fbpx
× الرئيسية أخبار وتقارير اقتصاد مجالس ومنظمات رأي وتحليل ناس في العمقملتيميديا رياضة ثقافة سوريون في الخارج مارس النسخة الورقية

محمد حبش: القانون يوقف الإبداع والتنوير

قانون الأوقاف الجديد.. سمٌّ في عسل “الديمقراطية”

الأسد يؤدي صلاة عيد الفطر في مسجد الصفا في حمص - 6 تموز 2016 (صفحة رئاسة الجمهورية في فيس بوك)

ع ع ع

عنب بلدي – نور عبد النور

في العام 2009، تحول اسم وزارة الأوقاف في سوريا، إلى “وزارة الشؤون الدينية والأوقاف والدعوة والإرشاد”، ليتحول مدلول اسمها من مهام تقتصر على شؤون أملاك الوقف، إلى كل ما يتعلق بالأمور الدينية في سوريا.
في ذلك الحين أعلن وزير الأوقاف، عبد الستار السيد، أن تغيير اسم الوزارة هو مقدمة “لتطوير القوانين القديمة”، ووعد بأن يكون “دور الوزارة في المرحلة المقبلة مختلفًا وأكثر تطورًا من دورها الحالي”.

لكن المرحلة التي تبعت ذلك، شهدت توقفًا لجميع مساعي الوزارة نتيجة قيام الثورة السورية، وما تبعها من تبديلات حكومية وتعطيل مشاريع وتراجع أخرى على مستوى الحكومات السورية المتعاقبة.

عبد الستار السيد انتظر تسعة أعوام واستطاع أن يحافظ على منصبه رغم العواصف الحكومية التي أطاحت بثلاثة تشكيلات وزارية، حتى تمكن مؤخرًا من تمرير التعديلات التي تحدث عنها. تعديلات اتهمها البعض بأنها محاولة لأسلمة الدولة، ورأى فيها آخرون محاولة لربط الشؤون الدينية في سوريا بقيود البيروقراطية.

ما زاد الجدل، أن تلك التعديلات أخذت شكل مرسوم رئاسي من 115 مادة، حمل “الرقم 16” ونُشر في الجريدة الرسمية، موقّعًا من الأسد في 20 من أيلول 2018. وكونه مرسومًا يعني أن رؤية وزارة الأوقاف تم تمريرها فوق سلطة مجلس الشعب.

لكن المجلس عاد بدوره ليعارض إرادة الرئيس ويفرض تعديل بعض المواد التي وجد فيها ثلثا الأعضاء تحويرًا لهوية “الدولة العلمانية”، وتعزيزًا لصلاحيات وزير الأوقاف بشكل “غير مقبول”.

فبعد جلسات ونقاشات في مجلس الشعب، اقترح الأعضاء 26 تعديلًا على المرسوم، ليقر الأسد بعضها ويحول المرسوم إلى قانون حمل “الرقم 31″، ونشر رسميًا في 13 من تشرين الأول الحالي.

الأوقاف

“الأموال المنقولة وغير المنقولة المُعدَّة على حكم ملكِ الله تعالى والمخصَّصة للنفع العام وفق أحكام الشريعة الإسلاميَّة”

العمل الديني

“الخطابة والإمامة والتدريس الديني الإسلامي والتعليم الشرعي وأداء الشعائر الدينية الإسلامية وتلاوة القرآن الكريم وتحفيظه والإنشاد الديني الإسلامي، والإشراف على أماكن العبادة”.

إدارات الأوقاف

“مديريات الأوقاف في المحافظات والشعب الوقفية الملحقة بها”.

تعريفات واردة في القانون رقم 31 لعام 2018 الناظم لعمل وزارة الأوقاف

مرسوم ووجهتا نظر

أشعل عضو مجلس الشعب نبيل صالح أول شرارة لمهاجمة مرسوم الأوقاف، فاتحًا الباب أمام عشرات الموالين من أعضاء مجلس الشعب والإعلاميين، لمهاجمة المرسوم بحدّية.

نبيل صالح اعتبر أن المرسوم يزيد من صلاحيات وزارة الأوقاف، ما يعني “استنساخ النظام الديني للمملكة السعودية” ليصبح نظامًا لسوريا، بحسب ما قاله عبر صفحته في “فيس بوك”، في 24 من أيلول الماضي، قبل أن يحذف المنشور في وقت لاحق.

أما رئيسة حزب “سوريا الوطن”، الذي يوصف بـ “المعارض”، مجد نيازي، فاعتبرت أن المرسوم يؤدي إلى هيمنة أي جهة وزارية أو حكومية تهدف لتحويل سوريا إلى “دولة دينية متطرفة”. وذهب الغضب بالإعلامية ماغي خزام إلى انتقاد رئيس النظام بشكل مباشر.

صالح ونيازي وخزام اعتمدوا في تشكيل وجهة نظرهم على عدد من المواد المنشورة في المرسوم، ومنها المادة /8/ التي توسع قنوات إشراف الوزارة على الشؤون الدينية، وتمنحها فرصة الرقابة على أي منتج فكري أو إعلامي يتطرق لموضوع الأديان.

المادة /54/ التي تمنح “مجلس الأوقاف الأعلى” صلاحيات مالية واسعة فيما يخص استثمارات الوقف، أيضًا طالتها انتقادات كثيرة، إضافة إلى الفقرة /ي/ من المادة /2/، التي تقضي بإنشاء “الفريق الديني الشبابي” الذي يلعب دورًا تمكينيًا وتوعويًا ويمهد لتواصل بنّاء مع المشايخ الأكبر سنًا.

تلك الانتقادات، التي وجدت نفسها في إطار “حرية التعبير والديمقراطية” أكملت طريقها إلى أروقة مجلس الشعب، الذي مرر تعديلات توافق عليها ثلثا أعضائه، لكن انتقادات أخرى وصلت من سوريين خارج حدود الدولة ارتطمت بالحدود الجغرافية والتباين الفكري، ولم تجد لها مكانًا في التعديلات الجديدة التي حولت المرسوم إلى قانون.

ينظر حقوقيون وإعلاميون معارضون ومقربون سابقون من مؤسسات النظام الدينية إلى أن خطورة المرسوم بصيغته الأساسية، لم تنعكس بمحاولات “الأسلمة” بل بتحديد النخبة الدينية بتلك المقربة من النظام، وبالتالي سيطرة النظام على الحرية الدينية.

محمد حبش: القانون مكافأة للطبقة الدينية الموالية

محمد حبش، الباحث والكاتب الإسلامي السوري

ويوافق الدكتور محمد حبش، الباحث والكاتب الإسلامي السوري وعضو مجلس الشعب سابقًا، هذا الرأي، لافتًا، في لقاء أجرته عنب بلدي معه، إلى أن القانون يخدم النظام السوري ويقدم مكافأة للطبقة الدينية التي استفاد منها النظام خلال الأحداث الأخيرة.

ويضيف حبش، “لا أعتقد أن القانون يمهد إلى أسلمة الدولة، لكنه يعطي الوزارة مزايا غير معتادة ليقنع رجال الدين والعاملين في هذا الوسط، وهي طبقة أظهرت التزامًا مع النظام خلال الحرب”. ويرى أن القانون يفتح الباب “للسيطرة على الوسط الديني السني وقيادته عبر هيئة تمنح قوة خاصة ومزايا خاصة، لتقنع رجال الدين أنها ستحميهم وتحقق لهم طموحهم وبعض ما يطلبون”.

كما يعتقد أن القانون، يتضمن خطرين أساسيين يتمثلان بوقف الإبداع والتنوير نتيجة لاحتكار الدولة الخطاب الديني، ويحمل مخاطر أخرى تتمثل بطبيعة عملية استثمار أموال الوقف التي قصرها المرسوم على “مجلس الأوقاف الأعلى”.

من مرسوم إلى قانون.. لا تغيير جوهري

بينما غُيبت انتقادات المعارضين، نجحت انتقادات الموالين بإخضاع المرسوم لسلطة مجلس الشعب، الذي وافق على 26 تعديلًا على المرسوم، نشرها عضو المجلس اسكندر لوقا حداد، عبر صفحته في “فيس بوك” في 10 من تشرين الأول الحالي.

الأسد أقرّ التعديلات بعد ثلاثة أيام على توافق مجلس الشعب عليها، ونشرت وكالة الأنباء الرسمية (سانا) نص “القانون الناظم لعمل وزارة الأوقاف” الذي يحمل “الرقم 31” بعد أن كان مرسومًا في السابق.

عنب بلدي اطلعت على الفقرات والمصطلحات المعدلة أو المحذوفة بشكل مفصل، وتبيّن أنها سطحية بالعموم، وتخدم بشكل كامل وجهة النظر التي تقول إن القانون أطلق لصبغ الدولة بالصبغة الإسلامية، بينما تستهدف بشكل بسيط بعض الفقرات المتعلقة بصلاحيات وامتيازات وزير الأوقاف أو المجلس الفقهي الأعلى أو أعضاء وزارة الأوقاف والعاملين فيها.

اللجنة المشتركة التي أجرت التعديلات، استبدلت تسمية “المجلس الفقهي الأعلى” بـ “المجلس العلمي الفقهي”، ومجلس الأوقاف الأعلى” بـ “مجلس الأوقاف المركزي”، في مسعى لإزالة رمزية السلطة العليا لهذين المجلسين، على الرغم من أن صلاحياتهما لم تتأثر بشكل كبير ضمن التعديلات.

كما طالت التعديلات شكل “الفريق الديني الشبابي” وحولته إلى مبادرة لتعزيز دور الأئمة الشباب دون تنظيمهم، وحاولت اللجنة أيضًا تقليل سيطرة الوزارة على التنظيمات الدينية الموجودة في سوريا، ومنها “معلمات القرآن” (القبيسيات سابقًا)، إذ تم تغيير الفقرة /س/ من المادة /2/ والتي تمنح الوزارة دورًا في “الإشراف على الشؤون الدينية النسائية، وضبط وتوجيه معلمات القرآن، ومنح التراخيص لعملهن”، واستبدلت بـ “وضع ضوابط السماح بالتدريس الديني والإشراف عليه”.

بعض الصلاحيات التي نزعت من الوزير في القانون، تضمنت إلغاء الفقرة التي تتيح له تعيين اثنين من مستشاريه كأعضاء في “المجلس الفقهي العلمي”، وتعديل المادة /19/ التي تتيح للوزير أو من يكلفه التحقيق مع العاملين في المجال الديني، عبر منح تلك الصلاحية للجنة تحقيق تشكل من أجل هذا الغرض.

استهدفت التعديلات أيضًا بعض المسميات أو الألفاظ التي تعلي من الدين الإسلامي، كالفقرة /ط/ من المادة رقم /9/ التي نصت في المرسوم على أن “العروبة والإسلام هوية لا يمكن التنازل عنها”، وأصبحت في القانون “العروبة والإسلام متلازمان”.

وتبدو التعديلات بالعموم أقرب للشكلية، أي أنها تركز على الاصطلاحات اللغوية والمسميات، أكثر من تركيزها على المضامين، ولا ترقى لمستوى الجدل الذي أُحدث من أجلها، و”الانتصار” الذي تحدث عنه بعض أعضاء مجلس الشعب بفرض وجهة نظر ديمقراطية على أعلى سلطات الدولة “في سابقة تاريخية”، بحسب تعبيرهم.

“إعدام” التنوير وتحديد الاستثمار.. مخاطر باقية

مع التعديلات الجديدة، لا تزال البنود والمواد التي تجعل من وزارة الأوقاف أداة مركزية في يد الدولة لتحديد العمل الديني في سوريا، موجودة وإن تبدلت بعض الاصطلاحات.

الدكتور محمد حبش، اعتبر في لقاء مع عنب بلدي، أن خطر القانون يتمثل “بوقف الإبداع والتنوير لأن الوزارة ستحتكر الخطاب الديني وستقيم اللجان، والغالب على خطاب المؤسسة الدينية هو خطاب سلفي، وسيقولون نحن متنورون ومنفتحون، لكن سيتم منع أي فضاء من الحرية الفكرية داخل الوزارة خارجها وهو الأسوأ، وهذا سيقتل الإبداع والتجديد الديني، الذي لا يتم إلا في فضاء من الحرية”.

ويتابع، “حتى المفكر العلماني الذي يريد أن يكتب بشأن ديني يمكن أن يتعرض لسؤال من الأوقاف، الأوقاف الآن موجودة في مراقبة الكتب، لكن ستتوسع صلاحيتها بما يشمل كل ما ينشر ويطبع، وليس فقط الكتب الدينية والمتعلقة بالقرآن والتفسير، فلا يصدر أي مقال أو كتاب له صلة بالشأن الديني إلا بإذن الأوقاف وهذا سيولد خطابًا سلفيًا شديد التحجر على كل محاولات التجديد الديني”.

والغريب أن التعديلات التي أقرها مجلس الشعب لم تتطرق إلى البنود المتعلقة بهذه التفاصيل، أو أنها عالجتها بصورة سطحية، على سبيل المثال الفقرة /ف/ من المادة /2/ تقول في المرسوم الأساسي برقابة الوزارة على البرامج التلفزيونية الدينية والمطبوعات الدينية بالتنسيق مع الوزارات المعنية، أما التعديل في القانون فجاء على الشكل التالي “التنسيق مع وزارتي الإعلام والثقافة للإشراف على البرامج الخاصة بالعمل الديني في وسائل الإعلام كافة، وكذلك المطبوعات الدينية”!

أيضًا البنود المتعلقة باستثمار الوقف التاريخي، والواردة في المادة /54/، لم تتغير، ويشير الدكتور محمد حبش إلى أن قانون الوقف كان “منتظرًا منه استثمار الوقف التاريخي الهائل الذي كان يزيد على نصف مساحة دمشق”، مضيفًا، “كنا نأمل أن تقوم هيئة ترتبط برئاسة الوزراء كهيئة المشاريع الكبرى، تتولى بعقل اقتصادي مستقل وحر واستثماري إدارة الأوقاف الحالية وتمنح الأوقاف الجديدة إدارتها من أهلها”.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة