استجابة حذرة لرسالة أوجلان في سوريا

يحمل كرد سوريون أعلامًا أثناء تجمعهم بعد أن دعا زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون في تركيا عبد الله أوجلان إلى إلقاء سلاحه- 27 من شباط 2025 (رويترز)

camera iconيحمل كرد سوريون أعلامًا أثناء تجمعهم بعد أن دعا زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون في تركيا عبد الله أوجلان إلى إلقاء سلاحه- 27 من شباط 2025 (رويترز)

tag icon ع ع ع

تتجه الأنظار نحو شمال شرقي سوريا بعد الدعوات التي أطلقها زعيم “حزب العمال الكردستاني” (PKK)، عبد الله أوجلان، لإلقاء السلاح وحلّ حزبه، والانخراط في العمل السياسي السلمي والاندماج مع الدولة والمجتمع.

دعوة أوجلان خطوة مفصلية في لحظة تحوّل حساسة، رغم أنها ليست الأولى من نوعها، ومن المتوقع أن تلقي ظلالها على المناطق الممتدة بين سوريا والعراق وتركيا، وصولًا إلى إيران.

وسبق أن طلب أوجلان من حزبه إلقاء سلاحه، وحل نفسه بعد اعتقاله من قبل تركيا بعام واحد، وانصاع “حزب العمال الكردستاني” للأمر، وعرفت الخطوة حينها بأول اتفاق سلام بين الجانبين، لكن الاتفاق سرعان ما انهار، عندما أعاد الحزب تشكيل نفسه، واستأنف القتال ضد الجيش التركي، بزعم أن تركيا لم تفي بتعهداتها.

وفي عام 2013 أيضًا، قال أوجلان في رسالة لحزبه إنه حان الوقت لإلقاء السلاح واستئناف النضال عبر الطرق الديمقراطية، وعرفت الخطوة باتفاق وقف إطلاق النار الثانية، لكن الخطوة انهارت لاحقًا بعد قصف طائرات تركية لمواقع العمال على الحدود التركية- العراقية عام 2015.

مطلب أوجلان الحالي لم يختلف عن سابقيه من حيث المضمون، لكن الظروف السياسية المحيطه به اختلفت جذريًا، إذ ترمي تركيا عبر هذه الخطوة للتخلص من حربها ضد الحزب الكردي التي استمرت لأكثر من 40 عامًا، دون ملامح حسم فيها.

وفي شمال شرقي سوريا، حيث تتمركز “قوات سوريا الديمقراطية” المُدارة من قبل “حزب العمال” وفق الرؤية التركية، لم تتوقف العمليات العسكرية، تزامنًا مع نداء أوجلان، أو حتى بعده، وقال قائد “قسد” من جانبه، إنه يدعم رسالة أوجلان، لكنه غير معني بها باعتبارها موجهة لـ”العمال” فقط.

قد لا تنعكس في سوريا

عقب ساعات من نداء أوجلان، قال عضو هيئة الرئاسة لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي” (PYD) صالح مسلم، وهو أحد مؤسسي “الإدارة الذاتية” شمال شرقي سوريا، إن قادة “حزب العمال الكردستاني” (PKK) لن ينفذوا دعوة أوجلان لإلقاء السلاح دون دراسة.

ويعتبر “الاتحاد الديمقراطي” الفرع السوري من “العمال الكردستاني”، وتأسس في سوريا عام 2003.

وأضاف مسلم لموقع قناة لـ”العربية” السعودية، الخميس 27 من شباط، أنه “لن تكون هناك حاجة لسلاح إذا سمح لنا بالعمل السياسي (..) إذا زالت أسباب حمل السلاح سنلقيه”.

ولفت مسلم إلى أن الحاجة لحمل السلاح لا تزال مستمرة خصوصًا “مع تكرر اعتداءات تركيا”.

وربط مؤسس “الاتحاد الديمقراطي” خيار إلقاء السلاح، بزوال أسباب وجوده، أي أيقاف العمليات العسكرية التركية التي لا تزال مستمرة، وكان أحدثها اليوم الجمعة، عندما نذت تركيا ضربات جوية شرقي محافظة حلب، استهدفت مواقع لـ”قسد”.

“العمال الكردستاني” لم يعلّق على نداء مؤسسه حتى لحظة تحرير هذا الخبر، لكن عضو اللجنة التنفيذية فيه، وأحد أبرز قادته، مراد قره يلان، قال في 6 من شباط الحالي، إن التخلي عن السلاح يستوجب عقد مؤتمر يُتخذ خلاله القرار، مضيفًا أن عبد الله أوجلان يمكنه الدعوة لعقد المؤتمر، لكن لا يمكن إلقاء السلاح بناء على “مجرد دعوة عبر الفيديو”.

وأوضح في مقابلة مع قناة “ستيرك-Tv” التابعة للحزب، وترجمتها وسائل إعلام كردية، “نحن حركة تضم عشرات الآلاف من المقاتلين، وهؤلاء لم يأتوا من أجل المال، بحيث يمكن إنهاء الأمر بقطع الرواتب وإعادتهم إلى منازلهم”.

ما المقبل

خلُصت ورقة بحثية نشرها “مركز عمران للدراسات الاستراتيجية”، الجمعة 28 من شباط، إلى أن تشابك المصالح الإقليمية والدولية في ملف شمال شرق سوريا، يجعل الفعل المحلي أقل تأثيرًا في رسم المستقبل السياسي والعسكري للمنطقة، الذي يبقى رهنًا بتفاهمات سياسية بين اللاعبين الدوليين والإقليميين المؤثّرين، ما قد يبقي المنطقة عرضة لتحولات، تتطلب رؤية استراتيجية وطنية لتجنب الأسوأ.

وتشير وقائع التجربة والأدبيات النظرية في دراسة “الإدارة الذاتية” منذ نشأتها، وفق الورقة، إلى أن طبيعة القرار ليست بيد “حزب الاتحاد الديمقراطي” (PYD)، وإنما ترتبط بشكل مباشر بـ”حزب العمال”، الذي بات يرى في شمال شرقي سوريا زاوية جديدة لنشاطاته ودوره في المنطقة، وخزانًا بشريًا وماديًا كبيرًا لتفعيل هذا الدور.

وخلص معدو الورقة البحثية، الباحثان أسامة شيخ علي وساشا العلو، إلى أن تخلي “العمال” عن دوره في سوريا، وفك الارتباط بالمنطقة، “لن يكون أمرًا بتلك السهولة”، وهو مرتبط بالدرجة الأولى بقرار “حزب العمال” وليس “الاتحاد الديمقراطي”.

التحركات باتجاه الإيحاء بالانفصال التنظيمي من الطرفين، حتى الآن، عبارة عن “محاولات تكتيكية للإيحاء بالبعد المحلي الوطني”، وفق الورقة البحثية، خاصة تحت ضغط مطالب القوى الدولية والإقليمية الفاعلة في سوريا.

“قسد” أمام خيارات محدودة

الباحث المتخصص في شؤون شمال شرقي سوريا، سامر الأحمد، قال لعنب بلدي إن رسالة أوجلان لجميع المجموعات المنبثقة عن “حزب العمال”، يحتم على “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) المسيطرة على شمال شرقي سوريا، أن تقرر فيما إذا كانت ستتحرر من “حزب العمال”، بالتالي تلقي السلاح وتنخرط في حل وطني سوري، عبر التسوية مع دمشق، أو أنها ستدخل في صراع مع “حزب العمال” نفسه، في حال انصاع لإلقاء السلاح.

واعتبر الباحث أن رد فعل “حزب العمال” على رسالة أوجلان هو ما سيدير الموقف، مشيرًا إلى أن استجابة “قسد” لرسالة أوجلان، سيثبت أنها امتداد لـ”العمال الكردستاني” وهو ما نفته على مدار السنوات الماضية، وفي حال لم تستجب سيتوجب عليها أن تتصرف وكأنها مشروع وطني سوري، بالتالي سيتوجب عليها الانخراط بتسوية مع دمشق.

من جانبه، يرى الباحث العراقي في السياسات الاستراتيجية، كاظم ياور، أنه من الصعب لخطاب أوجلان وحده أن يتخلص من “العمال” والتنظيمات المنبثقة عنه، خصوصًا مع تأثير الولايات المتحده الأمريكيه وإيران، ومصالح حتى “الدولة العميقة في سوريا” في إشارة إلى بقايا نظام الأسد المخلوع، على هذه المجموعات.

وأضاف لعنب بلدي أن هناك العامل الإسرائيلي المستجد، وهو أحد العوامل الأكثر خطرًا في هذا الإطار، وقد يؤدي تدخل هذه القوى إلى عرقلة الاستجابة لنداء أوجلان.

ولفت إلى أن مصالح “العمال” والتنظيمات الأخرى، تلتقي مع مصالح إسرائيل في “إلحاق الضرر للدولة السورية والدولة التركية”، لافتًا إلى ضرورة احتواء خطاب أوجلان، لسحب احتمالية استخدام هذا الملف مستقبلًا من أيدي دول الإقليم، التي تستخدم هذه المنظمات ضد دول المنطقة.

ما نداء أوجلان

أمس الخميس، دعا زعيم “العمال الكردستاني” أنصار حزبه المسلح، إلى إلقاء السلاح، وحل المجموعة المسلحة، المدرجة على لوائح الإرهاب في كل من تركيا، والولايات المتحدة، وأوروبا.

وألقى وفد من “حزب الديمقراطي الكردستاني” التركي- الكردي، البيان بالنيابة عن أوجلان، بعد زيارته في سجن “إمرالي” حيث يقبع منذ أكثر من 25 عامًا.

وجاء في رسالة أوجلان “حزب العمال الكردستاني تأسس في القرن العشرين. الأرضية التي تكوّن فيها حزب العمال الكردستاني. كانت عقب حربين عالميتين”.

وأضاف في الرسالة التي قُرءت في اللغة الكردية، وترجمت للتركية، “حزب العمال الكردستاني بحاجة إلى حل نفسه”.

أوجلان ذكر في رسالته أن على جميع الجماعات المسلحة التابعة له إلقاء السلاح، ويجب على “حزب العمال الكردستاني” أن يحل نفسه، معتبرًا أنه سيتحمل “المسؤولية التاريخية” حول هذا القرار.

وقال أوجلان، على مدى أكثر من ألف عام، سعى الأتراك والكرد إلى الحفاظ على وجودهم والصمود في وجه القوى المهيمنة، ما جعل التحالف ضرورة دائمة لهم.

واعتبر أن “الحلول القائمة على النزعات القومية المتطرفة، مثل إنشاء دولة قومية منفصلة، أو الفيدرالية، أو الحكم الذاتي، لا تلبي متطلبات الحقوق الاجتماعية التاريخية للمجتمع”.

وأضاف “كما تفعل جميع المجتمعات والأحزاب الحديثة التي لم يتم إنهاء وجودها بالقوة، اتفقوا على عقد مؤتمر، واتخذوا قرارًا بالاندماج مع الدولة والمجتمع، ويجب على جميع المجموعات التخلي عن السلاح، وعلى حزب العمال الكردستاني أن يحل نفسه”.

نجاح

شكرًا لك! تم إرسال توصيتك بنجاح.

خطأ

حدث خطأ أثناء تقديم توصيتك. يرجى المحاولة مرة أخرى.




مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة