fbpx

الأمريكيون يطبخون الحصى في الجزيرة السورية.. ولكن ما حصادهم؟

ع ع ع

أسامة آغي

تبدو الاستراتيجية الأمريكية في ملف الصراع السوري أشبه بسينما “خيال الظل”، فهي تظهر بصورة غير ملموسة وغير مقنعة، فهم مثلهم مثل الروس، يعرفون أن طريق حل الصراع السوري يبدأ بتنفيذ قرار وقعوا عليه هو القرار 2254، ولكنهم يتجنبون الشغل عليه بصورة حقيقية.

ولعلّ زيارة المبعوث الأمريكي الخاص إلى الملف السوري، جيمس جيفري، إلى منطقة الجزيرة السورية، في 20 من أيلول الحالي، تُظهر هذا التوجه الأمريكي، فالأمريكيون يذهبون إلى تعقيد مشهد الصراع في سوريا، من خلال دعمهم لحزب “PYD”، الذي يعتبر الجناح السوري لحزب “PKK”، المصنف أمريكيًا على لوائح الإرهاب الدولي.

وقد صرّح مصدر في وزارة الخارجية الأمريكية أن جيفري أجرى اجتماعات منفصلة في شمال شرقي سوريا (الجزيرة السورية) مع مسؤولين من “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وأحزاب كردية، وممثلين قبليين من دير الزور.

الأمريكيون الذين سمحوا بتوقيع اتفاقيات حول النفط والغاز في منطقة الجزيرة بين شركاتهم وسلطة الأمر الواقع، يعملون على تعميق حالة الحل الجزئي في هذه المنطقة، على حساب الحل الكلي للصراع في البلاد، فهم يصرّون على إنجاز تفاهم كردي- كردي بين “المجلس الوطني الكردي” وبين حزب “PYD” وحلفه من بقية الأحزاب الكردية الصغيرة.

الأمريكيون لا يتصرفون كدولة عظمى وضعت قرارًا دوليًا هو 2254 في مجلس الأمن، بل يتصرفون وفق حسابات الميدان المؤقتة، كرد فعل على السياسة الروسية في سوريا، أو على السياسة التركية في هذا البلد، فهم ينخرطون ببناء كيان حكم ذاتي مستقل في منطقة الجزيرة، على حساب القضية السورية كلها، وعلى حساب سكان هذه المنطقة، التي لا يشكل الكرد فيها الأغلبية السكانية.

فما الذي يريده الأمريكيون من طبختهم هذه؟ وماذا يستطيعون أن يفعلوا في ظل موازين قوى إقليمية وداخلية، لا تعمل لمصلحة مشروعهم الداعم لكيان حكم ذاتي كردي في الجزيرة السورية؟

جيفري الذي أتى إلى منطقة شمال شرقي سوريا من أجل محاولة تنفيذ اتفاقيات أولية، جرت بين “المجلس الوطني الكردي” (الذي يعتبر أحد مكونات ائتلاف قوى الثورة والمعارضة)، وبين حزب “PYD” ومجموعة حلفائه، وكذلك للاجتماع بالمكون العشائري في محافظتي دير الزور والرقة، إنما اختار طريقًا خاطئًا في التعامل مع مشاكل هذه المنطقة السورية، واختار الابتعاد نسبيًا عن حل الصراع السوري عبر أسلوب تجزئة هذا الحل.

جيفري وبلاده يعملان على ترسيخ وجود قوة انفصالية، تريد فرض وجودها بالقوة على السوريين، رغم أنها ليست ممثلًا حقيقيًا للمكون الكردي في البلاد، ولهذا، فالأمريكيون يريدون توظيف هذه القوة لمصالح استراتيجية، هذه المصالح، تظهرُ من خلال سلوكهم، وسلوك ما يسمى “قوات التحالف الدولي”.

الأمريكيون عبر إدارة ترامب، التي يقترب استحقاق الانتخابات الرئاسية منها، تبحث عن نصر سياسي، ولو كان هذا النصر ذا فعالية مؤقتة، يمكن استثمارها لفترة قصيرة، تخصّ زمن الانتخابات الأمريكية.

الأمريكيون لا يفكرون جديًا بالتعاون مع حليفهم التركي في فرض حل سياسي شامل للصراع السوري، ولهذا تُبنى استراتيجيتهم على محاولة الإمساك بكل خيوط الصراع السوري، ومحاولة تحريكها، وفق ما يعتقدون أنهم قادرون على فعل ذلك.

التوجه الأمريكي نحو خلق حالة سياسية في منطقتي الجزيرة والفرات (إقليم فيدرالي)، هو توجه يُبنى على أساس أن خلق هذه الحالة سيفتح الباب باتجاهات متعددة، أولها يتعلق بإرسال إشارات ملموسة للروس، تتمثل بأنهم لن يسمحوا بوضع النفط السوري في خدمة إعادة إنتاج نظام الأسد، الذي يريد الروس بقاءه من أجل استخدامه كواجهة للسيطرة على موارد سوريا.

وثاني هذه الاتجاهات، إرسال إشارات إلى تركيا، بأن محاولة الأتراك الابتعاد عن تحالفهم التاريخي مع الأمريكيين، والتغريد قريبًا من موسكو، سيدفع الأمريكيين إلى تثبيت كيان يشكل تهديدًا مستمرًا لوجودهم، وفق ما تعلنه تركيا حيال سيطرة “قسد” التابعة لحزب “PYD”، الذراع السورية لـ”PKK”.

وثالث هذه الاتجاهات، محاولة الولايات المتحدة، عبر تثبيت الأمر الواقع في منطقة الجزيرة السورية، خلق ما يشبه حالة سياسية، تقوم على مبدأ خلق كيان فيدرالي أول في سوريا، هو إقليم الجزيرة والفرات، الذي أطلقوا عليه تسمية جديدة (شرق الفرات) لطمس اسمه الحقيقي (الجزيرة)، وطمس هويته التاريخية.

الاتجاهات الأمريكية المشار إليها، دفعت “ائتلاف قوى الثورة والمعارضة”، الذي يتخذ من اسطنبول مقرًا له، ومن تركيًا سندًا رئيسًا لسياسته، لبدء سلسلة اجتماعات سياسية، لتوسيع قاعدة التمثيل فيه، وقد استدعى “الائتلاف” شخصيات سياسية كردية مستقلة، وممثلين عن قوى عشائرية في منطقتي الجزيرة والفرات، وقوى سياسية معارضة للنظام، هذه الخطوات لم تأتِ إلا كرد فعل على التوجه الأمريكي في شمال شرقي سوريا.

سياسة “الائتلاف” هذه لم تنحُ منحىً استراتيجيًا، يخص حل الصراع السوري، وفق أخفض سقف للثورة السورية، وهو القرار 2254، فمثل هذا السقف السياسي يحتاج إلى استقلالية مرنة في الممارسة السياسية، هذه الاستقلالية تبدأ في توسيع قاعدة المشاركة جديًا في صنع القرارات، وتحرير “الائتلاف” من هيمنة قوى ذات توجه أيديولوجي محدّد، وهذا يحتاج إلى تغيير عميق في بنية القوى المكونة لهذا “الائتلاف”، والتي أغلبها بات لا يمثّل واقع الحراك الثوري السوري، ولا طموحات السوريين في الانتهاء من حالة الاستعصاء، نتيجة عجز هذه القوى المتصدرة لمشهد المعارضة السورية، التي تعتاش على عطالة حركة الواقع الثوري، وعلى اعتبارها تابعًا سياسيًا غير قادر على الحشد الوطني.

وفق هذه الرؤية، الأمريكيون يطبخون في شمال شرقي سوريا طبخة حصى، فهم يتجاهلون أن قيام كيان حكم ذاتي كردي خارج إرادة السوريين الحرّة، هو مراهنة سياسية لن تجد أمامها سوى تحديات داخلية وإقليمية، تحديات لن تسمح بفرض أمر واقع كهذا، لأنه يشكل تهديدًا لمصالح كثير من القوى الداخلية والإقليمية.

الأمريكيون في سعيهم إلى تنفيذ هذه الرؤية، يخسرون بالمعنى الاستراتيجي صداقة السوريين أولًا، ويكسبون عداوة الأتراك، الذين يدركون أن مثل هذه الخطوات لقيام كيان حكم ذاتي كردي، هو تهديد لأمنهم القومي، الذي يعتبر مقدسًا لدى كل الأتراك.

طبخة الحصى الأمريكية في الجزيرة السورية حصادها مزيد من الصراعات في المنطقة بين مكوناتها الوطنية، والتي لا حل حقيقيًا لديها سوى مربع الوطنية السورية، المبني على قاعدة دولة مدنية ديمقراطية تعددية. فهل يعيد الأمريكيون قراءاتهم للمشهد السوري؟ أم أنهم سيغرقون كما الروس في وحول تفاصيله؟



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة