
مقاتلون من "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) خلال احتفالية بمحافظة دير الزور شرقي سوريا- 23 من آذار 2024 (SDF)
مقاتلون من "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) خلال احتفالية بمحافظة دير الزور شرقي سوريا- 23 من آذار 2024 (SDF)
منذ الاتفاق الذي جمع قائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مظلوم عبدي، ورئيس الحكومة السورية المؤقتة، أحمد الشرع، صارت اللحظة التي سيُعلن فيها عن التوصل لاتفاق يدمج “قسد” بوزارة الدفاع السورية، من اللحظات المنتظرة على الساحة السياسية السورية.
وفي وقت اتفق فيه الطرفان، في 10 من آذار الحالي، على دمج المؤسسات العسكرية بـ”قسد”، والمدنية (الإدارة الذاتية) بالوزارات السورية، لا تزال تركيا معترضة على وجود بعض الفصائل المدرجة على “لوائح الإرهاب” في “قسد”، وتطالب بحلّها.
وسبق أن طالب وزير الخارجية التركية، هاكان فيدان، “وحدات حماية الشعب” بترك سلاحها فورًا، واندماج بقية مكونات “قسد” في وزارة الدفاع السورية، وهو مطلب لا يزال قائمًا حتى بعد اتفاق عبدي- الشرع، وإبداء تركيا تأييدها للاتفاق.
وفي 15 من آذار الحالي، دعا فيدان، وفق ما نقلته وكالة “الأناضول” التركية، إلى استبعاد جميع “العناصر المسلحة المتورطة في أنشطة إرهابية من المعادلة في سوريا”.
ومن خلال التصريحات التركية، على مر السنوات الماضية، تحاكم أنقرة “قسد” على أنها “وحدات حماية الشعب” فقط، وهي الجناح العسكري لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي، بينما تتجاهل الحكومة التركية بقية المكونات العسكرية في الفصيل المتمركز شمال شرقي سوريا.
وتضم “قسد” فصائل العسكرية التي كانت تنتمي لـ”الجيش السوري الحر” سابقًا، إلى جانب عدد من المجالس العسكرية في “المقاطعات”، وفق التقسيمة الإدارية في المنطقة، لكن تبقى “وحدات حماية الشعب” عمادها الرئيس.
تسيطر “قسد” على ما يقرب من 25% من مساحة سوريا، وهي المنطقة الغنية بثروات الطاقة والزراعة، وتنقسم آلية السيطرة إلى ثلاثة صعد، الأول عسكري ويتمثل بـ”قوات سوريا الديمقراطية” التي تأسست عام 2015، وتشكل “وحدات حماية الشعب” حجر الأساس فيها، إلى جانب فصائل أخرى.
وعلى الصعيد الإداري والخدمي، تعتبر “الإدارة الذاتية” بمثابة الحكومة في المنطقة، وينبثق عنها هيئات تحل محل الوزارات في الحكومات الاعتيادية، وتشكل حتى القطاع السيادي من أي حكومة، مثل “هيئة الدفاع” و”هيئة العلاقات الخارجية“، و”هيئة الداخلية“.
ويوجد كيان ثالث في المنطقة يشمل مظلة سياسية لكل من “قسد” و”الإدارة الذاتية”، وهو “مجلس سوريا الديمقراطية” الذي يشار له اختصارًا بـ”مسد”.
ويعرّف “مسد” نفسه عبر موقعه الرسمي بأنه “إطار وطني ديمقراطي سوري يتكون من القوى الاجتماعية والسياسية والأفراد المستقلين الذين يصادقون على وثائقه”.
وأضاف، “يُعدّ مجلس سوريا الديمقراطية المظلة السياسية والجامع للإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا وقوات سوريا الديمقراطية، وهو القوة الدافعة لأي عملية تفاوضية، انطلاقًا من قناعته بأن خيار الحل السياسي عبر المفاوضات هو السبيل الوحيد لإنقاذ البلاد”.
شكّلت العسكرة في شمال شرقي سوريا نقاط إشكالية بالنسبة للحكومة السورية الجديدة، خصوصًا في إطار علاقتها مع تركيا التي لا تزال تطالب بحل “وحدات حماية الشعب” وهي أكبر كيانات “قسد”، في وقت لم تعترض فيه على بقاء بقية تيارات “قسد” العسكرية ضمن وزارة الدفاع السورية.
وتتكون “قسد” من كتلتين عسكريتين رئيسيتين هما “وحدات حماية الشعب” (YPG) و”وحدات حماية المرأة” (YPJ)، وهما فصيلان عسكريان كرديان ظهرا مع بداية ظهور الفصائل العسكرية بمختلف توجهاتها في سوريا عقب عام 2012.
“الوحدات” تشكّل العمود الفقري لـ”قسد”، وهي النقطة الإشكالية في اندماج “قسد” بوزارة الدفاع السورية، إذ تعتبر المهيمنة على القرار العسكري في الفصيل، كما يشكل قادتها حجر الأساس في مراكز صنع القرار بـ”قسد”.
أنشئت “الوحدات” عام 2004، وتقول في موقعها الرسمي، إنها “الجيش الرسمي لاتحاد روج آفا- شمال سوريا”.
“الوحدات” قالت في فقرة “من نحن” بموقعها الإلكتروني، إنها أُنشأت بعد “هجمات نظام البعث السوري عام 2004” في إشارة إلى قمع نظام “البعث” للانتفاضة الكردية حينها.
وبدأت “الوحدات” بمجموعات صغيرة بتنظيم ضيق يهدف لحماية مناطق انتشار الكرد من الهجمات.
وبعد نجاحها في تنظيم نفسها في جميع مدن شمال شرقي سوريا، واكتسابها خبرة قتالية، تأسست “وحدات حماية الشعب” رسميًا عام 2011، وفق موقع “الوحدات” الرسمي.
وتنشط “الوحدات” حاليًا في عفرين، وعين العرب/ كوباني، والحسكة، وحي الشيخ مقصود بحلب.
وتنسب “الوحدات” لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي” كجناح عسكري، رغم أنها تقدم نفسها على أنها تيار عسكري منفصل لا ينتمي لأي حزب سياسي.
وفي حديث سابق لعنب بلدي، أرجع الباحث في مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية”، أسامة شيخ علي، استمرار المعارك شرقي حلب رغم وجود اتفاق يقضي بالتهدئة، إلى أن مناطق شرق نهر الفرات هي مناطق نفوذ الولايات المتحدة، بينما يعتبر غربها خارج هذا النفوذ، وتعتبر المنطقة تحت سيطرة “وحدات حماية الشعب” المدرجة على لوائح “الإرهاب” في أنقرة.
وأضاف أن هذا الانتشار على جانبي الفرات تحاول تركيا إفراغه من “الوحدات”.
واعتبر الباحث حينها أن حالة عدم اليقين تلعب دورًا باستمرار المعارك، إذ لا يوجد تصديق كامل على أن “قسد” ستنخرط في اتفاق نهائي، وهو ما يمكن اعتباره حالة “اللاسلم ولا حرب”.
ينطبق الموقف التركي، وموقف الإدارة السورية الجديدة، من “وحدات حماية الشعب” على “وحدات حماية المرأة أيضًا، إذ يُنظر لـ”وحدات المرأة” على أنها انبثقت عن “وحدات الشعب”.
وتقول “وحدات حماية المرأة” في موقعها الرسمي، إنها تأسست من أجل “تحقيق التغيير المطلوب في النسيج الاجتماعي بمنطقة روج- آفا شمال سوريا، لدى اندلاع شرارة الثورة فيها”.
وتضيف أن تأسيسها جاء لأهداف وغايات متعددة منها “الدفاع عن الحقوق الوطنية، وحقوق المرأة، وكذلك تحقيق العدالة الأجتماعية بين كافة مكونات المنطقة”.
وتعتبر “وحدات المرأة” أن “الإدارة الذاتية” هي مرجعيتها السياسية، وتنضم كل عضو في الفصيل على أساس طوعي، “بهدف حماية المصالح الوطنية وتوعيّة المرأة وكسر قيود العبودية والتخلف المفروض عليها والوقوف بوجه كل حالات الاغتصاب الجنسي، الثقافي والأخلاقي الذي يُمارَس بحقها في غرب كردستان وسوريا”.
وشاركت “وحدات حماية المرأة” في معظم العمليات العسكرية ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” إلى جانب الحملات الأمنية والعسكرية في عموم شمال شرقي سوريا، والمعارك التي خاضتها “قسد” ضد تركيا في شمالي سوريا.
وظهرت عضو القيادة العامة لـ”وحدات حماية المرأة”، روهلات عفرين، ضمن أحدث اجتماع بين “قسد” وإدارة دمشق، إلى جانب مظلوم عبدي، وعلى الجانب الآخر حضر رئيس اللجنة من جانب الحكومة السورية، حسين سلامة، وهو محافظ دير الزور السابق.
وفق دراسة لـ”مركز عمران للدراسات الاستراتيجية” نشرت عام 2017، تدار “قسد” عبر هيكلية تنظيمية محكمة يقودها المجلس العسكري، الذي يعد السلطة العسكرية الأعلى ضمن القوات.
يضم المجلس ممثلين عن كافة الفصائل والتشكيلات العسكرية، ويتولى اتخاذ القرارات الاستراتيجية بشأن الحرب والسلم انتخاب القائد العام، وتحديد أهداف القوات وفقًا للظروف الميدانية.
ووفق النظام الداخلي لـ”قسد” الذي وفرته عبر موقعها الرسمي، تتألف القيادة العامة فيها من القائد العام ومساعديه وممثلين عن المكونات الأساسية وهي “وحدات حماية الشعب، وحدات حماية المرأة، المجلس العسكري السرياني، قوات الصناديد، جيش الثوار، لواء الشمال الديمقراطي، وجبهة الأكراد”.
إضافة إلى ممثلين اثنين عن المجالس العسكرية الأخرى يعينون خلال الاجتماع السنوي للمجالس العسكرية.
ويرتبط بالقيادة العامة أيضًا المكتب االستشاري الذي ينسق علاقاته مع مؤسسات “الإدارة الذاتية”، والتنظيمات السياسية والاجتماعية، وكذلك يربط به مركز التنسيق والعمليات العسكرية الذي ينسق العمل مع القوات الصديقة (التحالف الدولي).
وتضم “قسد” أيضًا في الترتيبات السياسية التي تشغل حيزًا أبد عن مركز القيادة، مجالس عسكرية ذات طابع مناطقي أخرى مثل “مجلس دير الزور العسكري”، “مجلس منبج”، و”مجلس الرقة”، وتتركز مهام هذه المجالس على حماية مناطقها فقط.
وفي حديث سابق لعنب بلدي قال الباحث المتخصص في شؤون شمال شرقي سوريا، سامر الأحمد، إن السيطرة الفعلية على القرارات العسكرية والأمنية داخل “قسد” تعود لقيادات من “حزب العمال الكردستاني” (PKK)، الذين يشغلون مناصب حساسة في جهاز الاستخبارات، وقوات “HAT” (القوات الخاصة)، و”وحدات حماية الشعب”.
وأضاف أن هؤلاء القادة غالبًا ليسوا سوريين، بل ينتمون إلى جنسيات أخرى مثل التركية أو الإيرانية.
أيضًا ذكر مدير مركز “رامان للدراسات”، بدر مُلا رشيد، أن “قسد” اعتمدت بعد انتهاء معاركها الرئيسية ضد تنظيم “الدولة” في عام 2019 سياسة توزيع مقاتليها على مجموعات صغيرة، بدلًا من التحرك ضمن تشكيلات كبيرة.
وأوضح أن هذه السياسة ليست جديدة، بل تستخدم منذ فترة طويلة، حيث تقوم القوات بنشر هذه المجموعات الصغيرة على مساحات واسعة، وتمكينها من السيطرة على الجبهات العسكرية، وفق ما قاله سابقًا لعنب بلدي.
لا يمثّل وجود “وحدات حماية الشعب” و”وحدات حماية المرأة” نقاطًا إشكالية بالنسبة لأنقرة فحسب، إنما يعتبر مشكلة تحتاج حل من وجهة نظر دمشق، وهي مشكلة لم تصل الأطراف لاتفاق حولها، وفق ما يراه الباحث المتخصص في شؤون شمال شرقي سوريا في مركز “جسور للدراسات” أنس شواخ.
شواخ قال لعنب بلدي إنه من الصعب الوصول لاتفاق ينهي وجود “الوحدات” في “قسد” قبل اندماجها بوزارة الدفاع السورية، خصوصًا أنها تشكل عمودًا فقريًا لـ”قسد”، ويمكن النظر لـ”قسد” في الجانب العملي على أنها عبارة عن “الوحدات”.
وأضاف أن حضور القيادية في “وحدات حماية المرأة”، روهلات عفرين، لاجتماع “قسد”- دمشق، مؤخرًا، يوحي بعدم استعداد قيادتها للتفاوض على وجود “الوحدات” العسكري.
ولفت الباحث إلى أن “قسد” تحاول الإبقاء على نفسها، بقوامهما العسكري المكون من “الوحدات”، ككتلة عسكرية ضمن وزارة الدفاع، لكن هذه المحاولات ستصطدم برؤية دمشق، وممانعة من تركيا بطبيعة الحال.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى