fbpx
× الرئيسية أخبار وتقارير اقتصاد مجالس ومنظمات رأي وتحليل ناس في العمقملتيميديا رياضة ثقافة سوريون في الخارج مارس النسخة الورقية

“الكرة الشاملة” الهولندية.. قصة نجاح مليئة بالخيبات

ع ع ع

عنب بلدي – محمد حمص

لم تنجح إسبانيا في تاريخها، قبل عام 2010، في تخطي حاجز دور ربع النهائي قبل أن يأتي أسلوب “تيكي تاكا”، الذي أرهبت فيه خصومها ووصلت به إلى حلمها وحملت كأس العالم، وتفوقت على رقم صعب اسمه هولندا.

لقاء هولندا وإسبانيا كان لقاء بين مدرستين مرتبطتين ببعضهما، الأولى قديمة (المدرسة الهولندية الكرة الشاملة)، والثانية حديثة العهد نسبيًا، وهي المدرسة الإسبانية وفنون الـ “تيكي تاكا”.

وعلى الرغم من تفوق الإسبان، لا يمكن الحكم على المدرسة الهولندية بالفشل لخسارة نهائي واحد، أو في الواقع خسارة ثلاثة نهائيات بكأس العالم في تاريخها، مع سلسلة نجاحات حققتها على صعيد أنديتها وعلى رأسها النبع الأول لـ “الكرة الشاملة” أياكس أمستردام.

نجحت الفلسفة الإسبانية، بينما لا يمكن القول إن الفلسفة الهولندية فشلت، بقدر ما يمكن الحديث حول ظروف المباراة وقدرة الإسبان على دفع اللاعبين الهولنديين للعب بخشونة أكبر أفقدت كرتهم السلسة بريقها، بعد أن تحكم الإسبان بالمساحة والكرة.

يقول لاعب المنتخب الهولندي كلارنس سيدروف إن “اللاعبين الهولنديين اعتمدوا تكتيك الأسلوب العنيف، وارتكبوا الكثير من الأخطاء، وحظهم كان كبيرًا جدًا بأن بعض لاعبيهم لم يطردوا من المباراة”.

حاول الهولنديون قطع الكرة من الإسبان، ومنعهم من السيطرة عليها، والاتجاه لأسلوب دفاعي متحفظ، أضاع هوية الكرة الهولندية وحكم على المباراة بعد انقضاء ربع الساعة الأول.

غياب هولندا عن التتويج، ثم غيابها عن التأهل إلى روسيا 2018، وضع إشارات استفهام عديدة عن مدرسة كروية كبيرة، حتى عادت الموسم الماضي عقب انقضاء المونديال وبداية الموسم الكروي.

وظهرت هولندا مجددًا عبر محورين، الأول بمدرستها الأكبر، وهي أياكس أمستردام، والثاني عودة هولندا إلى نغمة الانتصارات في بطولة دوري الأمم الأوروبية المستحدثة، وظهر الفريقان بتقاليد “الكرة الشاملة” العريقة، فهل ستعود نغمة الانتصارات الهولندية؟

تاريخ “الكرة الشاملة”

توصل المدربان رينوس ميشيلز وفاليري لوبانوفيسكي، على جانبين متقابلين من أوروبا، إلى فكرة واحدة حول الطريقة التي يجب أن تُلعب بها كرة القدم، وكانت اللعبة من وجهة نظرهما تتلخص في المساحات وكيفية السيطرة عليها وتوسيعها عند استحواذ الفريق على الكرة، وكيف يضيّق الفريق المساحة حين يفقد الكرة، ويجعل احتفاظ المنافس بها مهمة غاية في الصعوبة.

وشجع المدربان على تبادل المراكز واعتمدا على قدرة اللاعبين على تغطية بعضهم.

كان ذلك تطويرًا للأسلوب الروسي في الأربعينيات، والأسلوب المجري في الخمسينيات، ولكن التفوق كان هنا في تطبيق مصيدة التسلل وكان الضغط على الخصم عاملًا أساسيًا، ولكن ذلك لم يعتمد عليه حتى منتصف الستينيات.

أسلوب الضغط هو الأسلوب الذي ابتكره المدرب السوفيتي فيكتور ماسلوف مع نادي دينامو كييف الأوكراني، عندما كان يلعب في نهاية الخمسينيات ضمن دوري الاتحاد السوفيتي، ولكن تطبيق هذا الأسلوب كان مستحيلًا، إذ يتطلب مجهودًا بدنيًا كبيرًا ولياقة شديدة، وبقدوم ميشلز ولوبانوفيسكي تطورت الكرة وأساليب اللياقة البدنية إلى مستوى يجعل اللاعبين قادرين على الركض طوال 90 دقيقة.

الانتقال إلى هولندا

نهاية الخمسينيات كان أسلوب المنتخب الهولندي مستمدًا من الأسلوب الإنجليزي القديم، وكان المنتخب يُمنى بهزائم تاريخية، فقد فاز مباراتين فقط من أصل 72 مباراة لعبها.

بذور الكرة الهولندية الشاملة ظهرت تدريجيًا حين جاء فيكتور بيكنجهام عام 1959 إلى أياكس أمستردام، قادمًا من توتنهام هوتسبير.

ولعب هناك بأفكار تحمل قيمة التمرير والتحرك والاحتفاظ بالكرة، بدلًا من الكرات الطويلة، وكان يعمل على مبدئه القائل، “إذا حصلت على الكرة احتفظ بها، ولن يتمكن منافسك من التسجيل”.

تبلورت أفكار بيكنجهام مع أفكار أياكس، الذي لم يكن يعتمد على العقلية الخشنة، وكان أسلوب لاعبيه موجودًا مع إبداعاتهم المختلفة.

مع خروج بيكنجهام من أياكس أمستردام سنة 1965 دخل ميشلز، وحينها كان يصارع الفريق بمراكز الهبوط، ونجح ميشلز بإبقاء الفريق في الدوري الأول وفاز باللقب بالموسم الذي تلاه.

لعب لفريق مع ميشلز كرة سهلة سلسلة، ولكنه لم يسجل كيف وصل إلى الطريقة التي يعتقد أن كرة القدم تُلعب بها.

ارتبط فكر أياكس أمستردام ومدربه ميشلز بحركة التمرد التي شهدتها هولندا، كما ارتبط بثورة ثقافية حينها جعلت الناس تشكك بالمبادئ التقليدية، في وقت كان يوهان كرويف يمثل هذا الجانب في الفريق الهولندي.

لم يظهر مصطلح “الكرة الشاملة” إلا استجابة لأداء المنتخب الهولندي في كأس العالم عام 1974، حين برزت مصطلحات في هولندا عن “التمدن الشامل” و”الطاقة الشاملة” و”البيئة الشاملة”، بحسب ما يقول الصحفي الإنجليزي جوناثان ويلسون في كتابه “الهرم المقلوب.. تاريخ تكتيكات كرة القدم”.

ظهرت البوادر الأولى للكرة الهولندية حينما فاز أياكس على ليفربول في الكأس الأوروبية عام 1966، بخماسية مقابل هدف، وعاد للتعادل في الإياب بهدفين لمثلهما.

بدأ ميشلز عملية التأسيس من الخلف بتحديث مراكز الظهراء الحرة، وتمكن بعد ثورته من الفوز بلقب الدوري الهولندي أربع مرات متتالية.

صار دور التبادل السريع للمراكز واحدًا من فلسفات ميشلز، ومن بعده كرويف اللذين كانا يتفاعلان مع الظروف وتطور الأسلوب، مع ظهور الأسلوب الدفاعي الكثيف للمحاولة على تغلب على أسلوب أياكس الهجومي.

وقال ميشلز، “حاولت وضع قواعد رئيسة تعني أنه يمكننا مفاجأة هذه الجدران قليلًا، كان عليّ أن أترك لاعبي الوسط والدفاع يشاركون في بناء الهجمات والهجوم”.

وأضاف، “كان طريقًا شاقًا عند التنفيذ، لأن أصعب شيء ليس أن تعلّم قلب الدفاع أن يشارك في الهجوم، لأن ذلك يروق له، ولكن الصعب هو إيجاد لاعب آخر يغطي مكانه”.

تحول اللعب من أسلوب 4-2-4 إلى أسلوب 4-3-3، الأمر الذي جعل تبادل المراكز أكثر سهولة لأنه كان يحدث عادة عند أحد الجناحين أو الوسط.

الكرة الشاملة، وفق لاعب أياكس أمستردام هولشوف، تعني أن “اللاعب المهاجم يمكنه اللعب في الدفاع، وأن يخلق مساحات ويذهب إليها، وإذا لم تأتِ الكرة يترك هذه المساحة وسيأتي لاعب آخر إليها”.

العنصر الثوري في هذه الطريقة كان اعتماد تبادل المراكز طوليًا وليس جانبيًا، ما يتيح الضغط على الخصم، حيث لم تعد المساحة خلف آخر لاعب في فريق الخصم موجودة، وبمجرد أن يتلقى الخصم الكرة تتم مطاردته بسرعة كبيرة في منطقته، وهذا ما يجعل قدرته على التمرير الدقيق مستحيلة.

ولعل أبرز مثال حديث حول طريقة اللعب هذه، هو مواجهة ريال مدريد وأياكس أمستردام في ذهاب دور الستة عشر من دوري أبطال أوروبا، موسم 2018-2019.

من هو يوهان كرويف؟

كان ميشلز “أبو الكرة الشاملة”، التي أخذها معه إلى برشلونة، بينما طبقها كرويف لاعبًا ومدربًا، مع نفوذه الكبير في هولندا أو برشلونة على حد سواء.

سمي كرويف بأينشتاين كرة القدم وأفلاطونها، ساحرها ومدربها العبقري، وعلى الرغم من  أن كرويف لم يؤسس أسلوب “الكرة الشاملة”، ولكنه يعتبر الأب الروحي لها وخير من طبقها.

الهولندي، الذي توفي في 24 من آذار 2016، بعد صراع مع سرطان الرئة، أسهم بتطوير أسلوب اللعب الذي انتهجه ميشلز مع نادي برشلونة، ومكنه من التربع على عرش الكرة العالمية، وشهد له غوارديولا بذلك، بقوله إن “كرويف سن القاعدة، ومدربو برشلونة يسيرون عليها”.

تمكن “بيليه الأبيض”، كما يلقب لذكائه وسرعته في منتصف الملعب، من تجاوز عقبة رفض والده لمتابعته كرة القدم، عندما كان في سن العاشرة، ليصبح لاعب كرة قدم، ويحقق أرقامًا كبيرة مع ناديه أياكس أمستردام، إذ سجل 190 هدفًا في 240 مباراة، ثم انتقل إلى كاتالونيا في صفقة تاريخية للعب مع برشلونة، وتألق معه وسجل 48 هدفًا في 143 مباراة في الفترة بين 1973 إلى 1978.

واستمر بعطائه حتى بعد اعتزاله وصنع أحداث كرة القدم لأكثر من 40 عامًا كمدرب وأحد مؤسسي مشروع “الكرة الشاملة” في أياكس هولندا، إلى جانب المدرب الهولندي الكبير رينوس ميشلز كأفضل مدرب في القرن الماضي، بحسب تصنيف “فيفا”، والذي شكل في أعوام 71و72و73 الحقبة الهولندية الذهبية.

أكبر خيبات كرويف في مشواره الكروي هي خسارته لنهائي كأس العالم عام 1974 أمام الألمان بقيادة بكنباور، عندما استطاع قلب الطاولة على كرويف وأصدقائه وتحقيق اللقب.

حاول بعدها الهولندي تحقيق كأس العالم 78 في الأرجنتين، ولكن الجناح الطائر لم يستطع أن يعوض الخسارة، بسبب تهديدات القتل التي منعته من السفر إلى الأرجنتين، وأدت به إلى الاعتزال، ليعود إلى الملاعب بعد عام واحد.

قال كرويف إن “كرة القدم سهلة ولكن من الصعب أن تلعب السهل”، وقد برز أسلوب “السهل الممتنع”، مع المدرب غوارديولا عندما قاد الحقبة الذهبية لبرشلونة، متبعًا أسلوب مدرسة كرويف، صاحب السبق بصنع التيكي تاكا الإسبانية بداية التسعينيات.

“في الملعب كرة وحيدة، ولذلك يجب أن تحصل عليها”، هكذا برر الراحل الهولندي جزءًا من فلسفته الكروية في الاستحواذ على الكرة، فهو يملك رؤية فريدة من نوعها مفادها أن الكرة لعبة للعباقرة والفلاسفة المبدعين واللاعبين المثابرين والشغوفين، وهي ليست مرتبطة بعمر أو عرق أو بلد.

ولد يوهان كرويف في العاصمة الهولندية أمستردام، في 25 من نيسان 1947، لعائلة بسيطة وتوفي والده، وعمل بقالًا عندما كان في الثانية عشرة من العمر، فعايش مرارة البؤس فترة من طفولته، واضطرت أمه لتعمل “عاملة نظافة” بنادي أياكس الهولندي.

لكنه صنع أمجاد أياكس وحين عاد إليه عام 1981 بعد تجربة في الدوري الأمريكي، تدفق المشجعون لمشاهدة المباراة الأولى لابن النادي البار وصانع أمجاده، وقد سجل حينها هدفًا وصف بأنه “تاريخي”.

وفي عام 1983، انتقل إلى فينورد الهولندي وفاز معه في موسم واحد ببطولة الدوري والكأس، لينهي معه مسيرته عام 1984.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة