أسبابها الفقر والتقاليد

الزواج المبكر للفتيات.. ظاهرة تزداد في رأس العين وتل أبيض

تتزوج الفتيات بعمر صغير تحت ضغط المجتمع في رأس العين وتل أبيض - 12 حزيران 2024 (عنب بلدي)

camera iconتتزوج الفتيات بعمر صغير تحت ضغط المجتمع في رأس العين وتل أبيض - 12 حزيران 2024 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

بعد إجبارها على الزواج بابن عمها بحجة الحفاظ على الروابط العائلية، حالت العادات والتقاليد دون تحقيق الشابة “ربا” 16 عامًا طموحها بإتمام تعليمها، في بلدة سلوك التابعة لمدينة تل أبيض غربي الرقة في سوريا.

الشابة التي طلبت استخدام اسم مستعار لها، نشأت في أسرة ميسورة الحال لم تستطع رفض قرار الزواج، رغم شعورها بانهيار أحلامها، لتجد نفسها مسؤولة عن إدارة منزل في سن صغيرة، وتواجه تحديات أكبر مما توقعت، دون أن تجد دعمًا لتحقيق ذاتها، حسب قولها.

أعباء الحياة الزوجية الثقيلة على فتاة بعمر صغيرة، دفعتها لطلب الطلاق، ونالته بعد عام من زواجها، لكنها لم تسلم من النظرة السلبية لها في البلدة، ولا تزال تواجه صعوبة التأقلم بعد وقوعها “ضحية للزواج المبكر”.

حالة “ربا” واحدة من مئات الفتيات اللواتي يتزوجن مبكرًا في منطقة تل أبيض وجارتها رأس العين، حيث تلعب العادات والتقاليد وطبيعة المنطقة العشائرية دورًا كبيرًا في تشجيع تزويج الفتيات في سن مبكرة، ما يحرمهن من التعليم والعمل.

وتُعزى هذه الظاهرة إلى عدة أسباب، منها الوضع الاقتصادي المتردي، والجهل بأهمية التعليم، إلى جانب تأثير الأعراف الاجتماعية التي تعتبر الزواج المبكر وسيلة للحفاظ على “شرف الأسرة”.

في المدينتين، يعيش السكان ظروفًا اقتصادية صعبة، ويعتمدون على الزراعة أو الأعمال اليومية بأجور لا تتجاوز الـ80 ألف ليرة سورية (حوالي 8 دولارات أمريكية).

تحت ضغط الحاجة والأعراف الاجتماعية

تقبّلت “فاطمة” ذات الـ18 عامًا قرار الزواج بأحد أقربائها الذي يعمل في التجارة، بعد أن اعتبره والدها حلاً لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن عائلته المؤلفة من خمس فتيات.

أبعد الزواج “فاطمة” عن مواصلة دراستها، رغم اجتيازها الثانوية العامة في مدينة تل أبيض، وعزز الأمر عجز والدها عن تحمل تكاليف التعليم.

وقالت الشابة لعنب بلدي إنها لا تزال تشعر بالقيود التي فرضتها التقاليد عليها، وتطمح في العودة إلى التعليم، وتحقيق أحلامها التي أُجبرت على التخلي عنها.

أما الطفلة “سوسن” التي نشأت داخل أسرة فقيرة في مدينة رأس العين، فكانت تأمل في مستقبل أفضل من الذي “حلّ بها”، إذ أجبرتها عائلتها على الزواج بعمر الـ14 عامًا.

 ذكرت “سوسن” لعنب بلدي أن عائلتها رغبت بزواجها لتخفيف العبء المالي، إذ يقتصر الدخل على العمل بالمياومة في أعمال الزراعة، رغم أن “سوسن” لم تكن مهيأة لتحمل هذه المسؤولية في هذه السن المبكرة.

 وأضافت “سوسن” أنها تعرضت للإجهاض ثلاث مرات بسبب صغر سنها، وعدم قدرتها على الحمل بشكل سليم، ما أثر على صحتها الجسدية والنفسية.

يتسبب الزواج المبكر للفتيات تحت سن الـ20 عامًا بمخاطر صحية جسيمة - 12 من حزيران 2024 (عنب بلدي)

يتسبب الزواج المبكر للفتيات تحت سن الـ20 عامًا بمخاطر صحية جسيمة – 12 من حزيران 2024 (عنب بلدي)

3400 حالة زواج مبكر خلال 2024

يعتبر غياب التوعية والخوض بـ”الزواج المبكر” مسائل يعتبرها المجتمع خارجة عن العادات والتقاليد، سببًا أساسيًا في ازدياد حالات الزواج المبكر في المنطقة، حيث لا تحصل الفتيات اللواتي دون السن القانوني للزواج، على النصح والإرشادات والمخاطر من الزواج المبكر.

سيدة في فريق تطوعي مهتم بشؤون المرأة في تل أبيض ورأس العين، قالت لعنب بلدي، إن فريقها رصد 3400 حالة زواج مبكر لفتيات تتراوح أعمارهن بين 14 و17 عامًا، خلال عام 2024، مما يعكس تزايد هذه الظاهرة في المنطقة.

وأضافت أن الإحصائيات التي جمعها الفريق غير منجزة بشكل دقيق في كلا المنطقتين، ما يعني وجود حالات أكثر.

وأوضحت بعد أن طلبت عدم ذكر اسمها لأن “الخوض في هذه المسائل يعرضها لإشكاليات وأضرار في المنطقة”، أنه مقارنة بعام 2020، ارتفعت النسبة بشكل ملحوظ، حيث لم يسجل فريقهم حينها سوى 1930 حالة زواج مبكر.

فقر وعادات اجتماعية

ذكرت السيدة أن الأسباب الرئيسة لهذه الزيادة تعود إلى الفقر والعادات والتقاليد السائدة في المنطقة، ما يفرض الزواج المبكر كخيار للكثير من الأسر.

رئيس مكتب الخدمات الاجتماعية في رأس العين، انتصار دودة، قالت لعنب بلدي، إن انتشار ظاهرة الزواج المبكر في رأس العين تعود إلى عدة أسباب، أولها الفقر والعادات الاجتماعية.

وأوضحت أن المديرية سعت للحد من هذه الظاهرة خلال الفترة السابقة، لكن واجهتهم مشكلات “كبيرة”، أبرزها الفقر المدقع لفئة من السكان، وعدم قبول البعض استكمال فتياتهم التعليم.

وأضافت أن هذه الظاهرة في ازدياد، وخصوصًا في ظل تحكم العادات القبلية والعشائرية في منطقة الجزيرة بشكل عام.

وأشارت إلى أن المديرية مستمرة في جهودها لتوعية الفتيات من مخاطر الزواج المبكر، وتقديم الدعم اللازم لتحسين واقعهن الاقتصادي والتعليمي، كما قالت لعنب بلدي.

ورغم الحملات التوعوية التي تنظمها المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في تل أبيض ورأس العين للحد من ظاهرة تزويج القاصرات، إلا أن هذه النداءات لا تجد أثرًا ملموسًا في ظل غياب البدائل الفعالة، وعدم وجود حلول جذرية لهذه القضية.

ندوة أقامتها جمعية "السلام" في رأس العين لتعزيز دور المرأة في المجتمع - 14 كانون الثاني 2025 (عنب بلدي)

ندوة أقامتها جمعية “السلام” في رأس العين لتعزيز دور المرأة في المجتمع – 14 كانون الثاني 2025 (عنب بلدي)

دعاوى طلاق يوميًا

قبل سقوط المظام السوري السابق، كانت تسيطر “الحكومة السورية المؤقتة” على رأس العين وتل أبيض منذ عام 2019، وتسجل عقود الزواج بشكل رسمي دون سن محددة، أو حتى بشكل عرفي عبر شيوخ خارج إطار المحاكم.

المحامي كنعان الرياض من مدينة تل أبيض، قال لعنب بلدي إن مكتبه يسجل منذ بداية العام الحالي أكثر من 10 دعاوى طلاق يوميًا، بسبب زيادة ظاهرة الزواج المبكر.

وأوضح أن هذه الحالات شهدت ارتفاعًا ملحوظًا مقارنة بعام 2023، حيث كانت تتراوح بين 3 إلى 6 حالات فقط يوميًا.

وأضاف أن الزواج المبكر يتناقض مع قانون الأحوال الشخصية السوري رقم “59” لعام 1953، والذي يحدد سن الزواج بـ18 سنة، وقانون حماية الطفولة رقم “18” لعام 2014 الذي يحظر استغلال الأطفال، بما في ذلك الزواج المبكر.

وذكر أن هذا الزواج يعرض الفتيات لمشكلات صحية ونفسية، ويستدعي تفعيل القوانين لحماية حقوقهن، بما يتماشى مع اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل.

مخاطر صحية جسيمة

في تصريح سابق لعنب بلدي، قال الطبيب قيس حسين، استشاري طب النساء والتوليد، إن الزواج المبكر للفتيات تحت سن الـ20 عامًا يتسبب بمخاطر صحية جسيمة، أبرزها سوء التغذية ونقص الوزن بعد الولادة، وتأخر النمو البدني والعقلي، بالإضافة إلى اضطرابات الدورة الشهرية وتأخر حدوث الحمل.

وأوضح حسين أن الزواج في هذا العمر يؤدي إلى عدم اكتمال النمو الجسدي والعقلي، ما يجعل الفتيات أكثر عرضة للإصابة بالأمراض والالتهابات التناسلية، مثل التهابات المهبل والرحم، فضلاً عن زيادة خطر الإصابة بالاكتئاب والقلق.

وأضاف أن الفتيات الصغيرات لا يمتلكن البنية الجسدية السليمة لتحمل الحمل والولادة، مما ينعكس سلبًا على صحتهن، ويؤدي إلى مشكلات صحية طويلة الأمد.

وتواجه القاصرات في حالة حملهن دوامة من المشكلات مرتبطة بعدم جاهزيتهن لاستيعاب تلك المسؤولية، وعدم اكتمال مراحل نموهن العقلي والجسدي، بحسب دراسة للمحامية والباحثة في مركز “حرمون للدراسات” ماسة الموصلي.

ويترتب على الزواج المبكر ضياع حقوق القاصرات، خصوصًا في حالات الزواج غير المسجل رسميًا، بالإضافة إلى احتمالية أن يترتب عليه وجود أطفال غير مسجلين رسميًا، وفق الدراسة.

ويشير تقرير صادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، إلى أن زواج القاصرات مرتبط بعديد من المشكلات الصحية التي يمكن أن تؤدي في بعض الحالات إلى الوفاة.

ووفق التقرير، تعد مضاعفات الحمل والولادة من بين الأسباب الرئيسة للوفاة بين الفتيات المراهقات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 15 و19 عامًا في البلدان النامية.

ندوة أقامتها جمعية "السلام" في رأس العين لتعزيز دور المرأة في المجتمع - 14 كانون الثاني 2025 (عنب بلدي)

ندوة أقامتها جمعية “السلام” في رأس العين لتعزيز دور المرأة في المجتمع – 14 كانون الثاني 2025 (عنب بلدي)

وليد البدران

محامٍ سوري

يعد الزواج المبكر مخالفة للمعاهدات الدولية والقوانين الوطنية التي تسعى لحماية حقوق الأطفال، فالقانون السوري، بموجب المادة”16″ من قانون الأحوال الشخصية رقم 59 لعام 1953 وتعديلاته، حدد سن الزواج بـ18 عامًا كحد أدنى، لكنه منح استثناءً للقاصرين بموافقة القاضي في حال وجود “مصلحة”، وهذا الاستثناء يؤدي غالبًا إلى استغلال الثغرات القانونية على حساب حقوق الفتيات القاصرات.

سوريا ملتزمة باتفاقية حقوق الطفل لعام “1989” والتي تنص في المادة “1” على أن كل من يقل عمره عن 18 عامًا يُعتبر طفلًا، وفي المادة “19” على ضرورة حماية الأطفال من كافة أشكال الاستغلال والإيذاء، كما أن الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) تنص في المادة “16” على ضرورة منع زواج الأطفال، وضمان المساواة الكاملة بين الجنسين في كافة الأمور المتعلقة بالزواج والأسرة.

القوانين الحالية في سوريا بحاجة إلى تعديل جاد يلغي الاستثناءات التي تتيح زواج القاصرات، ويضمن وضع حد أدنى للزواج لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف، وهناك حاجة إلى تفعيل المادة “489” من قانون العقوبات السوري، التي تعاقب على كل فعل يهدد حرية الطفل أو يعرّضه للخطر، وزواج القاصرات يندرج ضمن هذه الأفعال.

من الضروري أن تتبنى الدولة خطة شاملة للتصدي لهذه الظاهرة، تشمل تعديل التشريعات الوطنية بما يتوافق مع المعايير الدولية، وتفعيل آليات الرقابة القانونية على عقود الزواج، ويجب تعزيز دور منظمات المجتمع المدني في التوعية بمخاطر الزواج المبكر على الصحة والتعليم والتنمية الاجتماعية.

تتطلب مواجهة هذه الظاهرة تكاملًا بين القانون والتوعية، لضمان حماية حقوق الأطفال، والحد من الانتهاكات التي تتعرض لها الفتيات القاصرات، بما ينسجم مع المعاهدات الدولية والتزامات سوريا القانونية.

نجاح

شكرًا لك! تم إرسال توصيتك بنجاح.

خطأ

حدث خطأ أثناء تقديم توصيتك. يرجى المحاولة مرة أخرى.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة