسرية المهمة جدًا، والتي يجب على الداعم النفسي أن يكفلها من أجل بقاء الشخص، أما الخطوة الثانية فتكمن في دور الإعلام بنشر هذه الثقافة بين المواطنين، وتفسير أن الدعم النفسي- الاجتماعي ليس مرتبطًا بمرض أو اضطراب نفسي.

ومن ضمن الخطوات، بحسب الاختصاصية عبيد، إقامة محاضرات وجلسات توعية في المجتمع، وخاصة للمنظمات التي لها دور كبير في هذه التوعية، التي تشرح للمواطنين أهمية الدعم، إضافة إلى الأشخاص الذين يقدمون هذه الخدمة، والذين يجب عليهم معرفة إيصال هذه الثقافة إلى المواطنين وأنها مساعدة للفرد لمعرفة نفسه ومعرفة نقاط الضعف والقوة لديه والتحديات الإيجابية بذاته من أجل تأقلمه والعيش بسعادة، ورؤيته للأمور بطريقة أفضل.

انقسام حيال أولوية الدعم النفسي الاجتماعي

تقاربت آراء المشاركين في استطلاع أجرته عنب بلدي عبر منصاتها الإلكترونية، بين من رأى أن الدعم النفسي الاجتماعي ضرورة ملحة في واقعنا الحالي، وبين من اعتبر أن توفير وتأمين خدمات أساسية (صحة وتعليم وماء وكهرباء وغذاء) أهم من صرف أموال طائلة على الدعم النفسي.

وطرحت عنب بلدي سؤالًا عبر موقعها الرسمي وصفحة “فيس بوك” مفاده: هل تعتقد أن أنشطة الدعم النفسي أولوية في سوريا؟ وشارك في التصويت 1051 مستخدمًا.

ورأت نسبة 55% من المستطلع رأيهم أن الدعم النفسي مهم لكنهم اعتبروا أن الأنشطة بحاجة إلى مختصين وذوي خبرة وكفاءة عالية.

وقال “رفاعة رفاعة” تعليقًا على الاستطلاع في “فيس بوك”، “إن السواد الأعظم من مقدمي الدعم عديمو الخبرة والكفاءة، ودون أن يكون لهم أي خلفية أكاديمية أو علمية في هذه الأنشطة”.

بينما طالب معاوية حريري بتأهيل أشخاص متخصصين بالدعم النفسي قبل البدء بنشاطات الدعم، داعيًا لتكون هذه الأنشطة محصورة في المدارس فقط.

في حين رفضت نسبة 45% من المستطلع رأيهم أن يكون الدعم النفسي الاجتماعي أولوية، واعتبر أحمد أحمد، بتعليق على منشور “فيس بوك” أن “الدعم النفسي أكذوبة”، مضيفًا أن الدعم النفسي هو “توفير الكهرباء والخدمات وتصليح بيوت الناس وتفعيل المشافي العامة”.

في حين اعتبرت سلاف بسام أن “الأولوية في سوريا هي لوقف العمليات القتالية ووقف الموت المجاني والتهجير والتشريد”.

برامج الدعم النفسي بحاجة للتطوير وتأهيل المشرفين

تلعب البرامج التي تقدمها المنظمات المختصة في سوريا للمحتاجين للدعم النفسي دورًا في نشر هذه الثقافة، إذ تباينت وجهات النظر حول البرامج المقدمة من ناحية كفايتها، وطريقة تطبيقها، بالإضافة إلى الكوادر العاملة بها.

وفي البحث الذي قدمته منظمة “إحياء الأمل” لعنب بلدي اعتبر الباحثون أن برامج الدعم النفسي- الاجتماعي في سوريا “إلى حد ما مقبولة”، وتقدم الدعم للأفراد والمجتمع وتخفف بعض المعاناة، لكن البرامج بأنواعها “لا تكفي” لإصلاح وتحسين حال الإنسان لوحدها ما لم تكن مقترنة ببرامج اقتصادية وسياسية واجتماعية وحقوقية وتنموية، تدعم الإنسان وتعزز العافية لدى الأفراد والمجتمع.

وأشار الباحثون إلى أن ما يقلل من أثر نتائج برامج الدعم النفسي- الاجتماعي هو سوء التنسيق والإعداد والتحضير للبرامج، وسوء الإدارة وقلة تأهيل ومتابعة العاملين بالمجال.

90% من العاملين بالدعم النفسي بحاجة إلى تطوير

وتعتمد معظم المنظمات المهتمة بتقديم الدعم النفسي في برامجها على البرامج الموضوعة من قبل المنظمات العالمية كمنظمتي الهلال الأحمر والصليب الأحمر.

واعتبر الباحثون أن تلك المنظمات تطبق “إلى حد ما” المعايير العالمية، لكن هناك “بعض الأخطاء والممارسات الخاطئة، التي تسيء للخدمات وتمنع وصولها لأكبر شريحة ممكنة من المحتاجين”، كاعتماد المنظمات السورية والتركيز على الخدمات التي يقدمها المختصون النفسيون (طبيب نفسي، معالج نفسي)، وهم قلة وعددهم “نادر جدًا”، ومطلوب منهم تخديم أقل من 10% من المحتاجين لخدمات الصحة النفسية والدعم النفسي- الاجتماعي، مقابل إهمال وقلة دعم وتطوير العاملين النفسيين والاجتماعيين غير المتخصصين الذين يقع على عاتقهم تقديم حوالي 90% من خدمات الصحة النفسية للمحتاجين لها.

وأرجع الباحثون الثلاثة السبب إلى “البريق الإعلامي” والدعم المالي الكبير الذي يجلبه المشروع الذي يضم متخصصين وأطباء نفسيين، مقابل قلة الاهتمام بمدراء الحالة والعاملين بمجال الدعم النفسي- الاجتماعي وميسري الأنشطة.

تراكمت خبرات المشرفين منذ أيام النزوح العراقي إلى سوريا، على اعتبار الاختصاص النفسي “بشكل عام” غير شائع ومنتشر في البلاد قبل ذلك ونفذت مشاريع في سوريا لدعم النازحين العراقيين، وقد فرت تلك المشاريع عددًا مقبولًا من الخبراء بالمجال وإن كان ذلك غير كاف.

ووفر الدعم الدولي للوضع السوري بعد عام 2011، بعض الفرص للتأهيل واكتساب الخبرة لدى العاملين بالمجال، بحسب البحث، ولكن مع ذلك يتوفر عدد “محدود من المتخصصين بإدارة هذا النوع من البرامج والخدمات النفسية الاجتماعية”.

برامج بحاجة إلى تطوير “مستمر”

على اعتبار أن برامج الدعم النفسي المعمول بها في المنظمات في سوريا هي “بمعظمها” برامج معتمدة على المعايير الدولية بما يتناسب مع الحاجة المحلية، إلا أنها بحاجة أكبر للتناسب مع السياق الحالي في سوريا والوضع العام في المنطقة.

وأكد الباحثون أن هذا النوع من البرامج (المعمول بها في سوريا) بحاجة إلى “مراجعة مستمرة وتطوير بما يتناسب مع السياق والوضع الذي يمر به الشعب السوري في سوريا، وبلدان الجوار”، كما أنه بحاجة إلى مراجعة للوسائل والآليات والتقنيات المستخدمة منعًا للتسبب بمزيد من “الأذى” للسوريين من باب حسن النية أحيانًا أو سوئها.

ويقع على عاتق الجهات الدولية المانحة لمشاريع الدعم النفسي- الاجتماعي مسؤولية تقييم تلك البرامج كونها صاحبة الدعم والتمويل من خلال التعويل على أبناء البلد العاملين في تلك المشاريع.

ووفق البحث، فإن المسؤول عن تقييم وتحسين البرامج النفسية- الاجتماعية هي المنظمات السورية المنفذة للبرامج، من خلال “حسن إدارة المشاريع، والتوظيف الجيد للموارد واختيار الكوادر بشكل علمي ومهني وتطوير قدرات العاملين ودعمهم”.

ويرى البحث أنه بإمكان المجتمع السوري بمكوناته السياسية والاجتماعية والمدنية أن يلعب دورًا كبيرًا في مراجعة وتقييم أثر برامج الدعم النفسي- الاجتماعي ولعب دور أكبر في ضمان المتابعة وحسن التنسيق بين المنظمات العاملة بالمجالات، وحفظ “حقوق أبناء وبنات سوريا، خصوصًا في المناطق المحررة من سلطة الاستبداد”.

نشاطات لأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة في محافظة لإجلب – كانون الأول 2019 (UOSSM)

English version of the article

مقالات متعلقة