ع ع ع

عنب بلدي – روزنة

افتتحت اللجنة الدستورية أول اجتماعاتها، نهاية تشرين الأول الماضي، لتلقى ترحيبًا دوليًا وتشكيكًا محليًا لم يغب عنها مذ طُرحت فكرتها للمرة الأولى العام الماضي.

وتصاعدت الأصوات المنتقدة للجنة، حاملة شعارات تشير إلى أن مطلب الإرادة الشعبية هو “إسقاط النظام” لا “تغيير الدستور”، وانتشرت الاحتجاجات المحلية المناهضة لها في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، التي اعتبرت قيامها تحقيقًا لأجندات خارجية مفروضة.

ومع اجتماع أعضاء قوائمها الثلاث، الممثلة للنظام السوري والمجتمع المدني والمعارضة، وانتشار الأجواء المشحونة بين الأعضاء وما وصف بـ “اختلاف الأجندات المطروحة” بين الأطراف، تزايد التشكيك بقدرة اللجنة على تحقيق أهدافها، وإنهاء أعمالها قبل بلوغ موعد انتخابات عام 2021.

وطرحت مسألة استقلالية قرارت اللجنة كإحدى النقاط الرئيسية لتقييمها، مع إعلان الأطراف الدولية الرئيسة الداخلة في النزاع السوري، كروسيا وأمريكا، دعمها ودفعها لانعقاد اللجنة واستمرار أعمالها.

برنامج “صدى الشارع“، الذي يذيعه راديو “روزنة”، قدم السبت الماضي، 2 من تشرين الثاني، عرضًا لآراء محللين قانونيين ودبلوماسيين حول إمكانية نجاح اللجنة الدستورية في كتابة دستور مستقل لسوريا.

لجنة لتمثيل الشعب أم للمصالح الدولية؟

“ولادة الدستور من مشاركة شعبية ديمقراطية هي أساس استقلاليته”، قال المحامي والمستشار القانوني علي الرشيد، مشيرًا إلى أن اللجنة الدستورية الحالية فُرضت من قبل أطراف خارجية، استثنت الاختصاصيين المؤهلين من الشعب السوري لكتابة الدستور الذي يحقق إرادة ومصلحة الشعب، حسب تقييمه.

وأضاف الرشيد أن عملية الصياغة الحالية ستبقى رهنًا لمماطلة النظام السوري، الذي أعلن عن نيته إغراق اجتماعات اللجنة بالتفاصيل، ما لم يضغط المجتمع الدولي عليه لضمان نجاح الاجتماعات، وهو ما اعتبره بعيدًا عن الواقع الحالي الذي شهد تراخيًا دوليًا متكررًا تجاه القضية السورية، “حتى تطوى صفحة الدستور مثلما طويت صفحة الحكم الانتقالي”.

ويتمثل المانع لإقامة دستور شعبي ديمقراطي حاليًا بوجود “الاستبداد المحمي دوليًا”، مع اتجاه روسيا وإيران لدعم تعديل الدستور بما يناسب مصالحهما، بدل إقامة هيئة تأسيسية منتخبة من الشعب لوضع بنود الدستور ومن ثم الاستفتاء عليه، حسب رأي الرشيد، الذي قال إن دستور عام 1950 كان أفضل الدساتير التي مرت على التاريخ السوري “لأنه الدستور الوحيد الذي كُتب من قبل لجنة منتخبة من الشعب”.

الدكتور في العلوم السياسية والاستراتيجية، حسان فرج، رأى أن اللجنة الدستورية الحالية تشهد حوارًا سوريًا- سوريًا دون تدخل دولي سوى بعملية الضغط لدوام الحوار واستمرار التفاوض.

وقال فرج لبرنامج “صدى الشارع” إن التدخل الخارجي في عملية صياغة الدستور الحالية “صعب جدًا”، إلا أن قبول تدخل الأطراف الخارجية لتجاوز استعصاء المفاوضات مهم للانتقال بها قدمًا، مشيرًا إلى أن المصالح والاتفاقات الدولية، مثل العقود الروسية والإيرانية في سوريا، لن تفند أو تلغى في عملية صياغة الدستور، الذي يحترم الاتفاقات الدولية، ولكنها ستناقش في مرحلة لاحقة في مجلس النواب الممثل للشعب.

“قاسم مشترك” يشوبه الخلاف

اعتبر دكتور العلوم السياسية والاستراتيجية، حسان فرج، أن الدستور “العمود الفقري” لمستقبل سوريا و”القاسم المشترك” بين السوريين جميعًا، وقال إن مهمته تنظيم المرحلة السياسية المقبلة وحل الخلافات عبره وليس بحد السلاح.

وفي حين برزت صلاحيات الرئيس وفترة حكمه كأهم النقاط التي من المتوقع أن تسبب الخلاف ضمن جلسات اللجنة الدستورية، إلا أن فرج أشار إلى أن الدساتير “لا تقف عند أشخاص بعينهم”، مع أهمية ضبط آليات الرقابة والمحاسبة وضمان تنفيذها.

واعتبر دكتور العلوم السياسية بنود المواطنة المتساوية وفصل السلطات الأساس في الدستور المرجو، لضمان “عدل تام بين جميع السوريين ومنحهم حقوقهم دون تمييز”، ورفض المحاصصة والفيدرالية، واصفًا إياها بـ “التقسيم المقنع” و”المغامرة الخطرة” على سوريا.

وأضاف فرج أن إعادة كتابة الدستور لا داعي لها، كي لا يتم الدخول بتفاصيل طويلة تعرقل المفاوضات، إذ إن مواد دستور عام 2012 يمكن القبول بها مع بعض التعديل على آليات تطبيقها.

وخالفه المستشار القانوني والمحامي، علي الرشيد، قائلًا إن “الخطأ” الذي وقعت به المعارضة اعتقادها أن تعديل دستور عام 2012 كافٍ للوصول إلى مرحلة جديدة، إلا أن “فقرات الدستور جميعها بحاجة لتعديل” مع ضرورة التأكيد على ضمان تنفيذ وفرض بنوده.

واعتبر الرشيد أن أهم النقاط التي من المتوقع أن يحاول النظام السوري عرقلتها في الدستور، هي بنود العدالة الانتقالية وملاحقة المجرمين ومعاقبة مرتكبي جرائم الحرب، مشيرًا إلى أن البنود المتعلقة بالمحاسبة هي التي ستهدد النظام السوري مستقبلًا.

حوار متأخر خير من لا حوار أبدًا

دام الحديث عن اللجنة الدستورية والتفاوض على أسماء أعضائها وآلياتها مدة عام، مع طرحها للمرة الأولى في مؤتمر سوتشي، في تشرين الثاني من عام 2018، ورغم تأخر انعقاد جلساتها إلا أن الناطقة الإعلامية لتيار الغد السوري، مزن مرشد، اعتبرتها خطوة إيجابية “جيدة ومهمة”.

وقالت مرشد إن الاتفاق على الدستور والعمل عليه يقدم “أملًا” واحتمالًا وإن كان “بنسبة 5% للوصول إلى الحل”، رغم عدم تحقيقه لكامل أحلام وطموحات الشعب السوري الذي احتج عليه ونفى ضرورته.

وأشارت الناطقة الإعلامية في حديثها لبرنامج “صدى الشارع”، إلى أن الاتفاق على الدستور هو تحضير لما بعد رحيل الأسد، مع تحديده لأولويات الانتقال السياسي.

وكان الجانب “الإيجابي” خلال الاجتماع الأول للجنة الدستورية الموسعة، الذي اختتم يوم الجمعة الماضي، في 1 من تشرين الثاني، هو غياب الأجندة والرسائل الواضحة لدى قائمة النظام التي حاولت التعطيل فقط، بعد أن شاركت في الاجتماع إثر تعرضها لضغط شديد من روسيا، حسب رأي مرشد.

وصبت المصلحة الروسية في البحث عن مخرج سياسي لحربها المكلفة في سوريا، حسبما قالت مرشد، التي اعتبرت أن “المنطق” يبين ضرورة الانسحاب الروسي من الحرب السورية لضمان مصالحها، وهو ما يبرر ضغطها على النظام السوري لمتابعة التفاوض رغمًا عنه.


أعدت هذه المادة ضمن اتفاقية التعاون بين صحيفة عنب بلدي وراديو روزنة.

مقالات متعلقة